Akhbar Cairo

الشرع يرد على ترامب بمزحة عن نيوجيرسي والجولان

مزحة سياسية تحمل رسالة واضحة من نيويورك

في واحد من أكثر التعليقات السياسية لفتًا للانتباه خلال مشاركة سوريا في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، قال الرئيس السوري أحمد الشرع إنّه طلب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) مازحًا أن يمنح ولاية نيوجيرسي لإسرائيل، باعتبار أنّه “يمتلكها”، بينما شدد في المقابل على أن الجولان له أصحابُه ولا يقبل المساومة. التصريح جاء في سياق ندوة حوارية على هامش الاجتماعات الأممية يوم الأربعاء 23 سبتمبر 2026، وفق ما نقلته وسائل إعلام عربية ومصرية تابعت الحدث من نيويورك.

ورغم الطابع الساخر للجملة، فإن مضمونها السياسي كان مباشرًا: دمشق تريد تثبيت موقفها من هضبة الجولان باعتبارها أرضًا سورية محتلة، وأن أي نقاش سياسي أو أمني مع الأطراف الدولية أو الإقليمية لا يغيّر هذه القاعدة. ولهذا بدا التصريح، بالنسبة لمتابعين في المنطقة العربية، أقرب إلى رسالة سيادية مغلفة بخفة لفظية، أكثر منه مجرد تعليق عابر.

ماذا قال الشرع تحديدًا؟

التصريحات المتداولة عن الشرع صدرت خلال جلسة حوارية في نيويورك، حيث تحدث أيضًا بإيجابية عن ترامب، واعتبره رجلًا “وقف مع سوريا” ودعمها، في إشارة إلى قرار أمريكي سابق برفع العقوبات عن دمشق، بحسب ما أوردته تغطيات منشورة يوم 23 سبتمبر 2026. وفي المناسبة نفسها، عاد الشرع إلى التأكيد على أن هضبة الجولان أرض سورية معترف بها دوليًا، وأن مسألة السيادة عليها ليست مطروحة للنقاش من وجهة النظر السورية.

هذا الربط بين المزحة السياسية والتمسك بالسيادة ليس جديدًا تمامًا في خطاب الرئيس السوري. ففي مقابلات وتصريحات سابقة خلال صيف 2026، قال الشرع إن دمشق منفتحة على المسار الدبلوماسي وعلى ترتيبات أمنية إذا خدمت الاستقرار، لكن من دون التنازل عن حق سوريا في الجولان. كما أشار في أكثر من مناسبة إلى أن حماية السوريين وحقوقهم تسبق أي حديث عن سلام دائم.

الجولان في القانون الدولي: ماذا تقول الأمم المتحدة؟

أهمية تصريح الشرع لا تتعلق فقط بالجدل السياسي الآني، بل أيضًا بارتكازه إلى مرجعية قانونية دولية واضحة. فالأمم المتحدة ما زالت تتعامل مع الجولان بوصفه أرضًا سورية محتلة منذ عام 1967. كما تواصل الجمعية العامة للأمم المتحدة، عبر قرارات سنوية متتالية، التأكيد على أن أي إجراءات إسرائيلية لفرض القوانين أو الولاية أو الإدارة على الجولان المحتل باطلة ولاغية ولا أثر قانونيًا لها.

وخلال عامي 2025 و2026، أعادت مؤسسات الأمم المتحدة التذكير بهذا الموقف في وثائق وقرارات متصلة بحقوق الإنسان والوضع في الأراضي العربية المحتلة، بما في ذلك الجولان السوري المحتل. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذه النقطة جوهرية، لأن الجدل الدائر حول التسويات الإقليمية لا يبدّل في المرجعية القانونية الأساسية: اكتساب الأرض بالقوة غير معترف به دوليًا.

سياق أوسع: بين التفاوض والأمن والسيادة

يأتي تصريح نيويورك في لحظة إقليمية حساسة، بعدما تحدث الشرع في يوليو 2026 عن سعي سوريا إلى اتفاق أمني مع إسرائيل بمشاركة أطراف ودول عدة، مع تأكيده أن مثل هذا المسار، إذا تطور، لن يكون على حساب الحق السوري في الجولان. هذا الطرح أظهر محاولة من دمشق للفصل بين ملفات التهدئة الأمنية وبين مسألة السيادة النهائية على الأرض.

وفي تصريحات أخرى خلال 2026، قال الشرع إن المفاوضات كانت تقترب أحيانًا من تفاهمات ثم تتراجع في مراحلها الأخيرة، محملًا الجانب الإسرائيلي مسؤولية التعثر. كما شدد على أن أي حديث عن أمن إسرائيل يجب أن يقابله احترام لأمن السوريين وللسيادة السورية. ومن هنا يمكن قراءة تعليقه عن “نيوجيرسي” باعتباره صياغة ساخرة لنقطة جادة: القرارات المتعلقة بأرض الغير لا تُمنح كهدايا سياسية.

لماذا أثار التصريح اهتمامًا عربيًا واسعًا؟

السبب الأول أن الجولان يبقى من أكثر الملفات حساسية في الوجدان العربي، ليس فقط في سوريا، بل أيضًا في مصر وبقية المنطقة، لأنه يتصل مباشرة بمبدأ الأرض والسيادة ورفض فرض الوقائع بالقوة. أما السبب الثاني، فهو أن اسم ترامب ما زال حاضرًا بقوة في ملفات الشرق الأوسط، سواء في ما يتعلق بإسرائيل أو بالعقوبات أو بإعادة ترتيب التفاهمات الإقليمية.

كما أن استخدام المزاح في لحظة سياسية متوترة منح التصريح قابلية كبيرة للانتشار، خصوصًا على المنصات الاجتماعية ووسائل الإعلام العربية. لكن خلف الصيغة الخفيفة بقيت الرسالة الأساسية ثابتة: دمشق لا تعتبر الجولان ملفًا قابلاً للمقايضة، حتى وهي تتحدث عن دبلوماسية، وتفاهمات، واتصالات غير مباشرة أو متعددة الأطراف.

ما الذي يعنيه ذلك لمعادلات المنطقة؟

من المبكر اعتبار هذا النوع من التصريحات تحولًا نهائيًا في مسار العلاقات السورية الأمريكية أو في مستقبل الترتيبات الأمنية حول الحدود مع إسرائيل. لكن المؤكد أن خطاب الشرع في الأشهر الأخيرة يجمع بين ثلاثة عناصر متوازية:

  • الانفتاح على المسار الدبلوماسي بدل التصعيد المفتوح.
  • السعي إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية عن سوريا عبر الانخراط الدولي.
  • الإصرار على الثوابت السيادية وفي مقدمتها قضية الجولان.

وهذه الثلاثية تهم المتابع المصري تحديدًا، لأن ما يجري في سوريا لم يعد شأنًا داخليًا فقط، بل جزء من مشهد عربي أوسع يعيد تشكيل خرائط النفوذ، ومفاهيم الردع، وأولويات الاستقرار في المشرق.

بين السخرية والدبلوماسية

لغة الشرع في نيويورك تعكس أيضًا سمة بارزة في الخطاب السياسي الجديد في المنطقة: استخدام العبارات الخاطفة لصناعة أثر سياسي وإعلامي سريع، من دون التخلي عن الرسالة الرسمية. فحين يُقال إن نيوجيرسي يمكن منحها “لأنك تمتلكها”، مقابل التمسك بأن الجولان “له أصحابه”، فالمعنى المقصود يتجاوز الدعابة إلى تذكير صريح بأن السيادة لا تُعاد تعريفها بقرار أحادي.

وبينما تتبدل التحالفات وتتحرك القنوات الخلفية للتفاوض في ملفات كثيرة، يبدو أن دمشق تحاول تقديم نفسها على أنها منفتحة على الحلول، لكن من دون دفع ثمن يتعلق بشرعية الأرض. لهذا حظي التصريح بهذا القدر من الاهتمام: لأنه لامس مسألة عربية مركزية بلغة سهلة التداول، وفي منصة دولية كبرى، وفي توقيت إقليمي بالغ الحساسية.

خلاصة المشهد

في المحصلة، لم تكن عبارة أحمد الشرع مجرد نكتة سياسية عابرة. لقد جاءت كعنوان مكثف لموقف سوري يربط بين المرونة الدبلوماسية والصلابة في ملف الجولان. وبينما تتواصل النقاشات حول مستقبل التهدئة والتفاهمات الأمنية في المنطقة، يبقى الثابت في الخطاب الرسمي السوري أن هضبة الجولان أرض سورية محتلة وفق القانون الدولي، وأن أي مقاربة للسلام أو الأمن لا يمكن أن تقفز فوق هذه الحقيقة.