العراق يطلب استثناء مطاراته من قيود أمريكية على الرحلات الإيرانية
العراق يتحرك دبلوماسياً لتخفيف أثر القيود الأمريكية على الرحلات الإيرانية
دخلت الحكومة العراقية في حوار مباشر مع الولايات المتحدة بهدف استثناء بعض المطارات العراقية من القيود المرتبطة بإجراءات وزارة الخزانة الأمريكية ضد قطاع الطيران الإيراني، في خطوة تعكس حساسية موقع العراق الجغرافي وتشابك مصالحه مع حركة النقل الإقليمي. وبحسب ما أوردته وسائل إعلام عراقية نقلاً عن بيان صادر عن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، فإن بغداد طلبت هذا الاستثناء للسماح باستئناف بعض الرحلات لأسباب إنسانية ومدنية، تشمل العلاج والدراسة والزيارات الدينية ومصالح المسافرين.
التحرك العراقي يأتي بعد موجة عقوبات أمريكية جديدة أُعلنت في 8 سبتمبر 2026، حين قالت وزارة الخزانة الأمريكية إن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) اتخذ إجراءات واسعة ضد شبكات وشركات مرتبطة بقطاع الطيران الإيراني، مع تعليق بعض التراخيص العامة الخاصة بالطيران المدني والرحلات المرتبطة بإيران.
ماذا حدث بالضبط في واشنطن؟
وفقاً لبيانات وزارة الخزانة الأمريكية، شملت الإجراءات الأخيرة تصنيف عشرات الكيانات والأفراد ضمن حزمة مرتبطة بالعقوبات على إيران، كما أعلنت واشنطن تعليق الترخيص المعروف باسم Iran General License J-1 اعتباراً من 8 سبتمبر 2026، إلى جانب إصدار ترخيص آخر خاص بفترة تصفية بعض المعاملات المتعلقة بالطيران المدني. كما أوضحت الوزارة أن الحملة استهدفت ما تبقى من شركات الطيران الإيرانية النشطة، في إطار ما وصفته بتشديد الضغط الاقتصادي على طهران.
وفي البيان الأمريكي، ذكرت الخزانة أن الإجراءات طالت 27 شركة طيران إيرانية، من بينها Iran Air Tour وQeshm Air وKish Airlines وZagros Airlines وIran Aseman Airlines، مع تحذير واضح من أن أي جهة أجنبية تساعد هذه الشركات قد تتعرض لعقوبات أو لعزل عن النظام المالي الأمريكي.
لماذا يهم ذلك العراق؟
بالنسبة للعراق، لا يتعلق الملف فقط بعلاقات سياسية مع واشنطن أو طهران، بل أيضاً بحركة سفر يومية ومصالح اقتصادية ودينية متشابكة. فالعراق يستقبل سنوياً أعداداً كبيرة من الزائرين الإيرانيين، خصوصاً إلى المدن المقدسة مثل كربلاء والنجف، كما يعتمد جزء من حركة النقل الجوي الإقليمي على الارتباط بين المطارات العراقية والإيرانية. ولهذا شددت بغداد، في طلبها إلى واشنطن، على البعد الإنساني والمدني لهذه الرحلات، لا سيما ما يتصل بالعلاج والتعليم والزيارات الدينية.
ومن زاوية مصرية تهم القارئ العربي، فإن أي اضطراب في حركة الطيران بين العراق وإيران لا يبقى محصوراً داخل البلدين، بل قد ينعكس على مسارات السفر في المشرق العربي، وعلى حركة الزائرين والشركات والخدمات اللوجستية في المنطقة. كما أن استقرار المطارات العراقية يظل عنصراً مهماً في أمن النقل الجوي شرق المتوسط والخليج، وهو ما يجعل التطور محل متابعة أوسع من مجرد كونه ملفاً عراقياً داخلياً.
خلفية أوسع: توتر إقليمي سبق هذه الخطوة
القضية تأتي أيضاً في سياق أمني وإقليمي مضطرب. ففي 28 فبراير 2026 أعلنت وزارة النقل العراقية إغلاق المجال الجوي العراقي عقب ضربة جوية استهدفت طهران ومدناً إيرانية أخرى، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء العراقية عن المتحدث باسم الوزارة ميثم الصافي. ويُظهر ذلك أن قطاع الطيران العراقي كان بالفعل تحت ضغط التطورات العسكرية في المنطقة قبل العقوبات الأمريكية الأخيرة.
وفي الأشهر التالية، سعت بغداد إلى استعادة انتظام الحركة الجوية. وكانت الخطوط الجوية العراقية قد أعلنت في أبريل 2026 جاهزية 27 طائرة في الأسطول لتنفيذ الرحلات، مع تشغيل وجهات من بينها القاهرة ودبي وإسطنبول وعمّان، في إشارة إلى أن الحكومة كانت تحاول إعادة بناء انتظام الشبكة الجوية بعد فترات اضطراب سابقة.
كيف تصوغ بغداد مطلبها؟
اللغة العراقية حتى الآن تبدو حذرة. فبدلاً من تبني خطاب تصعيدي، اختارت بغداد التفاوض المباشر، مع التأكيد أن استمرار الأزمات يزيد المشهد الإقليمي تعقيداً، وأن الحل يمر عبر الحوار والتفاهم. هذه الصياغة تعكس رغبة عراقية في تجنب التحول إلى ساحة صدام إضافية بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصاً أن العراق يرتبط بعلاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع الطرفين في آن واحد.
ومن الناحية العملية، يرجح أن يتركز الطلب العراقي على استثناء مطارات محددة أو أنواع معينة من الرحلات ذات الطبيعة الإنسانية والمدنية. لكن حتى الآن، لم تعلن وزارة الخزانة الأمريكية موافقة رسمية على استثناء المطارات العراقية، كما لم تُنشر تفاصيل نهائية عن أسماء المطارات المشمولة بالطلب العراقي، وهو ما يعني أن الملف ما زال في طور التفاوض.
ما السيناريوهات المحتملة؟
- استثناء محدود: قد توافق واشنطن على ترتيبات ضيقة تخص رحلات إنسانية أو موسمية محددة.
- إبقاء القيود كما هي: وهو ما قد يفرض على العراق البحث عن بدائل تشغيلية وتنظيمية داخل قطاع الطيران.
- صيغة فنية مؤقتة: عبر آلية مراجعة حالة بحالة، خصوصاً أن وزارة الخزانة الأمريكية قالت إنها ستنظر في طلبات تتعلق بسلامة الطيران على أساس منفصل.
ماذا يعني ذلك للمنطقة؟
في المشهد الأوسع، تعكس هذه الأزمة كيف أصبحت المطارات وخطوط الطيران جزءاً مباشراً من أدوات الضغط السياسي والمالي في الإقليم. فالعقوبات لم تعد تقتصر على النفط أو البنوك، بل امتدت بقوة إلى الخدمات الجوية، بما يحمله ذلك من تأثير مباشر على المسافرين المدنيين، وحركة الزيارات الدينية، والتبادل التجاري، وربط المدن الإقليمية ببعضها.
وبالنسبة للعراق، يبقى التحدي الأساسي هو الموازنة بين احترامه للالتزامات الدولية من جهة، والحفاظ على مصالحه الداخلية والإقليمية من جهة أخرى. وإذا نجحت بغداد في انتزاع استثناءات عملية، فسيُنظر إلى ذلك بوصفه اختباراً لقدرتها على التفاوض وسط مناخ إقليمي شديد التعقيد. أما إذا تعثرت المباحثات، فقد تواجه المطارات العراقية مزيداً من الضغوط التشغيلية في ملف حساس يمس الاقتصاد والتنقل والبعد الديني معاً.
الخلاصة: ما يجري ليس مجرد خلاف فني حول رحلات جوية، بل فصل جديد من التوازنات الصعبة التي يحاول العراق إدارتها بين واشنطن وطهران. وفي لحظة تتشابك فيها العقوبات مع الجغرافيا والسياسة والدين، تبدو المطارات العراقية في قلب اختبار دبلوماسي ستكون نتائجه مؤثرة على حركة المنطقة بأسرها.