الشيباني: بقاء القوات الإسرائيلية في سوريا يكرس الاحتلال
دمشق ترفع سقف خطابها بشأن الوجود الإسرائيلي في سوريا
جدّد وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني رفض بلاده استمرار وجود القوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، مؤكداً في 1 سبتمبر/أيلول 2026 أن إعلان إسرائيل الإبقاء على قواتها يمثّل، من وجهة نظر دمشق، تكريساً صريحاً للاحتلال، ويقوّض المبررات الأمنية التي تستند إليها تل أبيب لتبرير هذا الوجود. وجاء الموقف السوري في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، مع استمرار التوتر في الجنوب السوري وعودة الحديث عن ترتيبات أمنية واتصالات غير مباشرة بوساطات دولية.
التصريحات السورية الأخيرة اكتسبت وزناً إضافياً لأنها صدرت في سياق رسمي ومباشر، وربطت بين بقاء القوات الإسرائيلية وبين إسقاط الحجة الأمنية التي لطالما روّجت لها إسرائيل. وبحسب ما نُشر عن المؤتمر الصحفي الذي جمع الشيباني ونظيره الدنماركي لارس لوكه راسموسن في دمشق، فإن الوزير السوري شدد أيضاً على تمسك بلاده بحقها في السيادة الكاملة على أراضيها، بما في ذلك الجولان السوري المحتل، وعلى ضرورة العودة إلى الترتيبات المعروفة بموجب اتفاق فض الاشتباك.
ما الذي قصده الشيباني بتكريس الاحتلال؟
جوهر الرسالة السورية أن الوجود العسكري الإسرائيلي لم يعد، وفق رواية دمشق، مجرد إجراء مؤقت أو مبرر ظرفي مرتبط بتطور أمني محدود، بل بات يعكس سعياً لتثبيت واقع ميداني جديد. ولهذا استخدم الشيباني تعبيراً حاداً مفاده أن إعلان البقاء بحد ذاته هو اعتراف سياسي بأن ما يجري ليس ترتيبات عابرة، بل محاولة لترسيخ الاحتلال على الأرض السورية، وخصوصاً في منطقة جبل الشيخ جنوب البلاد.
وفي هذا السياق، أفادت تقارير صحفية نُشرت في 1 سبتمبر/أيلول 2026 بأن الشيباني تحدث أيضاً عن 117 توغلاً إسرائيلياً داخل الأراضي السورية خلال شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب الماضيين، في إشارة إلى أن الاعتراض السوري لا يقتصر على البعد السياسي، بل يمتد إلى وقائع ميدانية تعتبرها دمشق انتهاكاً مباشراً لسيادتها. وإذا صحّ هذا الرقم وفق ما أوردته تلك التغطيات، فهو يعكس مستوى مرتفعاً من الاحتكاك والتوتر على الأرض خلال الأسابيع الأخيرة.
العودة إلى اتفاق 1974.. لماذا يتمسك به السوريون؟
يرتبط جزء أساسي من الموقف السوري باتفاق فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل لعام 1974، وهو الاتفاق الذي وُقّع في 31 مايو/أيار 1974 وأعقبه إنشاء قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك UNDOF بموجب قرار مجلس الأمن رقم 350 في التاريخ نفسه. ومنذ ذلك الحين، ظلت القوة الأممية مكلفة بمتابعة وقف إطلاق النار والإشراف على تنفيذ ترتيبات الفصل بين القوات في الجولان.
بالنسبة لدمشق، فإن أي بقاء عسكري إسرائيلي خارج الإطار الذي حدده الاتفاق، أو أي تغيير ميداني أحادي، يُعد خروجاً على الترتيب القائم منذ عقود. ولهذا تكرر سوريا في تصريحاتها الرسمية الدعوة إلى العودة الكاملة لاتفاق 1974، باعتباره مرجعية أمنية وقانونية قائمة، لا مجرد إرث تاريخي. كما أعادت الأمم المتحدة خلال 2025 و2026 التذكير بأن الاتفاق ما زال سارياً، وأن مهمة قوات الأمم المتحدة قائمة في منطقة الفصل والإشراف.
خلفية أوسع: اتصالات ومفاوضات غير مباشرة
الموقف السوري المتشدد في اللغة لا يعني، بالضرورة، إغلاق باب المسار الدبلوماسي. ففي 23 أغسطس/آب 2026 قال الشيباني إن دمشق تتوقع استئناف المفاوضات مع إسرائيل بشأن اتفاق أمني، موضحاً أن الأولوية العاجلة لبلاده هي وقف الهجمات الإسرائيلية واتخاذ خطوات لبناء الثقة تمهّد في النهاية لانسحاب إسرائيل من الأراضي السورية. وشدد حينها على أن سوريا لا تريد أن تتحول هذه الاتصالات إلى آلية تُبقي الاحتلال قائماً تحت مسمى التهدئة أو الإدارة الأمنية للأزمة.
كما كشفت وكالة الأنباء السورية الرسمية سانا في 24 أغسطس/آب 2026 عن اجتماع رفيع المستوى عُقد في الأردن بوساطة أمريكية، وضم وفداً سورياً برئاسة الشيباني ووفداً إسرائيلياً، وقالت إن البحث تناول خفض التصعيد ودعم الاستقرار في سوريا ومنع امتداد التوترات الإقليمية إلى الساحة السورية. هذا المعطى يوضح أن دمشق تحاول الجمع بين مسارين متوازيين: خطاب سياسي يرفض شرعنة بقاء القوات الإسرائيلية، وتحرك تفاوضي يركز على وقف الاعتداءات ومنع الانفجار.
لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟
بالنسبة للمتابع في مصر، فإن الملف السوري الإسرائيلي لا ينفصل عن صورة الأمن الإقليمي الأوسع. فكل تغيير في ترتيبات الجنوب السوري ينعكس على توازنات المشرق العربي، وعلى وضع الجولان، وعلى طبيعة حضور القوى الدولية والإقليمية في المنطقة. كما أن الإشارة المتكررة إلى اتفاق 1974 تعيد التذكير بدور اتفاقات الفصل ووقف إطلاق النار في إدارة النزاعات العربية الإسرائيلية، وهي خبرة تاريخية تهم الرأي العام المصري الذي يتابع بدقة أي تحولات تمس خرائط السيادة والحدود والاستقرار.
ومن زاوية سياسية أوسع، تبدو دمشق حريصة على توصيل رسالتين في آن واحد: الأولى أن سوريا الجديدة، بعد التحولات الكبيرة التي شهدتها البلاد منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، لا تقبل تثبيت أي أمر واقع عسكري إسرائيلي على أراضيها؛ والثانية أنها لا تزال تفضّل اختبار القنوات الدبلوماسية ما دامت قد تفضي إلى وقف الهجمات والانسحاب. هذه المعادلة تعكس رغبة سورية في استعادة السيادة من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة في توقيت إقليمي بالغ التعقيد.
ما المتوقع في المرحلة المقبلة؟
المؤشرات الحالية توحي بأن الملف سيتحرك على مستويين متلازمين:
- سياسياً: استمرار دمشق في توصيف الوجود الإسرائيلي باعتباره احتلالاً لا يمكن قبوله أو تطبيعه.
- دبلوماسياً: السعي إلى استكمال الاتصالات بوساطات، خصوصاً إذا توافرت ضمانات تتعلق بوقف الضربات واحتواء التوتر على الأرض.
- أممياً: بقاء اتفاق 1974 وقوة UNDOF مرجعيتين أساسيتين في أي نقاش حول خطوط الفصل والترتيبات الأمنية في الجولان ومحيطه.
وفي المحصلة، فإن تصريحات أسعد الشيباني لا تبدو مجرد ردّ إعلامي على إعلان إسرائيلي، بل جزء من محاولة سورية لإعادة تثبيت السردية القانونية والسيادية للملف: لا شرعية لبقاء القوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، ولا قبول بتحويل الترتيبات المؤقتة إلى وضع دائم. وبين هذا الموقف وبين المسار التفاوضي غير المباشر، ستظل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه إلى خفض التصعيد، أم إلى جولة جديدة من التوتر في الجنوب السوري.