Akhbar Cairo

السيسي يقر تعديلات التأمين الصحي الشامل لتعزيز التمويل

السيسي يصدق على تعديلات التأمين الصحي الشامل.. ماذا تغيّر؟

أقرّ الرئيس عبد الفتاح السيسي تعديلات جديدة على قانون نظام التأمين الصحي الشامل، في خطوة تشريعية تستهدف تثبيت آلية أوضح لتحصيل المساهمة التكافلية وتعزيز الاستدامة المالية للمنظومة التي تمثل أحد أكبر مشروعات الإصلاح الصحي في مصر. وجاءت هذه الخطوة بعد موافقة مجلس النواب نهائيًا على مشروع القانون في 30 يونيو 2026، وفق ما نشره البرلمان المصري.

أهمية القرار لا تتوقف عند الجانب الإجرائي فقط، بل تمتد إلى طريقة تمويل النظام نفسه، وهو ما يهم ملايين الأسر المصرية مع استمرار التوسع التدريجي في تطبيق التأمين الصحي الشامل على مستوى المحافظات. وبالنسبة لمتابعي الشأن العام خارج المنطقة أيضًا، فإن التجربة المصرية تظل محل متابعة باعتبارها جزءًا من النقاش العالمي حول تمويل الرعاية الصحية الشاملة في الدول متوسطة الدخل.

أبرز ما تنص عليه التعديلات

بحسب ما أورده مجلس النواب، فإن التعديل الجديد ينص على أن حصيلة المساهمة التكافلية تُعد إيرادًا ضريبيًا، على أن تتولى مصلحة الضرائب المصرية فحصها وربطها وتحصيلها من المخاطبين بأحكام القانون. كما تؤول الحصيلة إلى الخزانة العامة للدولة، مع التزام الخزانة بسداد قيمتها كاملة وبصورة تلقائية إلى الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل. والهدف المعلن من هذه الصياغة هو ضمان تحصيل مستحقات الهيئة وتعظيم مواردها بما يدعم استدامة النظام ماليًا.

هذه النقطة بالذات تعكس جوهر التعديل: نقل آلية التحصيل إلى مسار أكثر انتظامًا وانضباطًا من خلال المنظومة الضريبية، بدل تركها عرضة لتفاوت التطبيق العملي. ووفق القراءة الحكومية والبرلمانية، فإن ذلك يفترض أن يقلل فجوات التحصيل ويمنح هيئة التأمين الصحي الشامل تدفقات مالية أكثر قابلية للتنبؤ.

لماذا تُعد المساهمة التكافلية نقطة محورية؟

في النظم الصحية الشاملة، تعتمد الاستدامة على تعدد مصادر التمويل وعدم تحميل المواطن عند نقطة تلقي الخدمة العبء الأكبر. لذلك تُعد المساهمة التكافلية إحدى الأدوات التي تُستخدم لتوسيع قاعدة التمويل بما يحافظ على الطابع التضامني للمنظومة. التعديل المصري الأخير لا يرفع هذا الملف إلى مستوى الجدل السياسي فقط، بل يضعه أيضًا ضمن النقاش الأوسع عالميًا بشأن كيفية تمويل الرعاية الصحية الشاملة بكفاءة ومن دون إرباك مالي للمؤسسات المنفذة.

ومن هذه الزاوية، فإن ما جرى في مصر يعكس توجهًا معروفًا في تجارب دولية عديدة: ربط بعض موارد التمويل الصحي بقنوات التحصيل الحكومية الأكثر انتظامًا، بهدف تقليل التسرب الإداري وتحسين القدرة على التخطيط طويل الأجل.

ماذا يعني ذلك للمواطنين في مصر؟

عمليًا، لا تتعلق التعديلات المعلنة بتغيير فوري في شكل الخدمة الطبية للمواطن بقدر ما ترتبط بتحسين البنية التمويلية التي تقف خلف الخدمة. فكلما كانت الموارد المحصلة أوضح وأكثر انتظامًا، زادت قدرة الدولة والهيئات المختصة على التوسع في التغطية، والتعاقد مع مقدمي الخدمات، ودعم الجاهزية التشغيلية للمستشفيات والوحدات الصحية الداخلة في المنظومة.

الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل أعلنت في يوليو 2026 أن عدد المستفيدين من المنظومة بلغ نحو 5.4 مليون مستفيد حتى 30 أبريل 2026 في 6 محافظات مطبق بها النظام، مع متوسط تسجيل وصل إلى 83.6% من السكان المستهدفين، فيما بلغت نسبة غير القادرين المسجلين نحو 16% من إجمالي المسجلين. هذه الأرقام تعطي مؤشرًا على حجم المسؤولية المالية التي تتطلبها المرحلة الحالية من التشغيل.

أين وصلت المنظومة الآن؟

وفق الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية، تشمل المرحلة الأولى من المشروع القومي للتأمين الصحي الشامل محافظات بورسعيد والإسماعيلية والسويس وجنوب سيناء والأقصر وأسوان. كما أوضحت الرئاسة في 6 سبتمبر 2025 أن المرحلة الثانية تستهدف كفر الشيخ ومطروح وشمال سيناء ودمياط والمنيا، قبل أن تؤكد مجددًا في 6 يونيو 2026 متابعة الرئيس للتشغيل التجريبي للمنظومة في محافظة المنيا.

وخلال اجتماع رئاسي عُقد في 6 يونيو 2026، تابع الرئيس عبد الفتاح السيسي الموقف التنفيذي الحالي للمنظومة، بحضور رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي ووزير الصحة والسكان الدكتور خالد عبد الغفار. وشدد الاجتماع على ضرورة جاهزية كل منشأة طبيًا وفنيًا وإداريًا قبل افتتاحها، مع الإسراع في ميكنة المنظومة وتطبيق نظام صحي رقمي متكامل يدعم كفاءة التشغيل وإدارة البيانات.

خالد عبد الغفار ومشهد الإصلاح الصحي

يبرز اسم الدكتور خالد عبد الغفار بصفته وزير الصحة والسكان في قلب هذا الملف، لا سيما مع ربط الحكومة بين التوسع في التأمين الصحي الشامل وبين تطوير البنية الصحية والرقمية معًا. وفي عرض قدّمه خلال الاجتماع الرئاسي في يونيو 2026، أشار إلى أن المنظومة تمثل نموذجًا للعدالة الصحية والتضامن المجتمعي، مع الاستعداد للانتقال إلى مراحل جديدة من التطبيق.

كما استعرض الاجتماع نفسه تطورات عدد من المشروعات الصحية، بينها مستشفى العلمين الجديدة ومستشفى رأس الحكمة ومدينة النيل الطبية ومستشفى النيل للأطفال والمعامل المركزية ببدر ومستشفى رمد قلاوون. ورغم أن هذه المشروعات ليست كلها جزءًا مباشرًا من نص التعديل القانوني، فإنها تعكس الإطار الأوسع الذي تُدار داخله السياسة الصحية في مصر.

البعد الاقتصادي والسياسي للتعديل

سياسيًا، يمنح إقرار التعديلات الحكومة مساحة أكبر للدفاع عن مشروع التأمين الصحي الشامل باعتباره برنامجًا طويل المدى يحتاج إلى حوكمة مالية واضحة، لا مجرد توسع جغرافي في إعلان المحافظات. واقتصاديًا، فإن إدماج تحصيل المساهمة التكافلية داخل الإطار الضريبي يبعث برسالة إلى المؤسسات الدولية والمراقبين بأن القاهرة تتحرك نحو تعزيز قابلية التمويل والاستدامة، وهي عناصر أساسية في أي مشروع تغطية صحية واسع النطاق.

ومن منظور أوسع يهم قسم العالم، فإن هذا النوع من التعديلات يضع مصر ضمن مسار عالمي تشهده دول كثيرة تحاول الموازنة بين اتساع التغطية الصحية وارتفاع تكاليفها. فالقضية لم تعد فقط توفير العلاج، بل بناء نموذج تمويلي قادر على الصمود أمام التضخم، وتوسع السكان، وتكاليف التكنولوجيا الطبية.

ما الذي ينبغي متابعته لاحقًا؟

الاختبار الحقيقي لن يكون في صدور القانون فقط، بل في سرعة إصدار القرارات التنفيذية وتطبيق آليات التحصيل بصورة فعالة، ثم انعكاس ذلك على انتظام التمويل داخل الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل. كما ستظل معدلات التسجيل، ودخول محافظات جديدة إلى المنظومة، وجاهزية المنشآت الصحية، من أهم المؤشرات التي يتابعها الخبراء والمواطنون معًا.

في المحصلة، فإن تصديق الرئيس عبد الفتاح السيسي على تعديلات قانون التأمين الصحي الشامل يمثل خطوة تشريعية مؤثرة في ملف الصحة العامة بمصر. لكنها أيضًا تفتح فصلًا جديدًا من الأسئلة العملية: هل تنجح آلية التحصيل الجديدة في تأمين موارد أكثر استقرارًا؟ وهل ينعكس ذلك سريعًا على وتيرة التوسع وجودة الخدمة؟ الإجابة ستظهر مع التطبيق، لا مع النصوص وحدها.