Akhbar Cairo

العلاقات المصرية السعودية.. تاريخ ممتد وشراكة تتجدد

العلاقات المصرية السعودية.. مسار تاريخي تحكمه الجغرافيا والمصالح المشتركة

تعكس التصريحات المنسوبة إلى السفير المصري السابق في الرياض أحمد فاروق قراءة راسخة لطبيعة العلاقة بين مصر والسعودية، بوصفها علاقة لا تقوم فقط على الاتصالات الدبلوماسية التقليدية، بل على تراكم تاريخي ممتد ومصالح استراتيجية متشابكة فرضتها الجغرافيا وأكدتها تحولات الإقليم على مدار عقود. فالعلاقة بين القاهرة والرياض ظلت، في محطات كثيرة، أحد الأعمدة الأساسية للتوازن العربي، سواء في ملفات الأمن الإقليمي أو دعم الاستقرار أو تنسيق المواقف تجاه الأزمات الكبرى.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذه العلاقة لا تتوقف عند بعدها السياسي، بل تمتد إلى الاقتصاد، وفرص الاستثمار، وحركة العمالة، والتعاون التعليمي والتنموي، إضافة إلى الملفات الإقليمية التي تمس الأمن القومي المصري بشكل مباشر، من البحر الأحمر إلى غزة والسودان واليمن. وخلال السنوات الأخيرة، أعادت اللقاءات الرسمية والبيانات المشتركة التأكيد على أن البلدين ينظران إلى علاقتهما باعتبارها شراكة استراتيجية طويلة المدى وليست مجرد تنسيق مرحلي.

من معاهدة 1926 إلى ترسيخ العلاقات الحديثة

تعود إحدى المحطات المؤسسة في العلاقات المصرية السعودية إلى عام 1926، حين وُقعت معاهدة صداقة بين البلدين، وهي محطة تستشهد بها مصادر مصرية رسمية باعتبارها بداية الإطار الحديث للعلاقات الثنائية. وتوضح الهيئة العامة للاستعلامات أن هذه الروابط تطورت لاحقًا عبر دعم متبادل في القضايا العربية الكبرى، ثم تُوجت في 27 أكتوبر 1955 بتوقيع اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين، ما منح العلاقة بُعدًا أمنيًا وسياسيًا أوضح في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ المنطقة.

هذا الامتداد التاريخي يفسر لماذا تُوصف العلاقة بين القاهرة والرياض غالبًا بأنها علاقة ذات خصوصية عربية. فمصر بثقلها السكاني والسياسي، والسعودية بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي، شكّلتا عبر عقود محورًا مهمًا في بنية النظام الإقليمي العربي. ولهذا لم تكن العلاقة بينهما مجرد انعكاس للمصالح الثنائية، بل عنصرًا مؤثرًا في قدرة النظام العربي على التماسك في أوقات الأزمات.

حرب أكتوبر.. لحظة تضامن مفصلية

من أبرز المحطات التي تُستحضر عند الحديث عن قوة العلاقات المصرية السعودية حرب أكتوبر 1973. ووفقًا للهيئة العامة للاستعلامات، دعمت السعودية مصر خلال الحرب سياسيًا وعسكريًا، كما لعبت دورًا محوريًا على الصعيد الاقتصادي عندما دعا الملك فيصل بن عبد العزيز في 17 أكتوبر 1973 إلى اجتماع لوزراء النفط العرب في الكويت، وهو ما انتهى إلى قرار عربي بخفض الإنتاج النفطي تدريجيًا للضغط على القوى الداعمة لإسرائيل. وتُعد هذه الخطوة من أبرز صور الإسناد العربي لمصر في تلك اللحظة الفارقة.

ولا تزال هذه المرحلة حاضرة بقوة في الذاكرة السياسية المصرية، لأنها جسدت مفهوم وحدة المصير بشكل عملي، إذ تقاطعت أدوات القوة المصرية والسعودية في معركة واحدة: مصر على جبهة القتال، والسعودية في معركة الضغط السياسي والاقتصادي. ومن هنا تكتسب الإشارة إلى حرب أكتوبر في أي حديث عن العلاقات الثنائية معنى يتجاوز الاستدعاء التاريخي، ليؤكد أن التنسيق بين البلدين كان، ولا يزال، عنصرًا مؤثرًا في إدارة الصراعات الإقليمية.

الشراكة اليوم.. من السياسة إلى الاستثمار

في الوقت الراهن، لا تتحرك العلاقات المصرية السعودية في الإطار السياسي فقط، بل تتسع لتشمل ملفات الاستثمار والتنمية والتعاون المؤسسي. ففي 21 أبريل 2025 عقدت لجنة المتابعة والتشاور السياسي بين البلدين اجتماعًا في الرياض برئاسة وزير الخارجية والهجرة المصري الدكتور بدر عبد العاطي ونظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، وشدد البيان المشترك على أهمية تعزيز الشراكة الاستراتيجية وتدشين مجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي، مع البناء على اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة.

كما أظهرت خطوات لاحقة أن هذا التوجه لا يزال قيد التفعيل المؤسسي؛ إذ نشرت الجريدة الرسمية المصرية في 12 يونيو 2025 تفاصيل الموافقة على محضر تشكيل مجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي، على أن يترأسه من الجانب المصري رئيس الجمهورية ومن الجانب السعودي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء. ويعكس هذا المستوى من التمثيل السياسي أن البلدين يتعاملان مع العلاقة باعتبارها ملفًا سياديًا واستراتيجيًا من الدرجة الأولى.

وفي السياق ذاته، أكدت الهيئة العامة للاستعلامات في خبر منشور بتاريخ 22 أبريل 2026 أن رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي استقبل السفير السعودي في القاهرة صالح بن عيد الحصيني، حيث جرى التشديد على عمق العلاقات التاريخية والاستراتيجية، وعلى أهمية تطوير الروابط الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين. ويعطي ذلك مؤشرًا واضحًا إلى أن التعاون الثنائي لم يعد محصورًا في البيانات السياسية، بل يتجه نحو مسارات تنفيذية مرتبطة بالأعمال والاستثمار.

رؤية 2030 والتكامل مع الأولويات المصرية

الإشارة إلى رؤية السعودية 2030 في سياق العلاقات مع مصر ليست تفصيلًا عابرًا. فالبيان الختامي المشترك لزيارة ولي العهد السعودي إلى مصر أشار بوضوح إلى السعي لتعزيز الشراكة الاقتصادية عبر تحقيق التكامل بين الفرص المتاحة في إطار رؤية المملكة 2030 ورؤية مصر 2030. وهذا يعني أن التعاون بين البلدين بات يستند إلى خطط تنموية معلنة، وليس فقط إلى رغبة سياسية عامة.

ومن أبرز الأمثلة التي تهم القارئ المصري في هذا السياق ما يرتبط بتنمية سيناء. فمصادر مصرية رسمية تحدثت عن دور التمويل السعودي في عدد من مشروعات التنمية، من بينها جامعة الملك سلمان الدولية في جنوب سيناء. وفي مايو 2026، أشارت الهيئة العامة للاستعلامات إلى أن الجامعة تمثل نموذجًا للتنمية الشاملة، موضحة أن فرع الطور مقام على مساحة 205 أفدنة بتكلفة تصل إلى 5.25 مليارات جنيه، بينما أُقيم فرع رأس سدر على مساحة 75 فدانًا بتكلفة 2.7 مليار جنيه، وكذلك فرع شرم الشيخ بتكلفة مماثلة.

هذه المشروعات تمنح العلاقة المصرية السعودية مضمونًا ملموسًا في الداخل المصري، لأنها تربط التعاون الثنائي بملفات التعليم والتنمية الإقليمية وخلق بيئة أفضل للاستثمار والخدمات، خصوصًا في مناطق ذات أولوية قومية مثل سيناء. كما أن هذا النوع من التعاون يعزز فكرة أن الشراكة بين القاهرة والرياض ليست حكرًا على السياسة الخارجية، بل تمتد إلى حياة المواطنين ومجالات التنمية طويلة الأجل.

تنسيق إقليمي في لحظة شديدة الحساسية

تزداد أهمية العلاقات المصرية السعودية إذا وُضعت في سياق التطورات الإقليمية الحالية. فالبيانات الرسمية الصادرة في 2025 و2026 أظهرت توافقًا واضحًا بين البلدين حول عدد من الملفات، من بينها رفض تهجير الفلسطينيين، ودعم الخطة العربية الإسلامية للتعافي المبكر وإعادة إعمار غزة، والحفاظ على أمن البحر الأحمر، ودعم استقرار السودان واليمن والصومال. كما جددت مصر في يوليو 2026 تضامنها الكامل مع السعودية في ما يتعلق بأمن الملاحة في البحر الأحمر والممرات الدولية.

وفي هذا الإطار، تبدو عبارة “التاريخ المشترك ووحدة المصير” أقرب إلى توصيف سياسي دقيق من كونها مجرد لغة دبلوماسية. فالقاهرة والرياض تتعاملان مع تحديات متقاربة في الإقليم، وتدركان أن أي اهتزاز واسع في محيطهما العربي ينعكس مباشرة على أمنهما القومي ومصالحهما الاقتصادية. لهذا يظل التنسيق بينهما واحدًا من أكثر عناصر الاستقرار أهمية في المنطقة.

لماذا تظل هذه العلاقة أولوية مصرية؟

بالنسبة لمصر، تمثل السعودية شريكًا عربيًا رئيسيًا على مستويات عدة، ويمكن تلخيص أهمية العلاقة في النقاط التالية:

  • سياسيًا: تنسيق المواقف في القضايا العربية والإقليمية الكبرى.
  • أمنيًا: التعاون في ملفات البحر الأحمر والاستقرار الإقليمي.
  • اقتصاديًا: توسيع الاستثمارات والتجارة وحماية الاستثمارات المتبادلة.
  • تنمويًا: دعم مشروعات داخل مصر، خاصة في سيناء والتعليم والبنية الأساسية.
  • عربيًا: الحفاظ على توازن النظام الإقليمي عبر شراكة بين دولتين محوريتين.

في المحصلة، فإن حديث السفير المصري السابق أحمد فاروق عن العلاقات المصرية السعودية يجد ما يسنده في الوقائع التاريخية والبيانات الرسمية الحديثة معًا. فمن معاهدة 1926 إلى حرب أكتوبر 1973، ومن التكامل بين رؤيتي 2030 إلى مجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي، يتبين أن العلاقة بين البلدين لم تفقد زخمها، بل تعيد إنتاج نفسها وفق متطلبات كل مرحلة. وبالنسبة للشارع المصري، تبقى هذه العلاقة واحدة من أكثر الملفات العربية ارتباطًا المباشر بمصالح الدولة والمجتمع، لأنها تجمع بين التاريخ والسياسة والتنمية في مسار واحد.