Akhbar Cairo

العراق يجدد التزامه بمنع أي تهديد ينطلق من أراضيه

بغداد تشدد على تحييد أراضيها عن صراعات المنطقة

جددت الحكومة العراقية تأكيدها أنها لن تسمح بأن تتحول أراضي البلاد أو أجواؤها إلى نقطة انطلاق لأي تهديد يطال دول الجوار، في رسالة سياسية وأمنية تعكس حساسية اللحظة الإقليمية التي يمر بها المشرق العربي والخليج. ويأتي هذا الموقف في ظل تصاعد التوترات الأمنية في المنطقة، وما يرافقها من مخاوف من انتقال المواجهات أو توسيع نطاقها عبر الحدود، وهو ما يضع العراق أمام اختبار صعب بين حماية سيادته ومنع الانزلاق إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.

وبحسب ما أوردته وكالة الأنباء العراقية الرسمية، شددت قيادة العمليات المشتركة، قبل نحو أسبوعين، على أن العراق «لن يكون منطلقاً لاستهداف أي دولة من دول الجوار وغيرها»، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة احترام سيادة العراق وأمنه واستقراره. وجاء ذلك خلال اجتماع أمني عُقد بتوجيه من القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، وبمشاركة كبار القادة العسكريين والأمنيين.

موقف يتكرر في أكثر من مناسبة رسمية

اللافت أن هذا التوجه لم يأتِ باعتباره تصريحاً عابراً، بل ظهر خلال الأشهر الماضية كجزء ثابت من الخطاب الرسمي العراقي. ففي مايو 2026، أكد مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي أن بغداد ترفض استخدام أراضيها منطلقاً لأي أعمال عدائية أو عمليات عسكرية تستهدف الدول المجاورة، وذلك خلال اجتماع اللجنة الأمنية العراقية الإيرانية العليا في بغداد، حيث جرى بحث تشديد التنسيق الأمني وضبط الحدود ومنع تحركات الجماعات التي قد تهدد استقرار المنطقة.

كما تبنى المجلس الوزاري للأمن الوطني في اجتماعه الدوري الثالث لعام 2026 إجراءات أمنية وعسكرية وقانونية لمنع أي اعتداءات على الدول المجاورة انطلاقاً من الأراضي العراقية، وكذلك حماية البعثات الدبلوماسية وملاحقة أي طرف يتحرك خارج إطار الدولة. هذا المسار يعكس أن بغداد تحاول ترجمة مواقفها السياسية إلى آليات عمل ميدانية، لا سيما في الملفات المرتبطة بالسلاح المنفلت والحدود والضربات العابرة للحدود.

خلفية إقليمية معقدة وضغوط متزايدة

أهمية هذا التشديد العراقي تتضح أكثر عند النظر إلى البيئة المحيطة. فالعراق يقع في قلب شبكة معقدة من التوازنات بين إيران والولايات المتحدة ودول الخليج وتركيا، كما أن أراضيه شهدت خلال السنوات الماضية نشاطاً لفصائل مسلحة وتوترات مرتبطة بالحدود والمجال الجوي. وفي تقرير حديث لوكالة أسوشيتد برس بتاريخ 29 يوليو 2026، أشير إلى أن بغداد تحاول تفادي التحول إلى ساحة مواجهة مباشرة بين القوى المتنافسة، في وقت تتعرض فيه لضغوط متزامنة من التصعيد العسكري في المنطقة ومن الاتهامات المتبادلة حول مصادر الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ.

هذا السياق يفسر لماذا تحرص الحكومة العراقية على تكرار عبارة مفادها أن العراق ليس ممراً ولا منصة لأي هجوم ضد دول «شقيقة أو صديقة». وفي 19 مايو 2026، قال المتحدث باسم الحكومة باسم العوادي إن بغداد ترفض استخدام أراضيها أو مجالها الجوي أو مياهها الإقليمية لشن هجمات على الدول المجاورة، مؤكداً أن القوات الأمنية اتخذت الإجراءات اللازمة لإحباط أي محاولة من هذا النوع. وقد صدر هذا الموقف على خلفية هجمات بطائرات مسيرة استهدفت المملكة العربية السعودية، في وقت كانت فيه السلطات العراقية تعلن استعدادها للتعاون في التحقق من أي معلومات متصلة بمصدر تلك الهجمات.

انعكاسات مباشرة على العلاقات مع الخليج

بالنسبة للمتابع المصري، فإن هذا الملف لا يخص العراق وحده، بل يمس أمن الإقليم العربي الأوسع، خصوصاً أن استقرار الممرات النفطية وحركة التجارة والطاقة في الخليج ينعكس على اقتصادات المنطقة كلها. ومن هنا، اكتسبت الرسائل العراقية الموجهة إلى دول الجوار وزناً إضافياً، خاصة بعد الترحيب السعودي في 14 يوليو 2026 بنتائج الاجتماع الذي عُقد في الرياض مع الجانب العراقي، والذي تضمن إعادة تأكيد بغداد التزامها بعدم السماح باستخدام أراضيها وأجوائها منطلقاً لأي أعمال أو هجمات تستهدف المملكة أو دول مجلس التعاون أو دول المنطقة.

هذا الترحيب الخليجي يكشف أن بغداد لا تتحرك فقط من زاوية أمنية داخلية، بل أيضاً من باب ترميم الثقة الإقليمية وتثبيت صورة العراق باعتباره دولة حريصة على حسن الجوار، لا ساحة مفتوحة أمام الفاعلين المسلحين من خارج مؤسساتها الرسمية. وفي الحالة العراقية، تبدو هذه الرسالة ضرورية للحفاظ على الانفتاح الاقتصادي والسياسي مع العمق العربي، في وقت يسعى فيه البلد إلى جذب الاستثمارات وتثبيت الاستقرار بعد سنوات طويلة من الحروب والاضطرابات.

بين السيادة ومنع الانفلات الأمني

التحدي الحقيقي أمام حكومة علي فالح الزيدي لا يقتصر على إصدار البيانات، بل يتمثل في القدرة على فرض هذا التعهد عملياً على كامل الجغرافيا العراقية. فالمشهد الأمني في العراق ما زال متشابكاً، مع وجود قوى مسلحة متعددة الولاءات، وحدود طويلة، ومساحات صحراوية وجبلية معقدة، إضافة إلى تأثير الصراع الأميركي الإيراني على الداخل العراقي. وفي هذا الإطار، تحدثت تقارير دولية خلال الأيام الأخيرة عن اتهامات بهجمات انطلقت من داخل العراق أو عبر مجاله الجوي، بالتوازي مع تعهد حكومي بملاحقة المسؤولين ومنع تكرار مثل هذه الحوادث.

ومن منظور أوسع، فإن تمسك بغداد بهذا الخطاب يحمل بعدين متلازمين: الأول هو حماية الأمن الوطني العراقي نفسه من ردود فعل عسكرية أو ضغوط خارجية قد تنتج عن أي هجمات تنطلق من أراضيه، والثاني هو الحفاظ على شبكة علاقاته العربية والإقليمية في لحظة شديدة الهشاشة. ولذلك، فإن التأكيد على عدم استخدام العراق منصة تهديد، لم يعد مجرد موقف دبلوماسي، بل صار جزءاً من معادلة بقاء الاستقرار الداخلي.

لماذا يهم هذا التطور القارئ في مصر؟

بالنسبة للقارئ المصري، فإن استقرار العراق يمثل ركناً مهماً في توازن المشرق العربي. فكلما نجحت بغداد في تحصين حدودها ومؤسساتها ومنع توظيف أراضيها في نزاعات الآخرين، زادت فرص خفض التوتر في الإقليم بأكمله، بما في ذلك حماية خطوط الطاقة والتجارة التي تهم الدول العربية ومن بينها مصر. كما أن أي انزلاق جديد في العراق قد ينعكس سريعاً على ملفات الأمن العربي، وأسعار الطاقة، وحسابات التهدئة الإقليمية التي تراهن عليها عواصم المنطقة.

الرسالة العراقية الأخيرة تبدو واضحة: بغداد تريد تثبيت مبدأ أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى بيد الدولة وحدها، وأن الجوار العربي والإقليمي لا ينبغي أن يدفع ثمن صراعات تُدار خارج الأطر الرسمية. لكن نجاح هذه الرسالة سيظل مرهوناً بمدى قدرة المؤسسات العراقية على تحويل التعهدات السياسية إلى واقع أمني مستدام على الأرض.

  • الرسالة الأساسية: العراق يرفض استخدام أراضيه أو أجوائه أو مياهه الإقليمية في أي اعتداء على دول الجوار.
  • الجهات المعنية: رئاسة الوزراء العراقية، قيادة العمليات المشتركة، المجلس الوزاري للأمن الوطني، ودول الجوار العربي والخليجي.
  • الأهمية الإقليمية: الموقف يرتبط مباشرة بأمن الخليج، وخفض التصعيد، ومنع تمدد الصراعات عبر الحدود.
  • التحدي الأبرز: تنفيذ التعهدات ميدانياً ومواجهة أي طرف مسلح يعمل خارج سلطة الدولة.