الطاقة الذرية ترصد أنشطة في جبل الفأس الإيراني
تأكيد دولي جديد يسلط الضوء على موقع شديد الحساسية في إيران
عاد موقع جبل الفأس الإيراني إلى واجهة المتابعة الدولية بعدما أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية وجود أنشطة في المنطقة الواقعة قرب منشأة نطنز النووية، وهي واحدة من أكثر النقاط حساسية في ملف طهران النووي. التطور لا يقتصر على كونه تفصيلاً فنياً؛ بل يحمل أبعاداً سياسية وأمنية واسعة، خصوصاً مع تصاعد الخلاف بين إيران والوكالة بشأن التفتيش والوصول إلى المواقع والمواد النووية المعلنة.
وبالنسبة للمتابع المصري والأفريقي، فإن أي تحرك يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني لا ينفصل عن معادلات الأمن الإقليمي الأوسع، سواء في الشرق الأوسط أو في محيط البحر الأحمر وشرق المتوسط، حيث تتقاطع اعتبارات الطاقة والأمن البحري وحسابات الردع.
ما هو جبل الفأس ولماذا يحظى بكل هذا الاهتمام؟
جبل الفأس، المعروف في التغطيات الأجنبية باسم Pickaxe Mountain، يقع قرب منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم. وقد أظهرت صور أقمار صناعية خلال الأشهر الماضية مداخل أنفاق وأعمال حفر وبناء في المنطقة، ما عزز الاهتمام الدولي بطبيعة النشاط الجاري هناك. وتفيد تقارير صحفية وتحليلات مفتوحة المصدر بأن الموقع يتمتع بدرجة تحصين مرتفعة نظراً لطبيعته الجبلية، وهو ما يجعل أي تقييم لوظيفته الفعلية مرتبطاً بقدرة الوكالة على التحقق الفني والميداني، لا بالصور وحدها.
وفي هذا السياق، نقلت تغطيات دولية وعربية متطابقة أن الوكالة أقرت بوجود أنشطة في الموقع، من دون أن تعلن بصورة قاطعة أن الجبل نفسه منشأة نووية مكتملة الوظيفة. هذه النقطة مهمة، لأن الفارق كبير بين رصد نشاط إنشائي أو لوجستي وبين إثبات وجود نشاط نووي محظور أو غير معلن.
ماذا قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟
المدير العام للوكالة رافاييل ماريانو غروسي لمّح في الأيام الأخيرة إلى أن الوكالة تواصل متابعة التطورات في إيران عبر صور الأقمار الصناعية والمصادر المفتوحة، في ظل تراجع قدرتها على تنفيذ أنشطة التحقق الميداني داخل بعض المواقع الإيرانية. كما شدد على أن غياب المعلومات المحدثة من طهران بشأن وضع المواد النووية والمنشآت المعلنة يثير قلقاً جدياً متعلقاً بمنع الانتشار.
وتكشف وثائق وتقارير الوكالة الخاصة باجتماعات مجلس المحافظين أن المفتشين لم يتمكنوا، منذ الهجمات التي طالت مواقع نووية إيرانية في يونيو 2025، من استئناف الوصول المعتاد إلى عدد من المنشآت، بينما واصلت الوكالة مراقبة التطورات عبر صور الأقمار الصناعية. كما أوضحت الوكالة في تقرير أحدث أن إيران لم تقدم خلال فترة التقرير الأخيرة معلومات كافية عن وضع المواد والمنشآت النووية المعلنة.
قيود على التفتيش وتداعياتها
جوهر الأزمة هنا أن الوكالة تستطيع رصد تغييرات خارجية وبنائية، لكنها تحتاج إلى تعاون مباشر من الدولة المعنية كي تنتقل من مرحلة المراقبة عن بعد إلى مرحلة التحقق الفني الكامل. لذلك فإن تأكيد وجود نشاط في جبل الفأس لا يعني تلقائياً إثبات مخالفة نووية، لكنه يضيف طبقة جديدة من الشكوك في لحظة تشهد أصلاً توتراً مرتفعاً بين طهران والدول الغربية.
التطورات الأخيرة في سبتمبر 2026
خلال الأسبوع الجاري في فيينا، اكتسب الملف الإيراني زخماً إضافياً بعد تحركات داخل مجلس محافظي الوكالة. ووفق تقارير منشورة في 9 و10 سبتمبر 2026، مضى المجلس في مسار إحالة المخاوف المرتبطة بالتعاون الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ نحو عشرين عاماً. ويعكس ذلك اتساع الفجوة بين متطلبات الوكالة الرقابية وبين مستوى التعاون الذي ترغب طهران في تقديمه حالياً.
وتزامن هذا المسار مع استمرار الجدل حول حجم مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بدرجات عالية. وكانت تقديرات الوكالة قبل تعطل عمليات التفتيش الميداني تشير إلى امتلاك إيران 440.9 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب حتى مستوى 60%، وهي نسبة تقل خطوة واحدة تقريباً عن مستوى الاستخدام العسكري البالغ 90%. غير أن الوكالة أوضحت لاحقاً أنها لا تستطيع حالياً التحقق ميدانياً من الموقع الدقيق لبعض المواد أو من أي تغييرات طرأت عليها بعد توقف الوصول المنتظم.
لماذا يهم هذا الخبر القارئ في مصر وأفريقيا؟
قد يبدو ملف جبل الفأس شأناً إيرانياً داخلياً أو نزاعاً بين طهران والغرب، لكنه عملياً يرتبط بمصالح دول المنطقة كلها، ومنها مصر. فاستقرار الإقليم، وأمن الممرات البحرية، وأسعار الطاقة، وحدود سباق التسلح، كلها ملفات تتأثر مباشرة بأي تصعيد حول الأنشطة النووية أو حول احتمال توسيع العقوبات والتحركات الدبلوماسية في مجلس الأمن.
ومن زاوية أفريقية أوسع، فإن العديد من دول القارة تتابع دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية ليس فقط باعتباره أداة رقابية، بل أيضاً باعتباره شريكاً في مجالات الطاقة النووية السلمية والطب النووي والأمن الإشعاعي. لذلك فإن أي اهتزاز كبير في نظام الضمانات الدولي ينعكس على مناخ الثقة الذي تحتاجه البرامج السلمية في دول الجنوب، بما فيها دول أفريقية تراهن على التكنولوجيا النووية في التنمية والطاقة.
زاوية مصرية: أولوية الاستقرار والشفافية
في المقاربة المصرية التقليدية، تحضر فكرتان أساسيتان: دعم عدم الانتشار النووي من جهة، والتأكيد على حق الدول في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية من جهة أخرى، بشرط الالتزام بالضمانات الدولية والشفافية. ومن هذه الزاوية، فإن أي غموض يحيط بموقع مثل جبل الفأس يزيد الحاجة إلى تسوية تقوم على التحقق الفني لا على التقديرات السياسية وحدها.
ما الذي يمكن استخلاصه من رصد الأنشطة في الجبل؟
- أولاً: هناك نشاط مؤكد في الموقع، لكن طبيعته التفصيلية لا يمكن الجزم بها بالكامل من خارج الأرض الإيرانية.
- ثانياً: الوكالة تعتمد حالياً بدرجة أكبر على صور الأقمار الصناعية والمصادر المفتوحة بسبب تراجع الوصول الميداني.
- ثالثاً: توقيت الكشف مهم، لأنه يأتي بالتزامن مع تصعيد دبلوماسي داخل مجلس المحافظين ومساعٍ لنقل الملف إلى أروقة الأمم المتحدة.
- رابعاً: أي تطور جديد في نطنز أو محيطها سيظل محل متابعة دولية لصِلة الموقع المباشرة ببنية التخصيب الإيرانية.
بين الرصد والإثبات.. أين تقف القضية الآن؟
الملف حتى الآن يقف في منطقة وسطى بين الرصد التقني والإثبات القانوني الكامل. الوكالة تقول إنها رصدت أنشطة في جبل الفأس، لكنها في الوقت نفسه تواجه قيوداً تحد من قدرتها على تقديم صورة نهائية مكتملة عمّا يجري داخله أو عمّا إذا كان مرتبطاً مباشرة بمواد أو معدات نووية خاضعة للضمانات.
لهذا، فإن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة. فإذا استمرت فجوة المعلومات، سيزداد الضغط الدولي على إيران، أما إذا عادت قنوات التعاون الفني وسمحت طهران باستئناف مستويات أوسع من التفتيش، فقد يتجه الملف إلى احتواء مؤقت. وحتى ذلك الحين، سيظل جبل الفأس قرب نطنز عنواناً مركزياً في النقاش حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني وتوازنات الأمن في محيط مصر وأفريقيا.