Akhbar Cairo

الضبعة والتصالح في صدارة نقاشات الشأن العام المصري

محطة الضبعة وقانون التصالح.. ملفان يعكسان أولويات الدولة

تصدّر ملفا محطة الضبعة النووية وتعديلات قانون التصالح في مخالفات البناء أحاديث البرامج الحوارية في مصر خلال الفترة الأخيرة، باعتبارهما من القضايا المرتبطة مباشرة بمستقبل التنمية والإدارة العمرانية وأمن الطاقة. وبينما يترقب الشارع المصري المراحل التالية في مشروع الضبعة، تتواصل داخل البرلمان مناقشات وتصورات لتطوير الإطار التشريعي الخاص بالتصالح، في محاولة لمعالجة تعقيدات التطبيق على الأرض.

ورغم أن الملفين يبدوان منفصلين في الظاهر، فإن كليهما يرتبط بمسار أوسع يخص البنية الأساسية، وتحديث مؤسسات الدولة، وتعزيز قدرة مصر على التحرك داخل محيطها الأفريقي باعتبارها دولة تسعى إلى تثبيت موقعها في معادلة الطاقة والتنمية المستدامة.

متى يصل وقود محطة الضبعة؟

أحدث المعلومات الرسمية المتاحة تشير إلى أن أول شحنة من الوقود النووي لمحطة الضبعة متوقع توريدها خلال عام 2027، وذلك بحسب ما أعلنته هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء خلال تغطية زيارة وفد من مجلس الدوما الروسي إلى موقع المشروع في 7 أبريل 2026. واعتبرت الهيئة أن هذه الخطوة ستكون إيذانًا بالانتقال إلى مرحلة تشغيل منشأة نووية متكاملة في مصر، مع استمرار أولوية بدء تشغيل الوحدة النووية الأولى في عام 2028.

ويحمل هذا التطور أهمية خاصة ليس فقط لمصر، بل أيضًا للقارة الأفريقية، لأن مشروع الضبعة يُعد من أكبر مشروعات الطاقة النووية الجاري تنفيذها في أفريقيا، كما أنه يفتح الباب أمام حضور أفريقي أوسع في ملف الطاقة النظيفة منخفضة الانبعاثات، في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بأمن الإمدادات الكهربائية وتكلفة الوقود التقليدي.

ماذا جرى في المشروع خلال 2026؟

شهد عام 2026 سلسلة من التطورات التنفيذية المهمة في موقع الضبعة بمحافظة مطروح. ففي 2 مايو 2026 وصل مكثف التوربينة البخارية للوحدة الأولى إلى ميناء الضبعة التخصصي، بحمولة تقارب 1500 طن، وفق ما أعلنته هيئة المحطات النووية. وبعدها، في 9 يوليو 2026، شهد رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الثانية بحضور وزير الكهرباء والطاقة المتجددة الدكتور محمود عصمت، ومدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، والمدير العام لمؤسسة روساتوم الروسية أليكسي ليخاتشوف. كما شهد 6 أكتوبر 2026 بدء تركيب أول مولد بخار بالوحدة الأولى.

وتوضح هذه المحطات أن المشروع انتقل من مرحلة الأعمال الإنشائية الثقيلة إلى تركيب مكونات محورية في دورة التشغيل، وهو ما يدعم التقديرات الرسمية بشأن المضي في الجدول الزمني المعلن. كما تصف الهيئة عام 2026 بأنه عام محوري في تنفيذ المشروع، مع استمرار التنسيق المصري الروسي في الجوانب الفنية واللوجستية والتدريبية.

لماذا تهم الضبعة القارة الأفريقية؟

أهمية الضبعة لا تتوقف عند إنتاج الكهرباء داخل مصر فقط. فالمحطة تضم أربع وحدات من طراز VVER-1200، بقدرة 1200 ميجاوات لكل وحدة، وبإجمالي قدرة مركبة تبلغ 4800 ميجاوات. ومع اتساع النقاش الأفريقي حول الانتقال العادل للطاقة، يمثل المشروع نموذجًا لما يمكن أن تنجزه الشراكات طويلة الأمد في قطاع البنية التحتية عالية التقنية.

ومن زاوية أفريقية أوسع، فإن دخول مصر عصر التشغيل النووي السلمي سيمنحها وزنًا إضافيًا في نقاشات القارة المتعلقة بمزيج الطاقة، خاصة مع تزايد الاهتمام بمصادر مستقرة للكهرباء تدعم التصنيع، وتحلية المياه، والتوسع الحضري، وتقليل الضغط على الغاز والوقود الأحفوري.

تعديلات قانون التصالح.. أين وصلت المناقشات؟

على المسار التشريعي، عاد قانون التصالح في بعض مخالفات البناء وتقنين أوضاعها إلى الواجهة مع حديث برلماني وإعلامي عن تعديلات وتيسيرات جديدة. وتشير البيانات المنشورة إلى أن مشروع قانون لتعديل أحكام التصالح أُحيل في أبريل 2026 إلى لجنة مشتركة من لجان الإسكان والإدارة المحلية والشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، وذلك لبدء مناقشته. وقدمت المبادرة النيابية من المهندس إيهاب منصور، عضو مجلس النواب ووكيل لجنة القوى العاملة.

كما أظهرت متابعات برلمانية لاحقة أن لجنة الإسكان والمرافق العامة والتعمير تواصل الاستعداد لحسم ملفات مرتبطة بالتصالح خلال دور الانعقاد العادي الثاني من الفصل التشريعي الثالث، وسط اتجاه لمراجعة المعوقات العملية التي واجهت المواطنين والجهات المحلية خلال التطبيق.

ما أبرز القضايا المطروحة في التعديل؟

المعلومات المتاحة عن المقترحات المتداولة تُظهر أن الهدف الرئيسي هو توسيع التيسيرات وتقليل التعقيد الإجرائي، إلى جانب معالجة حالات تطبيقية ظهرت بعد نفاذ القانون رقم 187 لسنة 2023 ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1121 لسنة 2024. ومن بين النقاط التي أثيرت في النقاشات البرلمانية: وضوح المستندات المطلوبة، وآليات الفحص، وبعض الحالات التي ترتبت عليها طلبات رفض أو تعطيل، بما فيها حالات خاصة أثارت جدلًا قانونيًا في التطبيق.

وفي هذا السياق، برزت أيضًا دعوات من أعضاء في لجنة الإسكان إلى تبني صياغة أكثر حسمًا وبساطة، حتى لا تتكرر دوامة التعديلات المتتالية التي تربك المواطنين وتطيل أمد تسوية الملفات العالقة.

لماذا يحظى الملفان باهتمام واسع؟

الاهتمام الشعبي والإعلامي بملف الضبعة مفهوم بالنظر إلى طبيعته الاستراتيجية، فهو مشروع يرتبط مباشرة بأمن الطاقة المصري وبصورة مصر داخل أفريقيا كدولة قادرة على تنفيذ مشروعات كبرى بالتعاون مع مؤسسات دولية وشركاء تقنيين. أما ملف التصالح، فله تماس يومي مع ملايين المواطنين، سواء فيما يتعلق بتقنين الأوضاع أو تسوية النزاعات أو تنظيم البناء داخل الكتل السكنية والأحوزة العمرانية.

ومن ثم، فإن اجتماع الملفين في صدارة نشرات التوك شو لا يعكس مجرد زخم إعلامي عابر، بل يكشف عن أولويتين واضحتين: تأمين المستقبل الطاقي وإعادة ضبط المجال العمراني تشريعيًا وإداريًا. وفي الحالتين، تبدو الدولة المصرية أمام اختبار التنفيذ الدقيق، سواء في مشروع بحجم الضبعة أو في قانون يمس الحياة اليومية على امتداد المحافظات.

خلاصة المشهد

حتى الآن، تؤكد البيانات الرسمية أن الوقود النووي الأول للضبعة متوقع وصوله في 2027، بينما يستهدف المخطط الحالي تشغيل الوحدة الأولى في 2028. وفي الوقت نفسه، لا تزال تعديلات قانون التصالح ضمن الملفات المطروحة على أجندة اللجان البرلمانية، مع ترقب لأي صياغات نهائية يمكن أن تمنح مزيدًا من الوضوح والتيسير في التطبيق.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن متابعة هذين الملفين تظل ضرورية، لأن تأثيرهما يتجاوز الخبر اليومي: الأول يرسم جانبًا من مستقبل الطاقة في مصر وأفريقيا، والثاني يعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة في أحد أكثر الملفات الخدمية حساسية وتعقيدًا.