الصين وفرنسا تعقدان الجولة 28 من الحوار الاستراتيجي
جولة جديدة من الحوار بين بكين وباريس
عقدت الصين وفرنسا الجولة الثامنة والعشرين من الحوار الاستراتيجي بين البلدين في مدينة داتونغ بمقاطعة شانشي شمالي الصين، يوم السبت 10 أكتوبر 2026، في لقاء جمع كبير الدبلوماسيين الصينيين وانغ يي مع إيمانويل بون، المستشار الدبلوماسي للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ويأتي الاجتماع في توقيت حساس دوليًا، مع استمرار الضغوط على العلاقات بين الصين وأوروبا في ملفات التجارة والأمن الدولي، إلى جانب سعي الطرفين للحفاظ على قنوات اتصال مستقرة بين قوتين دائمتي العضوية في مجلس الأمن الدولي.
ووفق ما أكدته وزارة الخارجية الصينية قبل الزيارة، فإن إيمانويل بون كان موجودًا في الصين بين 9 و13 أكتوبر 2026 للمشاركة في جولة جديدة من الحوار الاستراتيجي مع وانغ يي، عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ومدير مكتب لجنة الشؤون الخارجية المركزية. هذه الصيغة تعكس أهمية القناة السياسية المباشرة بين الرئاسة الفرنسية والقيادة الصينية، بعيدًا عن الطابع البروتوكولي التقليدي للاجتماعات الوزارية.
ما الذي نعرفه عن أجندة المباحثات؟
المعطيات المنشورة حتى الآن تشير إلى أن اللقاء في داتونغ تناول تعزيز التعاون الاستراتيجي بين الصين وفرنسا، وأن الجانبين أجريا مباحثات مطولة ومعمقة وانتهيا إلى توافق واسع في وجهات النظر، كما أشادا بالتقدم المحرز عبر آلية المشاورات التجارية والاستثمارية بين الصين والاتحاد الأوروبي. ورغم أن التفاصيل الكاملة للمخرجات لم تُعلن بعد بصورة موسعة، فإن الإشارة إلى ملف التجارة مع الاتحاد الأوروبي تكشف أن الحوار الثنائي لم ينفصل عن التوترات الأوسع بين بكين وبروكسل.
ومن المرجح، استنادًا إلى الخطوط التي أعلنتها بكين في الأشهر السابقة، أن يكون الجانب الصيني قد دفع باتجاه تعزيز التنسيق مع باريس داخل الإطار الأوروبي، خاصة في ما يتعلق بتبني سياسات تجارية أكثر انفتاحًا وبراغماتية تجاه الصين. ففي لقاء سابق بين وانغ يي وإيمانويل بون في بكين يوم 8 مايو 2026، شدد المسؤول الصيني على أن أوروبا «شريك وليست خصمًا»، ودعا فرنسا إلى أداء دور «إيجابي وبنّاء» في دعم حوار أكثر توازنًا بين الصين والاتحاد الأوروبي. كما ناقش الجانبان آنذاك قضايا الحوكمة الاقتصادية العالمية والوضع في الشرق الأوسط.
خلفية سياسية: من الذكرى الستين للعلاقات إلى اختبار الملفات الصعبة
العلاقات الصينية الفرنسية اكتسبت زخمًا واضحًا منذ زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى فرنسا في مايو 2024، حين استقبله الرئيس إيمانويل ماكرون في باريس بمناسبة مرور 60 عامًا على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وخلال تلك الزيارة، أعلن الجانبان توسيع التعاون في مجالات مثل الزراعة والغذاء والتمويل والطيران والفضاء والطاقة النووية المدنية، كما وُقعت 18 اتفاقية تعاون بين مؤسسات حكومية في مجالات متعددة، من التنمية الخضراء إلى التبادل الشعبي ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.
كما شهدت الزيارة نفسها إصدار بيانات وتفاهمات مشتركة شملت الذكاء الاصطناعي والحوكمة العالمية، مع تأكيد فرنسي صيني على أهمية الحوار المستمر لإيجاد حلول أكثر استدامة للتحديات الدولية. هذا السياق يساعد في فهم لماذا لا يُنظر إلى الحوار الاستراتيجي الحالي بوصفه اجتماعًا بروتوكوليًا فقط، بل كآلية متابعة سياسية لما تم الاتفاق عليه في السنوات الأخيرة، خصوصًا مع تغير البيئة الجيوسياسية في أوروبا وآسيا.
أين تقف فرنسا داخل المعادلة الأوروبية؟
بالنسبة لباريس، يمثل التواصل المباشر مع بكين مساحة للموازنة بين التزامات فرنسا الأوروبية ورغبتها في الاحتفاظ بهامش حركة مستقل في السياسة الخارجية. هذه النقطة مهمة للقراء في مصر والمنطقة الأفريقية، لأن فرنسا تظل لاعبًا مؤثرًا في ملفات المتوسط وأفريقيا، بينما توسع الصين حضورها الاقتصادي والاستثماري في القارة عبر البنية التحتية والطاقة والتجارة. لذلك، فإن أي تقارب أو تنسيق بين بكين وباريس ينعكس بصورة غير مباشرة على البيئة السياسية والاقتصادية الأوسع المحيطة بأفريقيا وشمالها.
في الوقت نفسه، لا تزال الملفات الخلافية حاضرة بقوة، سواء ما يتعلق بالتجارة الصينية الأوروبية أو بالحرب في أوكرانيا أو بالتوترات في الشرق الأوسط. وخلال لقاءات سابقة وتصريحات رسمية منشورة في 2024 و2026، بدا واضحًا أن الصين تريد من فرنسا الدفع نحو حوار أوروبي أقل صدامية، بينما ترى باريس أن التواصل مع بكين ضروري في إدارة الأزمات الدولية الكبرى وعدم ترك المجال للقطيعة السياسية.
لماذا تهم هذه التطورات القارئ المصري؟
من زاوية مصرية وأفريقية، فإن متابعة مسار العلاقات بين الصين وفرنسا ليست مجرد شأن أوروبي آسيوي بعيد. فالصين شريك اقتصادي رئيسي لعدد كبير من الدول الأفريقية، وفرنسا ما زالت حاضرة في ملفات الأمن والتنمية والاستثمار داخل أجزاء واسعة من القارة. وعندما تقترب بكين وباريس من تفاهمات أوسع بشأن التجارة أو التمويل أو إدارة الأزمات، فإن أثر ذلك قد ينعكس على حركة الاستثمارات، وسلاسل الإمداد، وتمويل مشروعات البنية الأساسية، وحتى على مقاربات التعامل مع أزمات الشرق الأوسط والساحل الأفريقي. هذا الربط هنا هو استنتاج تحليلي مستند إلى وزن البلدين في المؤسسات الدولية وفي أسواق القارة، وليس إعلانًا رسميًا مباشرًا من الطرفين.
وتزداد أهمية هذا التطور إذا ما وُضع في إطار أوسع يشمل تنافس القوى الكبرى على النفوذ الاقتصادي والسياسي في أفريقيا، حيث تحاول عواصم عدة إعادة صياغة أدوات حضورها في القارة. ومن ثم، فإن استمرار قناة الحوار بين الصين وفرنسا قد يفتح المجال أمام تنسيق أو تنافس أكثر انتظامًا، بدلًا من المواجهة المفتوحة، وهو ما تتابعه العواصم الأفريقية عن قرب.
ماذا بعد جولة داتونغ؟
حتى الآن، الثابت أن جولة داتونغ أكدت استمرار الرهان المتبادل على الحوار السياسي رفيع المستوى، رغم اتساع الخلافات الدولية وتشابك الملفات الاقتصادية. وإذا كانت البيانات الرسمية المتاحة ما زالت مقتضبة، فإن مجرد انعقاد الجولة الثامنة والعشرين بحد ذاته يبعث برسالة واضحة: بكين وباريس لا تريدان ترك علاقتهما رهينة للتوترات المحيطة، سواء داخل أوروبا أو على مستوى الأزمات العالمية.
والمرجح خلال الأسابيع المقبلة أن تتضح نتائج هذا الحوار من خلال تحركات عملية مرتبطة بالتنسيق الصيني الفرنسي، أو من خلال مواقف أكثر تحديدًا في ملفات التجارة الصينية الأوروبية، والأزمات الدولية، والتعاون متعدد الأطراف. وحتى ظهور هذه المؤشرات، يبقى اجتماع وانغ يي في داتونغ مع إيمانويل بون محطة سياسية مهمة في مسار علاقة تحاول الحفاظ على توازنها وسط عالم أكثر اضطرابًا.
- المكان: داتونغ، مقاطعة شانشي، شمالي الصين
- التاريخ: السبت 10 أكتوبر 2026
- الأطراف: وانغ يي وإيمانويل بون
- الإطار: الجولة 28 من الحوار الاستراتيجي الصيني الفرنسي
- الملفات الأبرز: التعاون الاستراتيجي، التجارة مع الاتحاد الأوروبي، القضايا الدولية