Akhbar Cairo

العراق بين ضغوط واشنطن وتشابك الجغرافيا مع إيران

تعليق الرحلات الإيرانية: قرار عراقي صغير في الظاهر.. ثقيل سياسياً

يتعامل العراق مع ملف الطيران الإيراني هذه الأيام بوصفه اختباراً سياسياً أكثر منه مجرد ترتيب تشغيلي في المطارات. فبحسب ما نقلته تقارير منشورة يوم الاثنين 21 سبتمبر/أيلول 2026 عن مصدرين حكوميين عراقيين، تتجه بغداد إلى تعليق تشغيل شركات الطيران الإيرانية الخاضعة للعقوبات الأمريكية، في استجابة مباشرة للتشدد الذي أعلنته واشنطن تجاه ما تبقى من قطاع الطيران المدني الإيراني. وفي بلد مثل العراق، حيث تختلط الجغرافيا بالمصالح الأمنية والاقتصادية والدينية، فإن أي خطوة من هذا النوع تصبح رسالة إلى أكثر من جهة في وقت واحد.

جوهر القصة بدأ من واشنطن لا من بغداد. ففي 8 سبتمبر/أيلول 2026 أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، بقيادة الوزير سكوت بيسنت، حزمة واسعة استهدفت ما وصفته ببقايا قطاع الطيران الإيراني، وشملت أكثر من عشرين شركة طيران تجارية وخاصة، مع تحديثات على أنظمة التراخيص وفترات السماح الخاصة بالمعاملات المرتبطة بالطيران المدني الإيراني. كما علّقت الوزارة ترخيصاً كان يتيح بصورة محددة بعض ترتيبات إعادة تصدير الطائرات المدنية إلى إيران على أساس مؤقت، وأصدرت ترخيصاً انتقالياً لتصفية بعض المعاملات السابقة خلال فترة محدودة.

ما الذي أعلنته واشنطن بالضبط؟

البيانات الرسمية الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية أوضحت أن الإجراءات الجديدة استهدفت عدداً من شركات الطيران الإيرانية، من بينها Iran Airtour وIran Aseman Airlines وKish Airlines وKarun Airlines وJSKY Airlines وToos Parsian Kish Airlines. التصنيف الأمريكي أدرج هذه الكيانات تحت أطر عقابية مرتبطة بإيران، مع الإشارة إلى تعرضها لعقوبات ثانوية، وهو ما يعني عملياً أن أي طرف أجنبي يتعامل معها قد يجد نفسه عرضة للمساءلة أو الحرمان من الوصول إلى النظام المالي الأمريكي.

هذا التفصيل مهم جداً لفهم الموقف العراقي. فالعراق لا يواجه فقط سؤالاً عن استمرار الرحلات من عدمه، بل يواجه معضلة أوسع: هل يستطيع تحمّل كلفة تجاهل العقوبات الأمريكية في قطاع حساس يعتمد بطبيعته على المدفوعات الدولية، وخدمات التأمين، والصيانة، وحقوق الهبوط، والتعاملات الدولارية؟

لماذا يبدو العراق أكثر حساسية من غيره؟

العراق هو أحد أكثر جيران إيران ارتباطاً بها من حيث الحركة البشرية اليومية. الرحلات الجوية بين البلدين لا تخدم فقط رجال الأعمال أو المسافرين العاديين، بل ترتبط كذلك بمسارات الزيارات الدينية إلى النجف وكربلاء، وبشبكات تجارية وسياحية واسعة، فضلاً عن الروابط السياسية المعروفة بين بغداد وطهران. لذلك فإن أي قرار بوقف أو تعليق تشغيل شركات إيرانية معينة ستكون له تداعيات أبعد من جدول الرحلات.

لكن بغداد في المقابل تعرف أن ملف العقوبات الأمريكية ليس رمزياً. التجارب السابقة أظهرت أن واشنطن تستخدم أدواتها المالية والتنظيمية بصرامة متزايدة في ما يتعلق بإيران وشبكاتها اللوجستية والإقليمية. وفي أغسطس/آب 2026 مثلاً، جرى بالفعل رفع عقوبات عن بعض الكيانات العراقية المرتبطة بقطاع الطيران بعد مراجعات أمريكية، وهو ما بعث برسالة مزدوجة: يمكن الخروج من دائرة العقوبات، لكن يمكن أيضاً العودة إليها سريعاً إذا رأت واشنطن أن هناك التفافاً على القيود.

بين التسريب والنفي: هل صدر القرار فعلاً؟

المشهد لم يكن مستقراً بالكامل حتى مساء الاثنين. فبينما تحدثت تقارير نقلت عن مصادر حكومية عراقية عن بدء تنفيذ الحظر اعتباراً من فجر الثلاثاء 22 سبتمبر/أيلول 2026، خرجت تصريحات من إدارة المطارات العراقية تنفي صدور قرار شامل بوقف الرحلات الجوية بين العراق وإيران حتى تلك اللحظة. هذا التباين لا يعني بالضرورة تناقضاً كاملاً؛ فقد يكون الحديث يدور حول شركات إيرانية خاضعة للعقوبات تحديداً، لا عن كل حركة الطيران بين البلدين. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين قرار سياسي انتقائي وقطع شامل للملاحة الجوية.

ومن الناحية العملية، هذا السيناريو هو الأكثر منطقية. فالعراق يستطيع نظرياً أن يلتزم بالعقوبات الأمريكية على الشركات المدرجة بالاسم، من دون الذهاب إلى إغلاق كامل لمسار جوي حيوي مع إيران. مثل هذا المسار يمنح بغداد مساحة مناورة: امتثال كافٍ لتفادي غضب واشنطن، وتجنبٌ لصدمة سياسية واقتصادية واسعة مع طهران.

قراءة مصرية: لماذا يهم هذا التطور القارئ في مصر؟

من منظور مصري، لا تبدو القضية بعيدة. فاضطراب حركة الطيران في المشرق ينعكس غالباً على خريطة النقل الجوي الإقليمي، وأسعار التأمين على الرحلات، وكلفة التشغيل في أجواء الشرق الأوسط، خصوصاً في أوقات التوتر السياسي. كما أن أي تصعيد إضافي في ملف العقوبات على إيران يؤثر بصورة غير مباشرة في أسواق الطاقة، والتجارة العابرة، وسلاسل الإمداد، وهي ملفات تهم القاهرة كما تهم أي عاصمة عربية تراقب توازنات الإقليم بحذر.

كذلك، يلفت هذا التطور الانتباه إلى نقطة شديدة الأهمية: الطيران المدني لم يعد قطاعاً منفصلاً عن الجيوبوليتيكا. شركة الطيران اليوم قد تتحول من ناقل ركاب إلى عنوان لصراع أوسع يشمل العقوبات، والتمويل، والرقابة على التكنولوجيا، وحتى النفوذ الإقليمي. ولهذا فإن قراراً يبدو فنياً في مطار بغداد قد يكون في حقيقته جزءاً من إعادة رسم حدود الحركة المسموح بها لطهران في المنطقة.

هل يملك العراق هامش الرفض؟

نظرياً نعم، لكن عملياً الهامش ضيق. فالعراق يعتمد على انفتاحه المالي وعلى علاقاته مع الولايات المتحدة ومؤسساتها بدرجة تجعل كلفة التمرد في الملفات الحساسة مرتفعة. وإذا كانت العقوبات الأمريكية الجديدة قد وُصفت في تغطيات دولية بأنها محاولة لـ«إغلاق» شركات الطيران الإيرانية حول العالم، فإن بغداد ستكون من أوائل العواصم التي تتعرض للاختبار بسبب قربها الجغرافي وكثافة تعاملها مع إيران.

في المقابل، لا يستطيع العراق أيضاً أن يتصرف كما لو أن العلاقات مع إيران هامشية. فهذه العلاقة تمس التجارة والحدود والطاقة وحركة الزائرين، فضلاً عن التوازنات الداخلية نفسها. ولهذا يبدو أن بغداد تميل إلى حلول وسطية: تنفيذ انتقائي، صياغات حذرة، وحرص على ألا يتحول الامتثال للعقوبات إلى صدام سياسي علني مع طهران.

السيناريوهات الأقرب في الأيام المقبلة

  • السيناريو الأول: تعليق تشغيل الشركات الإيرانية المدرجة أمريكياً فقط، مع استمرار الرحلات غير المشمولة بالعقوبات إن وُجدت آلية قانونية وتشغيلية لذلك.
  • السيناريو الثاني: تأجيل التنفيذ العملي أياماً إضافية لحين استكمال الإخطارات الرسمية بين سلطات الطيران في البلدين.
  • السيناريو الثالث: توسيع القيود لاحقاً إذا مارست واشنطن ضغوطاً إضافية، خصوصاً في ملفات التأمين والخدمات الأرضية والتحويلات المالية.

الخلاصة: بغداد لا تختار بين الطائرات فقط.. بل بين محورين

في المدى القصير، قد يبدو القرار العراقي المرتقب متعلقاً بإقلاع وهبوط بعض الرحلات. لكن في المدى السياسي الأوسع، هو انعكاس مباشر لمعادلة عراقية معقدة: كيف تحافظ بغداد على قنواتها المفتوحة مع إيران من دون أن تدفع ثمن تحدي الولايات المتحدة؟ حتى الآن، المؤشرات تقول إن العراق يفضّل الامتثال البراغماتي على المواجهة المفتوحة، مع محاولة تقليل الخسائر على جانبيه الشرقي والغربي.

وهذا تحديداً ما يجعل القصة أكبر من خبر عاجل عن الطيران. إنها نافذة على شكل الإقليم نفسه: عقوبات أمريكية تتمدد، وإيران تحاول الحفاظ على مجالها الحيوي، وعراق يجد نفسه مرة جديدة في قلب منطقة لا تسمح فيها الجغرافيا بالحياد الكامل.