السيسي يوجه بتشكيل لجنة لضمان حرية الوصول إلى الشواطئ
توجيه رئاسي جديد يضع ملف الشواطئ في صدارة الاهتمام
وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، بتشكيل لجنة تُعنى بضمان حرية نفاذ المواطنين إلى الشواطئ، خلال اجتماع عقده مع الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء. ويأتي هذا التوجيه في توقيت تزداد فيه حساسية ملف الساحل المصري، سواء من زاوية حق المواطنين في الوصول إلى البحر، أو من زاوية تنظيم استخدامات الشريط الساحلي بما يوازن بين المصلحة العامة والاستثمار والحماية البيئية.
الخطوة تحمل دلالة سياسية وإدارية في آن واحد؛ فهي تعكس تحركًا مباشرًا من مؤسسة الرئاسة للتعامل مع قضية تمس حياة المواطنين في المحافظات الساحلية، خصوصًا مع التوسع العمراني والسياحي على البحرين المتوسط والأحمر، وما يصاحبه من تساؤلات متكررة حول سهولة الوصول إلى الشواطئ العامة ومساحات الانتفاع المفتوحة أمام الجمهور.
ما الذي يعنيه تشكيل اللجنة؟
بحسب ما ورد في الخبر الأصلي، فإن جوهر التوجيه الرئاسي يتمثل في ضمان حرية الوصول إلى الشواطئ. ورغم أن تفاصيل تشكيل اللجنة واختصاصاتها الدقيقة لم تُنشر في المصدر الموجز الذي استند إليه الخبر، فإن السياق الرسمي القائم في مصر يُظهر أن إدارة الشريط الساحلي تتداخل فيها عدة جهات، من بينها مجلس الوزراء، ووزارة الموارد المائية والري، ووزارة التنمية المحلية، ووزارة الإسكان، ووزارة البيئة، ووزارة السياحة والآثار، إلى جانب المحافظات الساحلية.
وتزداد أهمية هذا التوجيه في ظل وجود أطر تنظيمية قائمة بالفعل تخص التراخيص داخل منطقة الحظر للشواطئ البحرية، وهو ما يجعل اللجنة المنتظرة، إذا أُعلن تشكيلها رسميًا بتفاصيل موسعة، جزءًا مهمًا من مسار أوسع يهدف إلى تنظيم الاستخدام ومنع التعارض بين التنمية الساحلية وحق الجمهور في النفاذ إلى البحر.
تنظيم الشواطئ في مصر.. لجان قائمة واختصاصات متشابكة
الملف لا يبدأ من الصفر. ففي مارس 2023 نُشر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 987 لسنة 2023 بشأن تشكيل اللجنة العليا للتراخيص داخل منطقة الحظر للشواطئ البحرية برئاسة وزير الموارد المائية والري، وعضوية ممثلين عن وزارات وجهات عدة، بينها الإسكان والنقل والتنمية المحلية والآثار، إلى جانب المحافظ المختص بالمنطقة المعنية، والرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار، ورئيس الهيئة المصرية العامة لحماية الشواطئ كمقرر للجنة.
هذا التشكيل يعكس طبيعة الملف المركبة؛ فالتعامل مع الشواطئ في مصر لا يرتبط فقط بالسياحة أو الترفيه، بل يشمل أيضًا اعتبارات قانونية وهندسية وبيئية واستثمارية وأمنية، فضلًا عن ضرورة الحفاظ على التوازن بين التنمية وحق الاستخدام العام.
اجتماعات دورية وطلبات تراخيص بالمئات
وخلال عام 2026، واصلت اللجنة العليا لتراخيص الشواطئ اجتماعاتها. ففي أحد الاجتماعات التي عُقدت برئاسة الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري، تمت مناقشة 23 موضوعًا متعلقة بطلبات ومشروعات في عدد من المحافظات والجهات، منها الهيئة العامة للتنمية السياحية، وجهاز تنمية الساحل الشمالي الغربي، ومحافظات البحر الأحمر والسويس ودمياط وكفر الشيخ. وتركز هذه الاجتماعات على دراسة المشروعات المقترحة قبل التنفيذ، لتفادي أي تأثيرات سلبية على المنطقة الساحلية، مع تسريع الإجراءات للمستثمرين والأهالي في الوقت نفسه.
هذا السياق الإداري يوضح أن التوجيه الرئاسي الجديد بشأن حرية وصول المواطنين إلى الشواطئ لا ينفصل عن بنية تنظيمية أوسع، بل قد يدفع إلى إعادة ترتيب الأولويات داخل منظومة التراخيص واستخدامات الشاطئ، بحيث يصبح حق النفاذ عنصرًا حاضرًا بوضوح في المعادلة.
بين الحق العام والتنمية الساحلية
على امتداد السنوات الأخيرة، اتجهت الدولة المصرية إلى التوسع في تنمية المدن والمقاصد الساحلية، سواء في الساحل الشمالي الغربي أو البحر الأحمر أو مدن الدلتا المطلة على المتوسط. ومع هذا التوسع، برزت الحاجة إلى حسم أسئلة عملية: أين تقع الشواطئ المفتوحة للعامة؟ وكيف تُنظم الممرات وطرق الوصول؟ وما الضوابط التي تمنع عزل واجهات بحرية كاملة خلف أسوار المشروعات الخاصة؟
من هذه الزاوية، يمكن قراءة توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بوصفه محاولة لإعطاء دفعة تنفيذية لملف يرتبط مباشرة بالمواطن. فحرية الوصول إلى الشاطئ ليست مجرد مسألة خدمية أو موسمية، بل هي قضية تتعلق بإدارة المجال العام في المدن الساحلية، وبتوزيع المنافع بين السكان والمستثمرين والزائرين.
حماية الشواطئ نفسها أولوية موازية
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل ملف النفاذ عن ملف الحماية. فوزارة الموارد المائية والري أعلنت خلال 2026 استمرار تنفيذ عدد من مشروعات حماية الشواطئ في مناطق متعددة، منها الإسكندرية ودمياط ومرسى مطروح والبحيرة وكفر الشيخ. ومن بين المشروعات الجارية: حماية ساحل الإسكندرية من بئر مسعود حتى المحروسة بطول كيلومترين، والمرحلة الثانية بمنطقة لوران بطول 600 متر، إلى جانب إنشاء حواجز أمواج في رأس البر، وحماية شاطئ الأبيض في مرسى مطروح، والمناطق الساحلية المنخفضة غرب ميناء إدكو ومطوبس.
وتشير هذه المشروعات إلى أن الدولة تتعامل مع الساحل بوصفه موردًا عامًا يحتاج إلى صون من التآكل وارتفاع المخاطر البيئية، بالتوازي مع تنظيم استغلاله اقتصاديًا وسياحيًا. لذلك فإن أي حديث عن إتاحة الشواطئ للمواطنين يبقى مرتبطًا أيضًا بسلامة الشاطئ نفسه واستدامته.
ما المتوقع من اللجنة الجديدة؟
حتى الآن، لم تتوافر في المصدر الأساسي تفاصيل رسمية منشورة عن أسماء أعضاء اللجنة الجديدة أو جدولها الزمني أو المحافظات التي ستبدأ بها أعمالها. لكن، استنادًا إلى طبيعة الملف في مصر، يمكن توقع أن تنظر اللجنة في عدد من المحاور العملية، من بينها:
- حصر الشواطئ المتاحة للجمهور ومسارات الوصول إليها.
- مراجعة أي عوائق أو اشتراطات تحد من دخول المواطنين إلى بعض المناطق الساحلية.
- التنسيق بين المحافظات الساحلية والجهات صاحبة الولاية على الأراضي والشواطئ.
- مواءمة قرارات التراخيص المستقبلية مع مبدأ الحفاظ على مساحات النفاذ العام.
- التأكد من عدم تعارض المشروعات الجديدة مع الحقوق العامة أو المتطلبات البيئية.
ومن المرجح أن يحظى هذا الملف باهتمام خاص في المحافظات التي تشهد كثافة سياحية وعمرانية أكبر، مثل الإسكندرية ومطروح والبحر الأحمر وجنوب سيناء، فضلًا عن المناطق الجديدة التي تتوسع فيها المشروعات الساحلية.
دلالة سياسية واجتماعية للقرار
يحمل التوجيه الرئاسي أيضًا رسالة أوسع تتجاوز الجانب التنفيذي. فعندما يُطرح ملف حق المواطنين في الوصول إلى الشواطئ على مستوى الرئاسة، فإن ذلك يعني أن القضية لم تعد تُرى فقط باعتبارها شأنًا محليًا يخص محافظة بعينها، بل ملفًا عامًا يرتبط بالعدالة في الانتفاع بالموارد الطبيعية والخدمات العامة.
كما أن الاجتماع الذي جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الدكتور مصطفى مدبولي يعكس استمرار المتابعة الرئاسية للملفات الخدمية والتنظيمية ذات الصلة المباشرة بالمواطنين، على غرار اجتماعات أخرى تناولت ملفات البنية الأساسية والتنمية الساحلية والحوكمة الإدارية.
خلاصة المشهد
تشكيل لجنة لضمان حرية نفاذ المواطنين إلى الشواطئ يضع الدولة أمام اختبار تنفيذي مهم: كيف يمكن حماية الحق العام في البحر، من دون تعطيل الاستثمار أو إغفال ضرورات التنظيم البيئي والهندسي؟ الإجابة العملية ستتوقف على ما ستسفر عنه اللجنة من قرارات واضحة، وآليات قابلة للتطبيق، وتنسيق فعّال بين الوزارات والمحافظات والجهات المنظمة.
وإلى أن تُعلن التفاصيل الرسمية الكاملة، يظل المؤكد أن ملف الشواطئ في مصر دخل مرحلة جديدة عنوانها تنظيم النفاذ العام، بالتوازي مع إدارة التراخيص وحماية السواحل ومواصلة التنمية الساحلية.