Akhbar Cairo

العمل الدولية: دمج الاقتصاد غير الرسمي في مصر يحتاج تدرجًا

العمل الدولية: التحول إلى الاقتصاد الرسمي في مصر مسار تراكمي

جدد إيريك أوشلان، مدير مكتب منظمة العمل الدولية بالقاهرة ومدير فريق العمل اللائق لشمال أفريقيا، التأكيد على أن ملف الاقتصاد غير الرسمي في مصر لا يمكن التعامل معه عبر قرارات سريعة أو تغييرات مفاجئة، بل يحتاج إلى مسار تدريجي يراعي طبيعة سوق العمل وواقع المنشآت والعاملين. ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة في ظل اتساع النقاش داخل مصر حول سبل دمج الأنشطة غير الرسمية في الاقتصاد المنظم بما يضمن حماية أكبر للعمال وبيئة أكثر عدالة للمستثمرين.

حديث أوشلان يأتي في سياق تعاون قائم بين منظمة العمل الدولية والجهات المصرية المعنية بملفات التشغيل والعمل اللائق والحوار الاجتماعي، وهي شراكة تشمل كذلك دعم السياسات المرتبطة بالتشغيل وتنمية المهارات وربطها باحتياجات الاقتصاد المحلي. ويشغل أوشلان حاليًا منصب مدير مكتب المنظمة في القاهرة المسؤول عن مصر وإريتريا، إلى جانب إشرافه على فريق العمل اللائق لشمال أفريقيا من مقر المكتب في الزمالك.

لماذا يظل الاقتصاد غير الرسمي ملفًا حساسًا؟

الانتقال من النشاط غير الرسمي إلى الاقتصاد الرسمي لا يرتبط فقط بتسجيل المنشآت أو استخراج التراخيص، بل يمتد إلى قضايا أوسع تشمل الحماية الاجتماعية، والتأمينات، وحقوق العاملين، والإنتاجية، والقدرة على النفاذ إلى التمويل والأسواق. ومن هذا المنطلق، ترى منظمة العمل الدولية أن التحول الناجح يتطلب تهيئة بيئة مشجعة، لا الاكتفاء بالإجراءات الرقابية وحدها.

وتوضح المنظمة في موادها التعريفية أن الاقتصاد غير الرسمي يشمل الأنشطة الاقتصادية التي لا تغطيها الترتيبات الرسمية قانونًا أو لا تتمتع بتغطية كافية عمليًا، فيما تشير تقديراتها العالمية إلى أن أكثر من 60% من قوة العمل في العالم تعمل في الاقتصاد غير الرسمي، كما تعمل نسبة كبيرة من المنشآت خارج الأطر الرسمية. هذا ما يجعل قضية الدمج الرسمي مسألة تنموية واجتماعية في آن واحد، وليست مجرد ملف إداري أو ضريبي.

تعاون ممتد مع الحكومة المصرية

خلال الشهور الماضية، برز اسم إيريك أوشلان في عدد من الاجتماعات الرسمية داخل مصر المرتبطة بالتشغيل والإنتاجية وسياسات العمل. ففي 10 أبريل 2026، أعلنت وزارة العمل جمع شركاء الاستراتيجية الوطنية للتشغيل ضمن اجتماع للجنة التوجيهية استعدادًا لإطلاقها، بحضور ممثلين عن الوزارات والجهات المعنية ومنظمات أصحاب الأعمال والعمال، إلى جانب أوشلان بصفته ممثلًا لمنظمة العمل الدولية في القاهرة.

كما استعرضت لقاءات رسمية أخرى بين المنظمة والحكومة المصرية ملفات مشتركة تتعلق بخلق فرص العمل، وربط التدريب بسوق العمل، وتعزيز ريادة الأعمال، وتطوير السياسات العمالية. وفي 26 فبراير 2026، تناول لقاء وزير العمل المصري حسن رداد مع مدير مكتب المنظمة بالقاهرة مجالات التعاون، وعلى رأسها الاستراتيجية الوطنية للتشغيل وبرنامج العمل اللائق على المستوى القطري، فضلًا عن متابعة التشريعات والتنظيمات التنفيذية المرتبطة بسوق العمل.

الاستراتيجية الوطنية للتشغيل في قلب المشهد

الزخم الحالي حول سوق العمل المصري لا ينفصل عن الاستراتيجية الوطنية للتشغيل التي تعمل عليها الدولة بالتعاون مع منظمة العمل الدولية وشركاء آخرين. ووفق ما أعلنته وزارة العمل، تستهدف هذه الاستراتيجية بناء إطار وطني متكامل يربط بين التعليم والتدريب وتنمية المهارات واحتياجات سوق العمل، مع التركيز على الشباب والنساء والفئات الأولى بالرعاية.

وتشير وثائق حكومية منشورة إلى أن الانتهاء من الاستراتيجية ونشرها كان ضمن مستهدفات يونيو 2026، في إطار توجه أوسع لدعم التشغيل وتعزيز الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي. ويعني ذلك أن تصريحات أوشلان بشأن التدرج لا تأتي بمعزل عن مسار مؤسسي أوسع، بل تنسجم مع خطة عمل تشمل إصلاحات تشريعية ومؤسسية وبرامج دعم فني.

ما الذي يمكن أن يكسبه العامل وصاحب العمل؟

الانتقال المنظم إلى الاقتصاد الرسمي يحمل مكاسب مباشرة لعدة أطراف. فالعامل يحصل على فرص أكبر للتمتع بالحماية القانونية والاجتماعية، بما في ذلك عقود العمل والتأمينات وظروف العمل الأكثر استقرارًا. أما أصحاب المنشآت، فيستفيدون من تحسين فرص الوصول إلى التمويل، والانخراط في سلاسل التوريد الرسمية، والتعامل مع الأسواق بصورة أكثر استدامة.

ومن زاوية تنافسية الاستثمار، فإن توسيع القاعدة الرسمية يقلل من التشوهات التي قد تنشأ عندما تعمل بعض المنشآت وفق قواعد منظمة بينما تتحرك أخرى خارجها. ولهذا تكرر منظمة العمل الدولية في مشاريعها داخل مصر الربط بين العمل اللائق والإنتاجية والتنافسية، خاصة في القطاعات الصناعية وسلاسل القيمة.

مشروعات جارية لدعم الإنتاجية والعمل اللائق

هذا التوجه ظهر أيضًا في إطلاق مشروع Productivity Ecosystems for Decent Work in Egypt في القاهرة خلال ديسمبر 2024، وهو مشروع أعلنت منظمة العمل الدولية أنه يستهدف تحسين الإنتاجية وتعزيز العمل اللائق في بعض القطاعات الصناعية، من بينها دباغة الجلود والرخام. وشارك في إطلاقه مسؤولون مصريون ودوليون، بينهم وزير العمل وقيادات من وزارة الصناعة والسفارة الإيطالية.

كذلك تواصل المنظمة تنفيذ برامج في مصر تتصل بالتجارة والاستثمار والتشغيل، والهجرة العمالية، ودعم المجتمعات المستضيفة، والعمل الرقمي، وهي ملفات تتقاطع جميعها مع قضية التحول من النشاط غير الرسمي إلى النشاط المنظم، سواء عبر تطوير المهارات أو تحسين شروط العمل أو توسيع فرص الاندماج الاقتصادي.

التدرج بدل الصدمة

جوهر الرسالة التي يطرحها مدير مكتب منظمة العمل الدولية بالقاهرة يتمثل في أن النجاح في دمج الاقتصاد غير الرسمي يتطلب التدرج، لأن أي انتقال سريع من دون حوافز كافية أو ترتيبات انتقالية قد يضغط على العاملين وأصحاب المشروعات الصغيرة. ومن هنا، تبدو المقاربة الأقرب للتطبيق في الحالة المصرية قائمة على الجمع بين التيسير التشريعي، والدعم الفني، وتبسيط الإجراءات، وتوسيع الحماية، مع استمرار الحوار بين الحكومة وأصحاب الأعمال والعمال.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذا الملف يتجاوز الجانب الاقتصادي الضيق؛ فهو يرتبط مباشرة بملايين فرص العمل، وبمدى قدرة السوق على النمو بصورة عادلة ومنظمة، وبمستقبل المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل شريحة مهمة من النشاط الاقتصادي. لذلك، فإن أي تقدم في هذا المسار سيظل مرهونًا بقدرة السياسات العامة على تحقيق توازن بين الدمج الرسمي والحفاظ على استمرارية النشاط والإنتاج.

  • الجهة الدولية المعنية: منظمة العمل الدولية – مكتب القاهرة.
  • المسؤول المذكور: إيريك أوشلان، مدير مكتب المنظمة بالقاهرة.
  • الملف الرئيسي: دعم الانتقال من الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد الرسمي.
  • الهدف المعلن: حماية العمال وزيادة تنافسية بيئة الأعمال والاستثمار.
  • النهج المطروح: تنفيذ تدريجي لا يعتمد على التغيير المفاجئ.

في المحصلة، تبدو الرسالة الأساسية واضحة: دمج الاقتصاد غير الرسمي في مصر ليس قرارًا لحظيًا، بل مسار إصلاحي طويل يحتاج إلى تدرج وتنسيق ومساندة مؤسسية. وبينما تتحرك الحكومة المصرية لإطلاق أدواتها الوطنية في التشغيل وسوق العمل، تواصل منظمة العمل الدولية تقديم الدعم الفني في ملف يظل من بين الأكثر تأثيرًا على مستقبل التنمية وفرص العمل في البلاد.