Akhbar Cairo

الصين تضغط على لندن بعد تأميم بريتش ستيل

تصعيد صيني بعد انتقال بريتش ستيل إلى الملكية العامة

دخلت العلاقات الاقتصادية بين الصين وبريطانيا منعطفًا حساسًا بعد قرار لندن نقل شركة British Steel إلى الملكية العامة اعتبارًا من 16 يوليو 2026، في خطوة قالت الحكومة البريطانية إنها ضرورية لحماية مستقبل صناعة الصلب وضمان استمرار الإنتاج المحلي. وفي المقابل، طالبت بكين الحكومة البريطانية بحماية الحقوق والمصالح المشروعة للمستثمرين الصينيين، مؤكدة أن طريقة التعامل مع الملف، خصوصًا ما يتعلق بالتعويضات، ستكون لها تداعيات مباشرة على ثقة الشركات الصينية في السوق البريطانية.

الرد الصيني جاء عبر تصريح رسمي من المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية في 18 يوليو 2026، بعد يومين من دخول القرار البريطاني حيز التنفيذ. ووفق الموقف الصيني المعلن، فإن الشركة كانت خاضعة سابقًا لسيطرة مجموعة جينجيه الصينية، وأن أي إجراءات لاحقة يجب أن تراعي الأطر القانونية وحماية المستثمرين الأجانب، لا سيما في ما يتعلق بتقييم الأصول وآلية التعويض. كما أشار الجانب الصيني إلى أن لندن أعلنت إنشاء آلية تعويض من خلال تشريع ثانوي، مع تقييم مستقل لتحديد ما إذا كانت التعويضات مستحقة وبأي نطاق.

ماذا فعلت بريطانيا بالضبط؟

الحكومة البريطانية أعلنت رسميًا أن قانون تأميم صناعة الصلب حصل على الموافقة الملكية في 15 يوليو 2026، ثم جرى نقل بريتش ستيل إلى الملكية العامة في اليوم التالي. ووصفت لندن القرار بأنه إجراء يصب في المصلحة العامة، ويهدف إلى حماية مستقبل إنتاج الصلب داخل المملكة المتحدة، وتأمين آلاف الوظائف، ودعم الصناعات المرتبطة بالصلب وسلاسل الإمداد والبنية التحتية والأمن القومي.

وبحسب البيانات الحكومية البريطانية، كانت الشركة تعمل أصلًا تحت تدخل حكومي منذ أبريل 2025 لمنع توقف الإنتاج واستمرار تشغيل الأفران العالية في موقع سكونثورب بشمال لينكولنشاير. هذا الموقع يكتسب أهمية خاصة لأنه يمثل مركزًا رئيسيًا لإنتاج الصلب الأولي في بريطانيا، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الصناعة بفعل ارتفاع التكاليف والمنافسة العالمية وفائض الطاقة الإنتاجية في الأسواق الدولية.

خلفية الأزمة مع جينجيه

الأزمة لم تبدأ هذا الأسبوع، بل تعود إلى العام الماضي حين تدخلت الحكومة البريطانية بعد إعلان مالكي الشركة من مجموعة جينجيه نيتهم إغلاق الأفران العالية في سكونثورب. وفي 12 أبريل 2025، قالت الحكومة البريطانية إن جينجيه أكدت نيتها إغلاق الأفران فورًا رغم شهور من المفاوضات، ورغم عرض حكومي للمشاركة في الاستثمار بقيمة 500 مليون جنيه إسترليني. ومنذ ذلك الوقت، باتت الشركة تحت إجراءات استثنائية حافظت على استمرار العمليات حتى الوصول إلى قرار التأميم الكامل في يوليو 2026.

هذه التطورات تكشف أن المسألة ليست مالية فقط، بل تتصل أيضًا برؤية لندن لدور الصلب في الاقتصاد الوطني. فالحكومة البريطانية تعتبر أن الحفاظ على القدرة المحلية لإنتاج الصلب مسألة تتجاوز الربحية التجارية المباشرة، خصوصًا مع ارتباط المعدن بقطاعات النقل والإنشاءات والمشروعات الكبرى، إلى جانب اعتبارات الأمن الصناعي والاستراتيجي.

لماذا يهم هذا الملف القارة الأفريقية ومصر؟

رغم أن القضية بريطانية-صينية في ظاهرها، فإن أصداءها تمتد إلى نطاق أوسع يهم المتابعين في مصر وأفريقيا. فالصلب مادة أساسية في مشروعات السكك الحديدية والموانئ والطاقة والإسكان، وهي قطاعات تشهد توسعًا في عدة دول أفريقية. وعندما تتجه دولة كبرى مثل بريطانيا إلى تشديد الحماية على إنتاجها المحلي، فإن ذلك يعكس مناخًا عالميًا يميل أكثر إلى الأمن الاقتصادي وتقليص الاعتماد على الخارج في الصناعات الثقيلة.

هذا التحول يحمل دلالات مهمة للأسواق الأفريقية التي تعتمد بدرجات متفاوتة على الواردات أو على شراكات استثمارية أجنبية في الصناعات الأساسية. كما يلفت الانتباه إلى حساسية التوازن بين جذب الاستثمارات الخارجية من جهة، والحفاظ على السيطرة الوطنية على القطاعات الاستراتيجية من جهة أخرى. بالنسبة للقارئ المصري، تبدو القضية قريبة من نقاشات أوسع تخص سلاسل الإمداد، وكلفة المواد الخام، وتأمين احتياجات مشروعات البنية الأساسية في فترات الاضطراب التجاري الدولي.

الاقتصاد والسياسة في قلب المواجهة

اللافت أن التحرك البريطاني جاء في سياق سياسة أوسع لدعم الصناعة المحلية. فالحكومة البريطانية أعلنت هذا العام استراتيجية للصلب، كما طبقت من 1 يوليو 2026 إجراءً تجاريًا جديدًا يحد من الواردات المعفاة من الرسوم، مع فرض تعريفة 50% على الكميات التي تتجاوز الحصص المحددة للمنتجات التي يمكن تصنيعها محليًا. هذا يعني أن قرار بريتش ستيل لا يمكن فصله عن توجه بريطاني أوسع لإعادة بناء الحماية الصناعية في مواجهة ما تصفه لندن بالمنافسة غير العادلة والضغوط العالمية على القطاع.

في المقابل، ترى بكين أن الرسالة الموجهة إلى المستثمرين الأجانب قد تكون سلبية إذا جرى التعامل مع شركة مملوكة لمجموعة صينية بهذه الصورة من دون ضمانات واضحة ومطمئنة بشأن الحقوق والتعويضات. ومن هنا يبرز البعد السياسي للقضية: هل هو نزاع تجاري وصناعي بحت، أم مؤشر على تزايد الحذر الأوروبي من الملكية الأجنبية في القطاعات الحساسة؟

الأرقام الأساسية في القضية

  • 15 يوليو 2026: حصول قانون تأميم صناعة الصلب على الموافقة الملكية في بريطانيا.
  • 16 يوليو 2026: نقل بريتش ستيل رسميًا إلى الملكية العامة.
  • 18 يوليو 2026: صدور التصريح الصيني الذي يطالب بحماية حقوق المستثمرين.
  • 12 أبريل 2025: بدء التدخل الحكومي البريطاني لإنقاذ عمليات الشركة.
  • 500 مليون جنيه إسترليني: قيمة عرض المشاركة في الاستثمار الذي قالت لندن إنها قدمته خلال التفاوض.
  • 33 ألف وظيفة مباشرة: تقدير حكومي لعدد الوظائف المباشرة التي يدعمها قطاع الصلب البريطاني في 2025، إضافة إلى 36 ألف وظيفة عبر سلاسل الإمداد.

ماذا بعد؟

المرحلة المقبلة ستتركز على نقطتين: أولًا، كيف ستدير الحكومة البريطانية الشركة بعد انتقالها إلى الملكية العامة، وهل ستنجح في تحويلها إلى نموذج أكثر استدامة وأقل انبعاثًا للكربون. وثانيًا، كيف ستُصاغ آلية التعويض الخاصة بالمالكين السابقين، وما إذا كانت ستفتح بابًا لنزاعات قانونية أو لمزيد من التوتر السياسي مع الصين.

حتى الآن، تبدو لندن مصممة على تثبيت القرار باعتباره ضرورة صناعية وسيادية، بينما تتمسك بكين بأن احترام حقوق المستثمرين هو الاختبار الحقيقي لمناخ الأعمال البريطاني. وبين الموقفين، تبقى بريتش ستيل عنوانًا لصراع أكبر يدور عالميًا حول من يملك الصناعات الثقيلة، وكيف تُدار، وما إذا كانت اعتبارات السوق وحدها تكفي لحسم مصيرها.

بالنسبة لأفريقيا، يكشف هذا الملف أن المنافسة على سلاسل الإمداد والمعادن الأساسية لم تعد مجرد شأن تجاري، بل باتت جزءًا من معادلات النفوذ والاستقرار الاقتصادي. ولهذا، فإن أي تطور في ملف الصلب بين لندن وبكين سيظل محل متابعة وثيقة، ليس فقط في أوروبا وآسيا، بل أيضًا في القارة الأفريقية التي تبحث بدورها عن توازن دقيق بين الاستثمار الخارجي والسيادة الصناعية.