Akhbar Cairo

العودة إلى كاديم: كيف تعيد إسرائيل رسم خريطة جنين؟

العودة إلى كاديم ليست تفصيلاً ميدانياً

إعادة الدفع باتجاه إسكان مستوطنين في مستوطنة كاديم المقامة على أراضٍ فلسطينية شرق جنين تفتح، من جديد، ملف شمال الضفة الغربية بوصفه ساحة لإنتاج وقائع سياسية لا تقف عند حدود البناء أو الهدم. فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلق فقط بعودة نحو 30 عائلة، بل بما تمثله هذه العودة من اختبار عملي لقدرة الحكومة الإسرائيلية على تفكيك ما تبقى من آثار خطة “فك الارتباط” التي نُفذت عام 2005، وإعادة تركيب المشهد الاستيطاني في منطقة شديدة الحساسية جغرافياً وأمنياً.

المعطيات التي أوردتها وكالة الأنباء الفلسطينية وفا خلال أغسطس 2026 تشير إلى تسارع واضح في هذا المسار: مستعمرون أعادوا إنشاء غانيم شرق جنين يوم 13 أغسطس 2026 بعد 21 عاماً من إخلائها، ثم أفادت الوكالة في 16 أغسطس 2026 بأن جيش الاحتلال أدخل بيوتاً متنقلة إلى كاديم تمهيداً لإعادة افتتاحها، وسط تقديرات متداولة بعودة المستوطنين خلال أيام قليلة. كما ربطت تقارير أخرى هذه الخطوات بعمليات هدم واسعة طالت مباني فلسطينية في محيط جنين تمهيداً لتوسيع السيطرة على الأرض.

من فك الارتباط إلى مسار العودة

لفهم ما يجري اليوم، يجب العودة إلى الخلفية التشريعية والسياسية. ففي عام 2005 أخلت إسرائيل أربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية هي غانيم وكاديم وحومش وسانور ضمن خطة الانسحاب أحادي الجانب. لكن هذا الإخلاء لم يتحول إلى التزام سياسي دائم. ففي مارس 2023 ألغت الكنيست بنوداً من القانون الذي كان يحظر دخول المستوطنين إلى تلك المواقع، وهو ما اعتُبر في حينه خطوة تأسيسية للعودة التدريجية إليها.

ومنذ ذلك الحين، انتقلت المسألة من مستوى الإشارة السياسية إلى مستوى التنفيذ الميداني. وكالة الأناضول نقلت في 12 أغسطس 2026 أن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش أعلن بدء هدم 26 مبنى فلسطينياً في منطقتي غانيم وكاديم، قائلاً إن هذه الإجراءات تمهد لإعادة الاستيطان في شمال الضفة. كما أشارت تقارير دولية إلى أن الحكومة الإسرائيلية كانت قد أقرت في أواخر 2025 إعادة إنشاء كاديم وغانيم ضمن حزمة أوسع شملت مستوطنات جديدة أو معاد تنظيمها في الضفة الغربية.

لماذا جنين تحديداً؟

بالنسبة إلى القارئ المصري، قد يبدو الحدث شبيهاً بعشرات الأخبار اليومية عن الاستيطان، لكن جنين ليست بقعة عادية في الحسابات الإسرائيلية. المدينة ومحيطها تمثلان عقدة جغرافية تربط شمال الضفة بامتدادات زراعية وطرقية حيوية، كما أنها تحمل وزناً رمزياً وأمنياً متراكماً منذ الانتفاضة الثانية وحتى اليوم. لذلك فإن أي عودة إلى كاديم أو غانيم لا تُقرأ باعتبارها توسعاً عمرانياً فقط، بل كإعادة تموضع فوق المرتفعات المشرفة على المدينة ومداخلها الشرقية.

وفي هذا السياق، كان مسؤول ملف الاستيطان في محافظة جنين طارق إغبارية قد قال في حديث سابق لـوفا مطلع أغسطس 2026 إن ما يجري في المحافظة ليس “احتياجاً عسكرياً مؤقتاً”، بل مشروع متكامل لإعادة هندسة السيطرة العسكرية والأمنية. هذه القراءة تفسر لماذا تترافق التحركات الاستيطانية مع أوامر وضع يد، وشق طرق، وإغلاقات، وقيود على وصول المزارعين إلى أراضيهم.

سموتريتش ودور اليمين الحاكم

من الصعب فصل هذا التطور عن صعود التيار اليميني الديني داخل الحكومة الإسرائيلية، وخصوصاً دور بتسلئيل سموتريتش، الذي يجمع بين النفوذ المالي والتأثير المباشر في ملف الاستيطان داخل الضفة. حضور اسمه في كل محطة تقريباً، من الدعوة إلى توسيع الاستيطان إلى التفاخر بعمليات الهدم، يكشف أن ما يجري ليس مجرد مبادرة من مجموعات مستوطنين، بل سياسة مدعومة من داخل السلطة التنفيذية الإسرائيلية.

هذا مهم لأن إعادة الاستيطان في المواقع التي أُخليت عام 2005 تحمل معنى سياسياً مضاعفاً: فهي لا توسع الخريطة الحالية فقط، بل تعلن أن التراجعات الإسرائيلية السابقة قابلة للنقض، وأن ما جرى إخلاؤه يمكن استعادته عندما تتبدل موازين القوى الداخلية. وبالنسبة إلى اليمين الإسرائيلي، فإن ذلك ينسجم مع رؤية تعتبر شمال الضفة ساحة مفتوحة لإعادة ترسيخ المشروع الاستيطاني على المدى الطويل.

ما الذي يتغير على الأرض؟

التغير الأخطر ليس عدد العائلات العائدة بحد ذاته، بل البنية التي تسبقها وتلحقها. فعادة لا تبدأ إعادة الاستيطان بمشهد سكاني واسع، بل بخطوات تبدو محدودة: بيوت متنقلة، تمهيد أراضٍ، هدم مبانٍ فلسطينية، فرض طوق أمني، ثم ربط الموقع بشبكة طرق وحماية عسكرية. ومع الوقت، تتحول “البداية المؤقتة” إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه.

في حالة جنين، تشير الوقائع المنشورة خلال أغسطس 2026 إلى هذا النمط بوضوح:

  • 13 أغسطس 2026: إعادة إنشاء مستوطنة غانيم شرق جنين بعد 21 عاماً من الإخلاء.
  • 12 أغسطس 2026: الإعلان عن هدم 26 مبنى فلسطينياً في محيط غانيم وكاديم تمهيداً لإعادة الاستيطان.
  • 16 أغسطس 2026: إدخال بيوت متنقلة إلى كاديم شرق جنين استعداداً لإعادة فتحها.
  • أغسطس 2026: استمرار الإغلاقات والقيود على الأراضي والطرق في المحافظة بالتوازي مع التحرك الاستيطاني.

هذه السلسلة تجعل من الصعب التعامل مع الملف باعتباره خبراً منفرداً. نحن أمام عملية تراكمية تعيد صياغة المجال حول جنين، وتضغط على القرى الفلسطينية القريبة اقتصادياً وحركياً، وتزيد من هشاشة الوجود الزراعي الفلسطيني في المنطقة.

البعد القانوني والدولي

على المستوى الدولي، لا يوجد غموض كبير في المواقف المعلنة حيال الاستيطان. الاتحاد الأوروبي كرر في بيانات حديثة أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير قانونية بموجب القانون الدولي وتمثل عقبة أمام السلام. كما أن محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو 2024 تناولت سياسة الاستيطان الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، وأعادت التذكير بأن نقل دولة الاحتلال أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة يتعارض مع أحكام اتفاقية جنيف الرابعة.

لكن المشكلة، من زاوية تحليلية، ليست في غياب التوصيف القانوني، بل في اتساع الفجوة بين القانون والوقائع الميدانية. فإسرائيل تواصل البناء، والهدم، وإعادة التموضع، بينما تبدو ردود الفعل الدولية غير قادرة على كبح المسار أو فرض كلفة سياسية فعلية عليه. ولهذا تحديداً تكتسب خطوات مثل إعادة كاديم أهمية أكبر من حجمها العددي؛ لأنها تختبر حدود الصمت الدولي وتحوّل التدرج إلى أداة استراتيجية.

كيف تُقرأ الخطوة من القاهرة؟

بالنسبة إلى المتابع المصري، تحمل تطورات جنين دلالات تتجاوز الجغرافيا الفلسطينية المباشرة. فكل توسع استيطاني في الضفة يضغط أكثر على فرص التسوية السياسية، ويزيد من احتمالات الانفجار الإقليمي، ويُبقي القضية الفلسطينية في قلب معادلات الأمن القومي العربي. كما أن تثبيت الاستيطان في الشمال الفلسطيني يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى أي حديث مستقبلي عن دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة.

ومن هنا، فإن إعادة المستوطنين إلى كاديم لا ينبغي النظر إليها كتحرك محلي محدود، بل كحلقة في سياسة أوسع قوامها تثبيت السيطرة عبر الجغرافيا، ثم تحويل هذه الجغرافيا إلى أساس للمطالبة السياسية. هذا هو الدرس الأوضح من كل تجارب الاستيطان السابقة: يبدأ الأمر بكرافانات وحواجز، وينتهي بخريطة جديدة.

خلاصة تحليلية

التحول الجاري في كاديم وغانيم يكشف أن جنين دخلت مرحلة جديدة من الصراع على المكان. وإذا كانت عودة بضع عشرات من العائلات هي الصورة الظاهرة، فإن المضمون الأعمق يتعلق بإعادة إنتاج السيطرة على المرتفعات والطرق والأراضي الزراعية، وإرسال رسالة سياسية بأن تفكيك بعض المستوطنات في 2005 لم يعد سقفاً ملزماً للحكومة الإسرائيلية الحالية. بكلمات أخرى: ما يجري شرق جنين ليس مجرد “عودة” إلى مستوطنة قديمة، بل محاولة منظمة لفرض واقع جديد قد يعيد تعريف شمال الضفة بأكمله في السنوات المقبلة.