العليمي يصعّد لهجته: اليمن بين ردع الحوثيين وحماية البحر الأحمر
تصريحات العليمي: رسالة داخلية بلسان إقليمي
أعاد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد محمد العليمي رسم حدود الموقف الرسمي من جماعة الحوثي، حين شدد في الأيام الأخيرة على أن الدولة اليمنية لن تسمح مجددًا بجر البلاد إلى معارك عبثية تضر بمصالح شعوب المنطقة، وعلى رأسها الدول المطلة على البحر الأحمر. هذه الرسالة لم تأتِ في فراغ، بل صدرت في سياق تصاعد الحديث عن السيادة اليمنية، ورفض مصادرة قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة الشرعية.
وبحسب ما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية سبأ، قال العليمي خلال اجتماع مع رئاسة هيئة التشاور والمصالحة إن محاولات الحوثيين التصعيدية تفرض أعلى درجات اليقظة، مع التشديد على عدم السماح بجر اليمن إلى مواجهات تُلحق ضررًا بالمصالح الإقليمية، خصوصًا في محيط البحر الأحمر. كما جدد التأكيد على أن نهج التهديد والابتزاز قد انتهى، وأن الدولة لن تقبل بمصادرة قرارها السيادي. هذه الصياغة تعني عمليًا أن الرئاسة اليمنية تريد استعادة احتكار القرار الاستراتيجي للدولة، لا مجرد تسجيل موقف إعلامي.
ما الذي تغيّر في خطاب الرئاسة اليمنية؟
اللافت في خطاب العليمي الأخير أنه يتجاوز اللغة التقليدية التي تركز فقط على “استعادة الدولة”، إلى لغة أكثر مباشرة تربط بين سلوك الحوثيين وبين الأمن الإقليمي وحرية الملاحة والتوازنات المحيطة باليمن. وفي بيانات رسمية أخرى خلال يوليو 2026، أكد مجلس القيادة الرئاسي أن الحوثيين قوضوا مبادرات التهدئة، واتجهوا إلى فرض وقائع أحادية خارج مؤسسات الدولة، بما تسبب في مفاقمة الأزمة الاقتصادية والإنسانية وإلحاق أضرار بمقدرات اليمن.
هذا التحول مهم لأن الرئاسة اليمنية تحاول تقديم الصراع لمحيطها العربي والدولي باعتباره لم يعد نزاعًا داخليًا فقط، بل بات مرتبطًا مباشرة بممرات التجارة والطاقة والأمن البحري. ومن هنا يمكن فهم لماذا يضع العليمي البحر الأحمر في صلب حديثه، وليس على الهامش.
بين صنعاء وعدن: من يملك قرار التصعيد؟
جوهر تصريحات العليمي هو الاعتراض على بقاء قرار الحرب بيد جماعة مسلحة خارج الدولة. فالرئيس اليمني كان قد قال في بيان رسمي سابق إن الحوثيين يصرون على فرض أمر واقع خارج مؤسسات الدولة، وإنهم يرفضون المبادرات التي تهدف إلى حماية مصالح المواطنين وصون الاستقرار. وفي قراءة سياسية أوسع، تبدو الرئاسة اليمنية حريصة على تثبيت معادلة تقول إن أي تهدئة أو تصعيد يجب أن يمر عبر مؤسسات الدولة، لا عبر جماعة تحتفظ بسلاحها وقرارها المستقل.
هذه النقطة ليست إجرائية فقط؛ إنها جوهر الأزمة اليمنية منذ سنوات. فحين لا تكون الدولة هي صاحبة القرار النهائي في ملف الحرب، يصبح اليمن أكثر قابلية للانزلاق إلى دور وظيفي داخل صراعات أكبر من حدوده الوطنية.
لماذا يهم البحر الأحمر القارئ المصري؟
بالنسبة إلى مصر، لا تبدو تصريحات العليمي شأنًا يمنيًا خالصًا. فالبحر الأحمر وباب المندب يرتبطان مباشرة بأمن الملاحة المؤدية إلى قناة السويس، وهي شريان حيوي للتجارة العالمية وللاقتصاد المصري. وتشير تقارير دولية حديثة إلى أن باب المندب يمثل بوابة استراتيجية يمر عبرها جزء معتبر من التجارة العالمية، بينما أدت الهجمات والتهديدات المرتبطة بالحوثيين إلى اضطرابات كبيرة في خطوط الشحن خلال الفترة الماضية.
وفي القاهرة، كان ملف البحر الأحمر حاضرًا في الخطاب الرسمي المصري بوصفه قضية أمن قومي اقتصادي واستراتيجي. وقد أظهرت بيانات صادرة عن هيئة قناة السويس وجهات مصرية رسمية أن أزمة البحر الأحمر ألقت بظلالها على حركة الملاحة والإيرادات، قبل أن تبدأ مؤشرات تعافٍ نسبي خلال السنة المالية 2025/2026. ونقلت جهات مصرية رسمية عن رئيس الهيئة الفريق أسامة ربيع أن إيرادات القناة في السنة المالية 2025/2026 ارتفعت إلى نحو 4.67 مليار دولار مع عودة مزيد من السفن تدريجيًا، وهو رقم يكشف في الوقت نفسه حجم الحساسية المصرية تجاه أي تصعيد جديد في هذا الممر الحيوي.
الزاوية المصرية: الأمن البحري ليس ملفًا بعيدًا
من منظور مصري، خطورة أي انزلاق يمني جديد لا تقتصر على حدود اليمن. فكل تهديد للملاحة في البحر الأحمر ينعكس على كلفة الشحن، ومدد الإبحار، وخطط شركات النقل البحري، وحسابات التأمين، وبالتالي على الاقتصاد الإقليمي الأوسع. لذلك تبدو تصريحات العليمي، في أحد أوجهها، محاولة لطمأنة الجوار العربي بأن السلطة المعترف بها دوليًا لا تريد تحويل اليمن إلى منصة مفتوحة لصراعات تستنزف الجميع.
هل يملك العليمي أدوات تنفيذ هذا الموقف؟
هنا تبدأ الأسئلة الأصعب. فالتصريحات الحازمة شيء، والقدرة على فرضها على الأرض شيء آخر. مجلس القيادة الرئاسي، الذي يقوده العليمي منذ نقل السلطة إليه في 7 أبريل 2022، يمثل الإطار السياسي المعترف به دوليًا لإدارة المرحلة الانتقالية في المناطق الخاضعة للحكومة. لكن المشهد اليمني ما زال معقدًا، سواء بسبب الانقسام العسكري والسياسي الداخلي، أو بسبب تشابك المصالح الإقليمية والدولية في الملف اليمني.
ومع ذلك، فإن قيمة الخطاب الحالي لا تكمن فقط في ميزان القوة المباشر، بل أيضًا في إعادة تعريف الشرعية: أي تثبيت فكرة أن أمن اليمن لا ينفصل عن أمن جواره، وأن أي فاعل يهدد الملاحة أو يوسّع دائرة الاشتباك لا يمكن تقديمه بوصفه صاحب قرار وطني جامع.
الرسالة إلى المجتمع الدولي
تصريحات العليمي تحمل أيضًا رسالة موجهة للخارج. فالأمم المتحدة كانت قد حذرت في أكثر من مناسبة من أن أي تصعيد إضافي في اليمن أو البحر الأحمر يهدد بتفاقم الكارثة الإنسانية ويقوض فرص التهدئة. كما أن تقارير أممية خلال 2026 أبقت ملف الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر تحت متابعة مجلس الأمن. وهذا يعني أن الرئاسة اليمنية تتحرك داخل مساحة تريد فيها كسب مزيد من التأييد الدولي لفكرة أن استقرار اليمن يبدأ من إنهاء ازدواجية السلاح والقرار.
خلاصة المشهد: اليمن يدافع عن نفسه أم عن الإقليم كله؟
في الظاهر، يتحدث رشاد العليمي عن عدم السماح للحوثيين بجر اليمن إلى معارك لا تخدم شعبه. لكن في العمق، هو يحاول بناء سردية أوسع: الدولة اليمنية لا تدافع فقط عن شرعيتها، بل عن فكرة أن البحر الأحمر لا يجوز أن يتحول إلى رهينة لقرار فصيل مسلح. وهذه زاوية تهم مصر بقدر ما تهم اليمن، لأن أي ارتباك في هذا الممر البحري الحيوي ينعكس سريعًا على الملاحة والتجارة والإيرادات والاستقرار الإقليمي.
لهذا، يمكن قراءة تصريح العليمي الأخير باعتباره أكثر من موقف سياسي عابر. إنه محاولة لتثبيت خط أحمر جديد: لا سلام ممكنًا إذا بقي قرار الحرب خارج الدولة، ولا استقرار إقليميًا إذا ظل اليمن ساحة مفتوحة لمغامرات تدفع شعوب المنطقة كلها ثمنها.
- الاسم الأبرز في الخبر: رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني.
- الملف المحوري: منع الحوثيين من جر اليمن إلى تصعيد يضر بالبحر الأحمر والإقليم.
- الأهمية لمصر: أي اضطراب في باب المندب والبحر الأحمر يمس قناة السويس والتجارة والأمن البحري.