العراق يسرّع حصر السلاح بيد الدولة وسط تبدل حسابات إيران
تحول لافت في ملف السلاح داخل العراق
يدخل العراق مرحلة شديدة الحساسية في إدارة الملف الأمني، مع تصاعد الحديث الرسمي عن حصر السلاح بيد الدولة بوصفه خيارًا سياديًا لا مجرد شعار سياسي. وخلال الأسابيع الأخيرة، كررت بغداد هذا التوجه على لسان رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي ومؤسسات الدولة الأمنية، في وقت تتبدل فيه حسابات القوى الإقليمية المحيطة بالملف، وعلى رأسها إيران، التي ارتبط نفوذها لسنوات بشبكات الفصائل المسلحة داخل الساحة العراقية.
الزاوية الأهم هنا، بالنسبة للقارئ المصري المتابع لشؤون الإقليم الأفريقي والشرق الأوسط، أن ما يجري في العراق لا يخص توازناته الداخلية فقط، بل يمس أيضًا أمن الممرات الإقليمية، واستقرار الدول العربية، وحدود تأثير الفواعل غير الرسمية في جوار البحر الأحمر وشرق المتوسط. فكلما تعزز منطق الدولة الوطنية في بغداد، انخفضت احتمالات انتقال التوتر إلى ساحات أخرى في المنطقة.
ما الذي تغيّر في موقف طهران؟
المعطى الأساسي الذي يتردد في القراءة السياسية لهذا التطور هو تراجع المبرر التقليدي الذي استندت إليه بعض الفصائل للاحتفاظ بسلاحها خارج المؤسسات الرسمية، وهو وجود القوات الأمريكية والتحالف الدولي. ومع إعلان بغداد أن مهمة التحالف الدولي داخل العراق تتجه إلى نهايتها خلال سبتمبر 2026، أصبحت الحجة التي رُفعت لسنوات أقل حضورًا في النقاش العام والسياسي.
وكالة الأنباء العراقية الرسمية نقلت في أكثر من مناسبة تمسك الحكومة بهذا المسار، فيما أكد الزيدي في 12 يوليو 2026 أن حكومته أحرزت تقدمًا في ملف حصر السلاح، وسبق ذلك تأكيد رسمي في 28 مايو 2026 بأن الحكومة ماضية في المشروع نفسه. كما شدد مجلس الأمن الوطني الوزاري في 27 أبريل 2026 على قصر حيازة السلاح على الدولة واتخاذ إجراءات حازمة بحق الجهات الخارجة عن القانون. وفي 15 يوليو 2026، تحدثت وزارة الدفاع الأمريكية عبر ما نقلته وكالة الأنباء العراقية عن انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق بنهاية سبتمبر المقبل.
في هذا السياق، تبدو إيران أقرب إلى التعامل ببراغماتية مع الواقع الجديد. فبعد سنوات من التعقيد، فإن بيئة ما بعد تقليص الوجود العسكري الأجنبي في العراق تفرض إعادة ترتيب الأولويات: الحفاظ على النفوذ السياسي والاقتصادي داخل بغداد، بدل الإصرار على معادلة السلاح الموازي للدولة التي أصبحت أعلى كلفة وأكثر إثارة للاعتراض الداخلي والإقليمي.
بغداد: القرار عراقي أولًا
الرسالة التي تسعى الحكومة العراقية إلى تثبيتها هي أن القرار الأمني يصدر من مؤسسات الدولة، لا من مراكز نفوذ موازية. هذا المعنى ظهر بوضوح في سلسلة تصريحات وبيانات رسمية خلال 2026، سواء من مكتب رئيس الوزراء أو من الناطقين باسم المنظومة الأمنية.
وفي 16 مايو 2026، تسلم علي فالح الزيدي مهامه رسميًا رئيسًا للحكومة وقائدًا عامًا للقوات المسلحة في بغداد، وفق ما أعلنته وكالة الأنباء العراقية. ومنذ ذلك الحين، وُضع ملف السلاح ضمن أولويات ولايته السياسية والأمنية. كما أكدت الوكالة نفسها في 14 يوليو 2026 أن العراق يعمل على تأسيس آلية تعاون أمني جديدة لمرحلة ما بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي، بما يعني أن بغداد تحاول سد أي فراغ محتمل قد يُستخدم ذريعة للإبقاء على السلاح خارج المؤسسات الرسمية.
ولم يقتصر الأمر على الحكومة؛ إذ أعلن الإطار التنسيقي في 14 يونيو 2026 أن احتكار الدولة للسلاح يمثل ركيزة أساسية لحماية الوطن وصون منجزاته. هذه النقطة مهمة، لأن نجاح المشروع لا يعتمد فقط على القرار التنفيذي، بل أيضًا على قبول سياسي داخل الكتل الشيعية المؤثرة التي تمتلك علاقات تاريخية مع فصائل مسلحة ومع طهران.
الجدول الزمني يضغط على الفصائل
كلما اقترب موعد خروج التحالف الدولي، ازداد الضغط على الفصائل العراقية لإعادة تعريف دورها. تقارير صحفية عربية ودولية تحدثت عن مهل زمنية مرتبطة بتسليم السلاح أو إعادة تنظيمه ضمن الأطر الرسمية، بينما ركز الخطاب الحكومي على أن لا سلاح خارج الدولة بعد استكمال المرحلة الانتقالية.
وبالنسبة لمصر والدول العربية، فإن هذا المسار يحمل دلالتين أساسيتين:
- الأولى: تقليص فرص استخدام الأراضي العراقية كساحة تصفية حسابات إقليمية.
- الثانية: دعم نموذج الدولة الوطنية العربية القادرة على احتكار أدوات القوة الشرعية.
وهو ما يفسر الترحيب الإقليمي الذي برز أخيرًا؛ إذ نقلت وكالة الأنباء العراقية في 23 يوليو 2026 بيانًا مشتركًا لدول مجلس التعاون الخليجي والأردن يرحب بقرار رئيس الوزراء العراقي حصر السلاح بيد الدولة ويدعم إجراءات حكومته.
هل يعني ذلك نهاية سريعة للأزمة؟
رغم الزخم الرسمي، لا يبدو الملف سهل الحسم. فالتجربة العراقية تقول إن نزع السلاح أو دمجه في المؤسسات النظامية لا يتعلق فقط بالقرارات الإدارية، بل أيضًا بتشابكات اجتماعية وسياسية وعقائدية واقتصادية. بعض الفصائل بات جزءًا من بنى نفوذ محلية، وله حضور في مناطق ومؤسسات ومسارات تمويل، ما يجعل أي انتقال نحو الاحتكار الكامل للسلاح بيد الدولة عملية تدريجية ومعقدة.
كذلك، فإن نجاح بغداد في هذا المسار يتطلب عنصرين متلازمين: تعزيز قدرات القوات النظامية من جهة، وتوفير غطاء سياسي إقليمي من جهة أخرى. وإذا كانت إيران قد باتت أقل تمسكًا بمبررات السلاح غير الرسمي بعد تبدل الظروف، فهذا لا يعني بالضرورة اختفاء نفوذها، بل ربما انتقاله إلى أدوات أقل صدامًا وأكثر ارتباطًا بالسياسة والاقتصاد.
لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟
من منظور مصري، يتجاوز خبر العراق حدوده الجغرافية. فاستقرار المشرق العربي ينعكس على مجمل الإقليم، خصوصًا في ملفات الطاقة، وحركة التجارة، ومكافحة التنظيمات العنيفة، ومستقبل الدولة الوطنية في المنطقة. وكل خطوة تقلص ازدواجية السلاح وتعيد القرار العسكري إلى المؤسسات الرسمية، تعني قدرًا أكبر من القابلية للاستقرار، وهو أمر شديد الأهمية لدول المنطقة التي تدفع منذ سنوات كلفة الانقسامات المسلحة وتداخل الأدوار الإقليمية.
لهذا يمكن قراءة التطور الراهن على أنه بداية مسار جديد، لا نهايته: بغداد تسعى إلى تثبيت سيادتها، والفصائل تواجه اختبار إعادة التموضع، وإيران تبدو مضطرة إلى التكيف مع واقع لم يعد يوفر المبررات القديمة نفسها. وبين هذه العوامل كلها، يبقى السؤال الحاسم: هل ينجح العراق في ترجمة الشعار إلى سياسة مكتملة، بحيث يصبح السلاح حقًا احتكارًا حصريًا للدولة؟
الإجابة لم تُحسم بعد، لكن المؤكد أن صيف 2026 وضع هذا الملف في قلب التحولات الإقليمية، وأن ما كان يُطرح قبل سنوات كهدف بعيد، صار اليوم بندًا عمليًا على جدول السياسة والأمن في بغداد.