Akhbar Cairo

العثور على مواد نووية في سوريا: ماذا يعني سياسياً؟

إعلان تقني.. وتداعياته سياسية بامتياز

إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن العثور على بضعة أطنان من مواد نووية في سوريا، في موقع لم يُكشف عنه علناً، لا يمكن التعامل معه كخبر تقني معزول. فمثل هذه التطورات تعيد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الشرق الأوسط: ملف الأنشطة النووية غير المعلنة، وحدود سيادة الدولة حين تتقاطع مع منظومة الرقابة الدولية، وكيف يمكن لسلطة جديدة في دمشق أن توظف التعاون مع المؤسسات الأممية لإعادة بناء الثقة السياسية قبل أي شيء آخر.

المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل ماريانو غروسي قال في مؤتمر صحافي بدمشق إن الوكالة بدأت أعمال حفر واستكشاف في موقع دير الزور، وأضاف أن هناك موقعاً آخر عُثر فيه على مواد نووية، مشيراً إلى أن الحديث يدور عن “بضعة أطنان” يمكن إساءة استخدامها إذا تُركت خارج الرقابة، وأن هذه المواد ستُدرج ضمن نظام الضمانات الدولية. كما أكد وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني أن المواد ستظل في عهدة الدولة السورية وتحت نظام ضمانات الوكالة، مع تأكيد دمشق ـ وفق التقييمات الفنية التي عرضتها ـ أنها لا تشكل خطراً مباشراً. هذه التصريحات نُقلت في 18 أغسطس 2026، بينما كانت الوكالة قد كثفت تواصلها مع دمشق خلال الأشهر السابقة.

لماذا يعود اسم دير الزور إلى الواجهة؟

أهمية الخبر لا ترتبط فقط بوجود المواد نفسها، بل بالسياق التاريخي للموقع. دير الزور ظل لسنوات عنواناً للنزاع بين سوريا والوكالة الدولية بعد قصف المنشأة هناك عام 2007. الوكالة كانت قد خلصت في تقاريرها إلى أن المبنى الذي دُمّر في الموقع كان على الأرجح مفاعلاً نووياً كان ينبغي الإعلان عنه، وبقي الملف مفتوحاً بسبب ما اعتبرته نقصاً في الإجابات السورية الكاملة على أسئلتها الفنية. لذلك، فإن أي حديث جديد عن اكتشاف مواد نووية أو أعمال تنقيب في دير الزور ليس مجرد متابعة إجرائية، بل استكمال لمسار طويل من الشكوك والاتهامات غير المحسومة.

الأكثر دلالة أن الوكالة كانت قد أعلنت في 2025 العثور على آثار يورانيوم في عينات بيئية أُخذت من أحد ثلاثة مواقع ارتبطت بالتحقيقات الجارية. هذا يعني أن إعلان أغسطس 2026 لم يأتِ من فراغ، بل يمثل حلقة أحدث في ملف يتطور تدريجياً من مرحلة الأسئلة إلى مرحلة الوصول الميداني والحصر الفعلي للمواد. من زاوية سياسية، هذا الانتقال مهم لأنه يوحي بأن دمشق الحالية تحاول إظهار مسافة بينها وبين إرث النظام السابق، عبر تقديم تعاون عملي لا يقتصر على التصريحات.

ما الذي تريده دمشق من هذا التعاون؟

في القراءة السياسية، يبدو أن السلطات السورية تنظر إلى التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة التموضع الدولي. ففي 14 يوليو 2026 استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع المدير العام للوكالة في دمشق، بحضور الشيباني ورئيس هيئة الطاقة الذرية السورية مضر العكلة، وتزامنت الزيارة مع افتتاح منظومة علاج إشعاعي موضعي في مشفى البيروني بالتعاون مع الوكالة. الرسالة هنا مزدوجة: من جهة، هناك انفتاح على الرقابة الدولية في ملف بالغ الحساسية؛ ومن جهة ثانية، هناك سعي لربط الحضور النووي في سوريا بتطبيقات صحية وسلمية تخفف من ثقل الصورة الأمنية التقليدية للملف.

بالنسبة لدمشق، فإن إدارة هذا الملف بقدر أعلى من الشفافية قد تمنحها مكاسب تتجاوز الوكالة نفسها. فالعواصم الإقليمية والدولية لا تقرأ التعاون النووي كقضية تقنية فحسب، بل كاختبار للسلوك السياسي العام: هل الدولة مستعدة للامتثال؟ هل مؤسساتها قادرة على تبادل المعلومات؟ وهل يمكن الوثوق بالتزاماتها حين يتعلق الأمر بملفات أعلى حساسية؟ هذه الأسئلة تهم أيضاً دول الجوار، ومنها مصر، لأن أي تطور في بنية الأمن الإقليمي ينعكس مباشرة على حسابات الاستقرار في شرق المتوسط والمشرق العربي.

هل نحن أمام خطر فوري؟

حتى الآن، لا توجد معطيات منشورة تشير إلى خطر إشعاعي داهم على الجمهور، والوكالة لم تعلن وقوع حادث نووي أو تسرب. كما قال الشيباني إن التقييمات الفنية السورية تعتبر أن المواد لا تشكل خطراً. لكن غياب الخطر الفوري لا يلغي حساسية المسألة. فالوكالة نفسها شددت على أن المشكلة الأساسية هي ضرورة حصر المواد ومسكها ضمن نظام الضمانات الدولية، أي معرفة طبيعتها وكمياتها ومكانها وآليات تأمينها ومنع إساءة استخدامها. في ملفات الانتشار النووي، جوهر القلق لا يكون دائماً في الانفجار أو التسرب، بل في الفراغ الرقابي.

وهنا يكمن الفارق المهم بين المقاربة التقنية والمقاربة السياسية. التقنية تسأل: ما هذه المواد؟ وما مستوى خطورتها؟ أما السياسة فتسأل: لماذا لم تكن معلنة بالشكل الكافي؟ وكيف وصلت إلى هذا الوضع؟ ومن يضمن ألا يتحول الغموض إلى ورقة تفاوض أو مصدر ابتزاز أو باب لتدخلات خارجية جديدة؟

ما الذي يعنيه ذلك للمنطقة؟

إقليمياً، يضيف التطور السوري طبقة جديدة إلى مشهد نووي شرق أوسطي معقد أصلاً. المنطقة تعيش منذ سنوات على وقع أزمات تتصل بالبرنامج النووي الإيراني، وبالجدل الدائم حول غياب بنية أمن جماعي متوازنة تشمل كل الفاعلين. لذلك فإن أي ملف نووي جديد، حتى لو كان محصوراً في مواد خاضعة لاحقاً للضمانات، ينعش المخاوف القديمة من أن تبقى قضايا الانتشار النووي تُدار بمنطق الأزمات المتفرقة لا بمنطق الإطار الإقليمي الشامل.

ومن منظور مصري، تبدو أهمية الخبر مضاعفة. القاهرة تاريخياً من أكثر العواصم العربية تمسكاً بمبدأ إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، كما أن أي تقدم أو تعثر في ملفات الضمانات والشفافية النووية في دول الجوار يؤثر على البيئة الاستراتيجية العربية الأوسع. لهذا، فإن التطور السوري لا ينبغي قراءته فقط باعتباره شأناً سورياً داخلياً، بل كاختبار جديد لمدى قدرة النظام الإقليمي على استيعاب ملفات حساسة عبر القانون الدولي والمؤسسات، لا عبر الضربات الاستباقية أو الصمت الطويل.

بين التفكيك وإعادة الشرعية

السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب ليس التصعيد، بل إعادة تنظيم الملف. الوكالة تبدو معنية حالياً بالوصول، والحصر، والتحقق، ووضع المواد تحت الضمانات. أما دمشق فتبدو معنية بتحويل التعاون إلى شهادة حسن سلوك دولية تساعدها في ملفات أخرى. لكن نجاح هذا المسار سيعتمد على ما إذا كان التعاون سيظل كاملاً حين تصل الأسئلة إلى النقاط الأكثر حساسية: مصدر المواد، ومسارها، وصلتها المحتملة بالبنية النووية القديمة، ومدى اكتمال السجل السوري لدى الوكالة.

بعبارة أوضح، المسألة لا تتعلق فقط بما تم العثور عليه، بل بما قد يكشفه العثور عنه. فإذا كان الإعلان الحالي بداية لطي صفحة قديمة عبر الشفافية، فسيُحسب ذلك لدمشق الجديدة. أما إذا توقف الأمر عند حدود إدارة الانطباع الإعلامي، فسيظل الملف قابلاً للعودة في أي لحظة، وبكلفة سياسية أكبر.

الخلاصة

العثور على أطنان من المواد النووية في سوريا ليس خبراً عابراً، حتى لو جرى تقديمه بلغة فنية مطمئنة. إنه خبر يختصر ثلاث قضايا في وقت واحد: إرث نووي غير محسوم، ومحاولة سياسية لاستعادة الثقة، واختبار جديد لفاعلية الرقابة الدولية في منطقة شديدة الهشاشة. وإذا كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد وضعت المواد ضمن أولوية الضمانات، فإن السؤال الأهم سياسياً يبقى: هل تنجح سوريا في تحويل هذا الملف من عبء تاريخي إلى فرصة لإثبات التزام مختلف؟

  • المؤكد حتى الآن: العثور على بضعة أطنان من مواد نووية في سوريا، مع تعهد بوضعها تحت الضمانات الدولية.
  • الموقع الأبرز في النقاش: دير الزور، المرتبط بالتحقيقات القديمة حول برنامج نووي غير معلن.
  • الرهان السياسي: استخدام التعاون مع الوكالة كمدخل لاستعادة الثقة الدولية.
  • الملف المفتوح: الإجابة الكاملة عن طبيعة المواد ومصدرها وعلاقتها بالأنشطة السابقة.