العراق بعد 30 سبتمبر: هل ينجح اختبار حصر السلاح؟
30 سبتمبر في العراق: موعد أمني أم لحظة سياسية فاصلة؟
لم يعد الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة في العراق مجرد بند يتكرر في البيانات الرسمية، بل صار عنواناً لاختبار سياسي وأمني كبير يقترب مع نهاية 30 سبتمبر 2026، وهو الموعد الذي أكدت بغداد وواشنطن أنه يشهد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش من داخل العراق. في هذا السياق، جاء تشديد ائتلاف إدارة الدولة على رفض وجود أي سلاح خارج مؤسسات الدولة، ورفض استخدام الأراضي أو الأجواء العراقية نقطة انطلاق للاعتداء على دول الجوار، باعتباره رسالة مزدوجة: إلى الداخل العراقي أولاً، وإلى الإقليم ثانياً.
بالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه الصيغة مألوفة: دولة تحاول إعادة تثبيت احتكارها للقوة الشرعية في بيئة إقليمية شديدة السيولة، مع الحرص على ألا تتحول حدودها وساحتها إلى امتداد لصراعات الآخرين. لكن في الحالة العراقية، فإن التعقيد أكبر؛ لأن الملف لا يرتبط فقط بالأمن، بل أيضاً بتركيبة النظام السياسي، وبالعلاقة بين الحكومة المركزية والفصائل المسلحة، وبكيفية إدارة مرحلة ما بعد التحالف الدولي.
ما الذي قالته القوى الحاكمة في بغداد؟
في اجتماع دوري عقده ائتلاف إدارة الدولة في القصر الحكومي ببغداد يوم 12 يوليو 2026، بحضور رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، شدد المجتمعون على أهمية استكمال مشروع حصر السلاح بيد الدولة وترسيخ هيبة المؤسسات الدستورية، مع الدعوة إلى تغليب الحوار وتجنب التصعيد في الملفات الإقليمية. هذا الموقف لم يأتِ معزولاً، بل انسجم مع سلسلة بيانات وتصريحات حكومية خلال مايو ويونيو ويوليو 2026 تؤكد أن بغداد تعتبر احتكار الدولة لاستخدام القوة شرطاً لازماً لاستكمال سيادتها.
الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان أوضح في تصريحات رسمية أن توحيد القرار الأمني وربط الموارد والقدرات بمنظومة الدولة يمثلان جوهر المقاربة الحكومية، مع التأكيد على أن العراق يريد الابتعاد عن محاور الصراع الإقليمي والدولي. وفي 8 يونيو 2026، جدد المجلس الوزاري للأمن الوطني التأكيد على رفض استخدام الأراضي والأجواء العراقية منصة للاعتداء على دول الجوار، وهو ما يضع البيان السياسي في إطار سياسة دولة، لا مجرد مناورة لغوية.
لماذا يكتسب موعد 30 سبتمبر كل هذه الأهمية؟
السبب المباشر هو أن 30 سبتمبر 2026 ليس تاريخاً عادياً في بغداد. فبحسب ما أعلنته الجهات العراقية الرسمية، وأكدته أيضاً وزارة الحرب الأمريكية في 15 يوليو 2026، فإن هذا اليوم يمثل نهاية مهمة التحالف الدولي لهزيمة داعش في العراق، وإنهاء مهمة عملية العزم الصلب المنطلقة من الأراضي العراقية. هنا تتغير المعادلة: إذا كانت الحكومة العراقية تطالب بسيادة كاملة، فعليها في المقابل أن تُظهر أنها قادرة على إدارة السلاح والقرار الأمني داخلياً دون ازدواجية.
ومن هذه الزاوية، يصبح الربط بين إنهاء وجود التحالف الدولي ولا سلاح خارج الدولة منطقياً للغاية. فخروج مظلة عسكرية خارجية، أو تقليصها بهذا الشكل، يفرض على بغداد أن تقدم تصوراً أكثر صلابة حول من يملك قرار الحرب والسلم داخل البلاد، ومن يحدد كيف تُستخدم الجغرافيا العراقية في لحظة إقليمية مشتعلة تمتد من سوريا إلى الخليج.
حكومة علي فالح الزيدي: خطاب السيادة أم بداية التنفيذ؟
رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي لم يكتفِ بالحديث المبدئي عن سيادة الدولة، بل قال بوضوح في أواخر يوليو 2026 إن حكومته أحرزت تقدماً في ملف حصر السلاح، وإنها ملتزمة بضمان احتكار الدولة للاستخدام الشرعي للقوة. كما أكد في مناسبة أخرى، يوم 28 مايو 2026، أن الحكومة ماضية في المشروع الذي يدعو إلى أن تكون الدولة الجهة الوحيدة المحتكرة للسلاح.
هذه الصياغة مهمة سياسياً، لأنها تنقل الملف من خانة “الهدف البعيد” إلى خانة “المسار الجاري”. كما أن الترحيب الإقليمي كان لافتاً؛ إذ صدر في 23 يوليو 2026 بيان خليجي-أردني يرحب بقرار رئيس الوزراء العراقي حصر السلاح بيد الدولة، بما يعكس أن المسألة لا تُقرأ عراقياً فقط، بل باعتبارها عاملاً مؤثراً في أمن المشرق والخليج.
في المقابل، يبقى السؤال الأهم: هل المقصود تفكيك البنية المسلحة خارج المؤسسة الرسمية بالكامل، أم إعادة تنظيمها ودمجها تدريجياً داخل هياكل الدولة؟ الإجابات حتى الآن تميل إلى الخيار الثاني، خصوصاً بعد بيانات متفرقة في يونيو 2026 تحدثت عن فك ارتباط بعض التشكيلات والمباشرة بإجراءات تتماشى مع توجه حصر السلاح بيد الدولة.
بين الشعار والواقع: ما العقبات الفعلية؟
1) تعقيد البنية السياسية
العراق لا يواجه فقط تحدياً أمنياً، بل تحدياً في إدارة التوافقات. كثير من القوى المنضوية داخل المشهد السياسي الشيعي، والسني، والكردي، تتفق نظرياً على الدولة القوية، لكنها تختلف عملياً حول السرعة والآلية والكلفة السياسية لأي تغيير يمس موازين القوة القائمة.
2) هواجس ما بعد داعش
رغم تراجع تهديد التنظيم مقارنة بسنوات الذروة، فإن حجة “الفراغ الأمني” ما زالت حاضرة في النقاش العراقي. ولذلك ستحتاج الحكومة إلى إقناع الداخل بأن حصر السلاح لن يخلق هشاشة أمنية، بل سيؤسس لهيكل أكثر انضباطاً ووضوحاً في القيادة والمسؤولية.
3) الضغط الإقليمي
حين تؤكد بغداد أنها لن تسمح باستخدام أراضيها للاعتداء على دول الجوار، فهي في الحقيقة تضع لنفسها سقفاً مرتفعاً. ذلك لأن العراق يقع في قلب تنافسات إقليمية حادة، وأي خلل في ضبط الفاعلين المسلحين قد يجره سريعاً إلى ردود فعل متبادلة لا تخدم مصالحه الاقتصادية ولا استقراره السياسي.
ماذا يعني ذلك لمصر والمنطقة؟
من منظور مصري، فإن استقرار العراق ليس خبراً بعيداً. بغداد تظل دولة مركزية في معادلة الأمن العربي، وأي نجاح في تثبيت مبدأ الدولة وحدها صاحبة السلاح ينعكس على ملفات الطاقة، وحركة التجارة، وربط المشرق العربي اقتصادياً، وتخفيف احتمالات الانزلاق إلى مواجهات أوسع. كما أن الرسالة العراقية بشأن عدم استخدام أراضيها للاعتداء على الجوار تتقاطع مع مصلحة عربية أوسع في تقليص مساحات الحروب بالوكالة.
لهذا يمكن قراءة البيان الأخير لا باعتباره تصريحاً عابراً، بل باعتباره محاولة لصياغة عقيدة سيادية عراقية جديدة: لا ارتهان لمحاور، لا قبول بسلاح موازٍ للدولة، ولا تحويل البلاد إلى ساحة رسائل بالنار. لكن نجاح هذه العقيدة سيتوقف على قدرة الحكومة على تحويل الإجماع السياسي النسبي إلى قرارات تنفيذية قابلة للقياس.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد البيان
الخبر الأهم هنا ليس أن القوى الحاكمة قالت إنها تريد حصر السلاح بيد الدولة؛ فهذه العبارة قيلت مراراً في العراق عبر سنوات. الجديد أن الموعد الزمني بات ضاغطاً، وأن 30 سبتمبر 2026 يفرض على بغداد استحقاقاً عملياً لا يحتمل كثيراً من التأجيل. ومع انتهاء مهمة التحالف الدولي، ستصبح الدولة العراقية مطالبة بإثبات أن سيادتها ليست مجرد لغة دبلوماسية، بل قدرة فعلية على ضبط الجغرافيا والقرار والسلاح.
لذلك، يمكن القول إن العراق يقف أمام اختبار دولة أكثر منه مجرد اختبار حكومة. فإذا نجحت بغداد في ترجمة هذا المسار إلى مؤسسات وقرارات نافذة، فسيكون ذلك تحولاً مهماً في تاريخها السياسي الحديث. أما إذا بقيت المسألة عند حدود البيانات، فإن ما بعد 30 سبتمبر قد يفتح باباً جديداً للأسئلة القديمة نفسها: من يحكم؟ ومن يملك القوة؟ ومن يقرر متى يبقى العراق خارج الصراعات، ومتى يُدفع إليها؟
- الخلاصة: الموقف العراقي الراهن يربط بوضوح بين السيادة الوطنية، وإنهاء مهمة التحالف الدولي، ومنع أي سلاح خارج الدولة.
- الموعد الحاسم: 30 سبتمبر 2026 يمثل محطة فاصلة لاختبار صدقية هذا التوجه.
- الدلالة الإقليمية: نجاح بغداد في هذا المسار سيمنح المنطقة إشارة تهدئة، بينما تعثره قد يبقي العراق ساحة مفتوحة لتجاذبات أوسع.