Akhbar Cairo

السيسي يؤكد لبزشكيان من نيودلهي رفض مصر أي تصعيد يطال الدول العربية

السيسي يطرح موقف مصر مباشرة أمام الرئيس الإيراني في نيودلهي

حمل لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، على هامش القمة الثامنة عشرة لتجمع بريكس في العاصمة الهندية نيودلهي، رسالة مصرية واضحة عنوانها الأساسي: وقف التصعيد الإقليمي، ورفض أي اعتداءات على سيادة الدول العربية، ودعم المسار الدبلوماسي بدلًا من توسيع دوائر الصراع. وجاء اللقاء في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للمنطقة، مع استمرار أزمات الشرق الأوسط وتزايد التحذيرات من اتساع رقعة المواجهات بما يهدد الأمن الإقليمي وحركة التجارة والملاحة الدولية.

وبحسب ما أعلنته الرئاسة المصرية، فإن الرئيس السيسي شدد خلال المباحثات على موقف مصر الثابت الداعم لاستعادة الاستقرار في المنطقة، مع تطلع القاهرة إلى أن تقوم طهران بدور يساعد على تهدئة الأوضاع لا دفعها نحو مزيد من التوتر. ويعكس ذلك استمرار السياسة المصرية القائمة على احتواء الأزمات عبر الحوار، مع التمسك الصارم بحماية سيادة الدول العربية وعدم السماح بانزلاق الإقليم إلى مواجهة أشمل.

اللقاء على هامش قمة بريكس 2026

وصل الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى نيودلهي يوم الجمعة 11 سبتمبر 2026 للمشاركة في أعمال القمة الثامنة عشرة لتجمع بريكس، حيث ترأس وفد مصر في الاجتماعات التي تستضيفها الهند يومي 12 و13 سبتمبر 2026. وذكرت الهيئة العامة للاستعلامات أن الرئيس كان في استقباله لدى الوصول إلى مطار قاعدة بالام الجوية عدد من المسؤولين الهنود، إلى جانب السفير كامل جلال، سفير مصر لدى الهند. وتأتي هذه المشاركة في إطار الحضور المصري المتزايد داخل التجمع منذ انضمام القاهرة عضوًا كاملًا اعتبارًا من 1 يناير 2024.

وتحظى قمة هذا العام بأهمية خاصة لأنها تنعقد وسط ملفات دولية وإقليمية ضاغطة، من بينها النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط، وإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية، وتعزيز التعاون الاقتصادي بين دول الجنوب. كما تشير وثائق مرتبطة بالقمة إلى أن نسخة 2026 في الهند تُعقد تحت شعار يركز على المرونة والابتكار والتعاون والاستدامة، وهو ما يمنح اللقاءات الثنائية على هامشها وزنًا سياسيًا إضافيًا.

ما الذي قالته مصر لإيران؟

الرسالة المصرية في اللقاء لم تقتصر على الدعوة العامة إلى التهدئة، بل ارتبطت بمحددات واضحة تتكرر في الخطاب الرسمي المصري خلال الأشهر الأخيرة: رفض المساس بسيادة الدول العربية، وتفادي الحسابات الخاطئة، وإعطاء فرصة حقيقية للدبلوماسية. هذا التوجه سبق أن عبرت عنه القاهرة بوضوح في اتصال هاتفي بين الرئيس السيسي والرئيس الإيراني في يونيو 2026، حين أكدت مصر رفضها القاطع لأي اعتداء على دول الخليج العربية أو تهديد سلامة أراضيها، مع التشديد على أن الحلول السياسية تظل المسار الأكثر أمانًا للأزمة.

وفي سياق متصل، فإن الموقف المصري يربط بين أمن الدول العربية واستقرار المنطقة ككل، باعتبار أن أي توسع في نطاق المواجهات لن ينعكس فقط على الدول المنخرطة مباشرة في النزاع، بل سيمتد أيضًا إلى الاقتصاد الإقليمي، وسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة، وحركة الملاحة في الممرات الحيوية، وعلى رأسها البحر الأحمر وخليج عدن.

امتداد لنهج مصري مستمر منذ قمم سابقة

لقاء نيودلهي لا يمكن قراءته بمعزل عن مسار متصل من التحركات المصرية داخل أطر بريكس وخارجها. ففي لقاء سابق جمع السيسي وبزشكيان على هامش قمة بريكس في قازان الروسية يوم 23 أكتوبر 2024، شددت مصر كذلك على ضرورة خفض التوترات الإقليمية ومنع الانزلاق إلى مواجهات واسعة، مع استعراض الجهود المصرية الرامية إلى وقف إطلاق النار في غزة ولبنان وحشد الدعم الدولي لتهدئة الأوضاع الإنسانية.

ومنذ ذلك الوقت، حافظت القاهرة على خطاب سياسي متماسك يقوم على ثلاثة محاور رئيسية:

  • أولًا: أولوية الحفاظ على وحدة وسيادة الدول العربية.
  • ثانيًا: رفض توسيع النزاعات الإقليمية أو تصديرها إلى ساحات جديدة.
  • ثالثًا: دعم التسويات السياسية والمفاوضات باعتبارها السبيل الوحيد لتفادي حرب إقليمية مفتوحة.

هذا الثبات في الموقف يمنح التحرك المصري قدرًا من المصداقية في اتصالاته مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، خاصة أن القاهرة تحتفظ بعلاقات تسمح لها بلعب دور اتصال وتواصل في لحظات التوتر المرتفع.

لماذا يهم هذا اللقاء مصر؟

بالنسبة للقارئ المصري، تكتسب هذه التطورات أهمية مباشرة تتجاوز الطابع الدبلوماسي البحت. فكل تصعيد في الإقليم ينعكس على ملفات تمس الداخل المصري، سواء عبر اضطراب التجارة الدولية، أو الضغوط على أسواق الطاقة، أو التأثير على أمن البحر الأحمر، أو التحديات المرتبطة بالبيئة الاقتصادية العالمية. لذلك، فإن تمسك القاهرة بخفض التصعيد ليس مجرد موقف سياسي نظري، بل يتصل أيضًا بحسابات الأمن القومي المصري والاستقرار الاقتصادي الأوسع.

كما أن مشاركة مصر في قمم بريكس تمنحها منصة إضافية لعرض رؤيتها إزاء أزمات المنطقة أمام مجموعة تضم قوى دولية وإقليمية مؤثرة. ومع اتساع عضوية التجمع إلى 11 دولة، أصبحت القاهرة تتحرك داخل إطار متعدد الأطراف يضم دولًا ذات ثقل سياسي واقتصادي، وهو ما يفتح مساحة أوسع لتنسيق المواقف حول قضايا الحرب والسلام والتنمية والإصلاح الدولي.

بريكس كمنصة سياسية إلى جانب البعد الاقتصادي

رغم أن بريكس يُعرف أساسًا بصفته تكتلًا اقتصاديًا للدول الصاعدة، فإن قممه تحولت تدريجيًا إلى ساحة لتبادل الرؤى بشأن الأزمات الكبرى، خصوصًا مع انضمام دول من الشرق الأوسط وأفريقيا، بينها مصر وإيران والسعودية والإمارات وإثيوبيا. وبهذا المعنى، فإن لقاء السيسي وبزشكيان داخل هذا الإطار يوضح كيف باتت القمة تجمع بين الأجندة الاقتصادية والملفات الجيوسياسية الثقيلة.

ومن منظور مصري، فإن الاستفادة من عضوية بريكس لا تتوقف عند فرص التمويل والتجارة والاستثمار، بل تشمل أيضًا توسيع هامش الحركة السياسية المصرية في القضايا الإقليمية، والدفع نحو نظام دولي أكثر توازنًا يمنح دول الجنوب صوتًا أكبر في إدارة الأزمات وصياغة الحلول.

دلالة التوقيت ورسالة القاهرة

التوقيت هنا مهم للغاية. فاللقاء عُقد بينما تزداد الحاجة إلى رسائل ردع سياسي ضد أي توجه نحو توسيع الاشتباكات في المنطقة. ومن ثم، فإن حديث السيسي إلى بزشكيان حمل مضمونًا مزدوجًا: دعوة إلى دور إيراني مسؤول في التهدئة، وتأكيد مصري حاسم بأن أمن الدول العربية خط أحمر سياسي. هذه الرسالة تنسجم مع تحركات مصر الأخيرة، سواء في اتصالاتها الثنائية أو في مشاركاتها ضمن الأطر متعددة الأطراف.

وفي المحصلة، يعكس لقاء نيودلهي استمرار القاهرة في أداء دور دبلوماسي نشط يسعى إلى منع الانفجار الإقليمي الشامل، مع تأكيد ثابت على أن أي ترتيبات للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط لا يمكن أن تقوم على انتهاك سيادة الدول العربية أو تجاوز مصالح شعوبها. ومن هنا، فإن اللقاء بين السيسي وبزشكيان لم يكن مجرد مشهد بروتوكولي على هامش قمة دولية، بل محطة سياسية تعبر بوضوح عن أولويات مصر في مرحلة شديدة التعقيد.