الصين تتحدى عقوبات واشنطن على الطيران الإيراني
الصين ترفض العقوبات الأمريكية على شركات الطيران الإيرانية
دخلت بكين وواشنطن جولة جديدة من التباين السياسي بعد إعلان الصين رفضها للعقوبات الأمريكية المفروضة على شركات طيران إيرانية، في وقت تقول فيه الولايات المتحدة إن هذه الإجراءات تستهدف زيادة الضغط على قطاع الطيران المدني الذي تتهمه بدعم شبكات لوجستية ومالية مرتبطة بطهران. ويكتسب الملف أهمية خاصة بالنسبة للقراء في مصر والمنطقة، لأن حركة الطيران والتجارة عبر الشرق الأوسط والبحار المحيطة به تظل جزءًا مباشرًا من معادلة الاستقرار الإقليمي، بما في ذلك الممرات المؤثرة على أفريقيا وشمال القارة.
الموقف الصيني لم يأتِ من فراغ، بل ينسجم مع خطاب متكرر لوزارة الخارجية الصينية يعتبر أن العقوبات الأحادية التي لا تستند إلى تفويض من مجلس الأمن الدولي تمثل ممارسة مرفوضة. وفي مؤتمر صحفي دوري يوم 6 مايو 2026، قال المتحدث باسم الخارجية الصينية لين جيان إن بلاده تعارض العقوبات الأحادية “التي لا تستند إلى القانون الدولي أو إلى تفويض من مجلس الأمن”، كما شدد على أن بكين ستواصل حماية الحقوق والمصالح المشروعة لشركاتها ومواطنيها. هذا الموقف ورد آنذاك في سياق الرد على عقوبات غربية، لكنه يعكس القاعدة نفسها التي تستخدمها الصين في رفض الضغوط الأمريكية ذات الأثر العابر للحدود.
ما الذي فعلته واشنطن؟
وزارة الخزانة الأمريكية صعّدت بالفعل من إجراءاتها خلال صيف 2026. ففي 30 يوليو 2026 أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC فرض عقوبات على ستة كيانات وأفراد في الصين والهند وروسيا وإيران، بينهم شركات قالت واشنطن إنها عملت كوكلاء مبيعات أو خدمات لصالح شركة ماهان إير، وهي شركة طيران إيرانية سبق أن تعرضت لعقوبات أمريكية منذ سنوات. وذكرت الخزانة الأمريكية أن شركة Shanghai Wings International Logistics Co ومسؤولين مرتبطين بها في الصين كانوا ضمن المستهدفين بسبب تقديم خدمات مرتبطة بماهان إير.
ثم وسّعت واشنطن نطاق الإجراءات بشكل أكبر في 18 سبتمبر 2026، حين أعلنت الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على 36 هدفًا قالت إنها تدعم قطاع الطيران الإيراني، وبينها 27 شركة طيران إيرانية. ووفق البيان الأمريكي، شملت القائمة شركات مثل Iran Air Tour وIran Aseman Airlines وKish Airlines وQeshm Air وZagros Airlines، إلى جانب شركات أخرى قالت واشنطن إنها تعمل داخل قطاع الطيران الإيراني أو توفر له غطاءً تشغيليًا ولوجستيًا.
لماذا تركز واشنطن على «ماهان إير»؟
الاسم الأبرز في هذه القضية هو ماهان إير (@mahanair.co على إنستغرام)، إذ تعتبرها الولايات المتحدة محورًا رئيسيًا في شبكة النقل الجوي الإيرانية الخاضعة للعقوبات. وتقول وزارة الخزانة الأمريكية إن الشركة استُهدفت أصلًا منذ 12 أكتوبر 2011 بموجب أوامر تنفيذية أمريكية، ثم بُنيت عليها حزم إضافية من العقوبات في السنوات اللاحقة. وفي بيانات 2026، كررت واشنطن اتهامها لماهان إير بأنها تساعد في نقل أفراد ومعدات ومواد تعتبرها مرتبطة بأنشطة الحرس الثوري الإيراني.
كما أوضحت الخزانة الأمريكية في بيان سبتمبر 2026 أنها علقت أيضًا بعض التصاريح المرتبطة بالطيران الإيراني لزيادة الضغط، بما في ذلك ترتيبات كانت تسمح بعمليات عبور جوي معينة وباستخدام طائرات تجارية ذات منشأ أو مكونات أمريكية في رحلات إلى إيران. وبحسب الرؤية الأمريكية، فإن الهدف هو تضييق قدرة شركات الطيران الإيرانية على الوصول إلى قطع الغيار والخدمات والتمويل الدولي.
الرد الصيني: رفض للعقوبات خارج إطار الأمم المتحدة
من الجهة المقابلة، ترى الصين أن هذا النوع من العقوبات يتجاوز حدود القانون الدولي عندما يُفرض على شركات وأطراف خارج الولايات المتحدة دون غطاء أممي. وقد قال لين جيان إن الإجراءات الصينية لمواجهة التطبيق «غير المبرر» للقوانين الأجنبية خارج حدودها تأتي وفق قواعد داخلية وضعتها بكين للتصدي لما تعتبره امتدادًا قانونيًا غير مشروع للتشريعات الأجنبية. هذه النقطة مهمة، لأنها تعني أن الأزمة ليست مرتبطة بإيران وحدها، بل بصراع أوسع بين الصين والولايات المتحدة حول من يملك حق فرض القيود على التجارة والنقل والتمويل عالميًا.
بالنسبة للمتابع المصري، فإن جوهر الخلاف هنا يتجاوز مسألة شركات الطيران نفسها. فالعقوبات الثانوية الأمريكية يمكن أن تؤثر على سلاسل الإمداد، وأسعار التأمين، وتكاليف الشحن، وحتى حسابات شركات الخدمات اللوجستية في الشرق الأوسط وأفريقيا، خاصة إذا ارتبطت الحركة التجارية بمراكز عبور إقليمية أو بطائرات تحتاج إلى مكونات غربية أو تعاملات بالدولار.
تداعيات إقليمية تمتد إلى أفريقيا والبحر الأحمر
ورغم أن القضية تبدو ثنائية بين واشنطن وبكين من جهة وطهران من جهة أخرى، فإن أثرها المحتمل يمتد إلى محيط أوسع يشمل الشرق الأوسط والقرن الأفريقي وطرق الملاحة المؤثرة على قناة السويس. أي قيود إضافية على الطيران الإيراني أو على الشركات الوسيطة التي تتعامل معه قد تدفع مزيدًا من النشاط إلى مسارات التفاف أعلى كلفة، ما يرفع الأعباء على النقل الجوي والتجاري في المنطقة.
وهذا البعد مهم لمصر تحديدًا، لأن استقرار الممرات التجارية في البحر الأحمر والخليج ينعكس على حركة التجارة وسلاسل الإمداد والتأمين البحري والجوي. كما أن أي تصعيد أمريكي-إيراني أو أمريكي-صيني حول أدوات الضغط الاقتصادي غالبًا ما يترك أثرًا غير مباشر على اقتصادات المنطقة الأفريقية المجاورة، سواء عبر أسعار النقل أو مناخ الاستثمار أو حسابات المخاطر لدى الشركات الدولية.
بين القانون والسياسة
الولايات المتحدة تستند في إجراءاتها الأخيرة إلى الأمر التنفيذي 13902 وإلى سلطات مرتبطة بمكافحة الإرهاب، وتقول إن قطاع الطيران الإيراني يشكل مصدر دعم اقتصادي ولوجستي للنظام الإيراني. أما الصين، فتتمسك بأن العقوبات التي لا يقرها مجلس الأمن لا ينبغي أن تتحول إلى قاعدة ملزمة للعالم كله. هذا التناقض بين المنظورين يفسر لماذا يستمر الاشتباك السياسي والاقتصادي بين القوتين الكبريين في ملفات تتجاوز آسيا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا.
عمليًا، تبدو الأزمة مرشحة للاستمرار، خصوصًا بعد أن أدرجت واشنطن في سبتمبر 2026 عشرات الكيانات والأسماء الجديدة، مع تحذير واضح من أن أي شركة أجنبية تواصل تقديم خدمات نقل أو شحن أو بيع أو دعم مالي لشركات الطيران الإيرانية قد تتعرض هي الأخرى للعقوبات. وفي المقابل، تواصل بكين إرسال رسالة معاكسة مفادها أنها لن تقبل بسهولة بالعقوبات ذات الأثر خارج الحدود الوطنية.
خلاصة المشهد
النتيجة حتى الآن أن ملف العقوبات الأمريكية على شركات الطيران الإيرانية لم يعد مجرد قضية تخص إيران وحدها، بل تحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين رؤيتين: رؤية أمريكية تعتبر العزل المالي والجوي أداة مشروعة للضغط، ورؤية صينية ترفض تحويل العقوبات الأحادية إلى نظام عالمي بحكم الأمر الواقع. وبين هذين المسارين، تبقى المنطقة العربية والأفريقية من أكثر المساحات تأثرًا، سواء عبر التجارة أو الأمن الإقليمي أو كلفة النقل.
- آخر تصعيد أمريكي بارز: 18 سبتمبر 2026 بفرض عقوبات على 36 هدفًا مرتبطًا بقطاع الطيران الإيراني.
- أبرز شركة في الملف: ماهان إير، التي تركز عليها واشنطن منذ سنوات.
- الموقف الصيني: رفض العقوبات الأحادية غير المعتمدة من مجلس الأمن.
- الأثر الإقليمي: ضغوط محتملة على الشحن الجوي وسلاسل الإمداد في الشرق الأوسط وأفريقيا.
في ضوء ذلك، لا يبدو أن الملف في طريقه إلى التهدئة قريبًا، بل قد يتحول إلى اختبار جديد لمدى قدرة القوى الكبرى على فرض قواعدها الاقتصادية خارج حدودها، وما إذا كانت المنطقة، من الخليج إلى البحر الأحمر وأفريقيا، ستدفع جزءًا من كلفة هذا الاشتباك الدولي المتصاعد.