القابضة للمياه تحذر من ري الأراضي بمياه الشرب في مصر
تحذير من إهدار مورد حيوي لا يحتمل الهدر
جددت الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي في مصر تحذيرها من ظاهرة استخدام مياه الشرب في ري الأراضي والتعدي على الشبكات، بعدما أكد المهندس مصطفى الشيمي، القائم بأعمال رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة والعضو المنتدب التنفيذي، أن هذه الممارسات تمثل ضغطًا مباشرًا على منظومة المياه وتؤدي إلى إهدار موارد مالية ومائية كبيرة، في وقت تواجه فيه الدولة تحديات متزايدة مرتبطة بتوفير الخدمة واستدامتها.
وتكتسب هذه الرسائل الرسمية أهمية خاصة مع دخول فصل الصيف وارتفاع الاستهلاك، إلى جانب استمرار التوسع العمراني والسكاني في مختلف المحافظات، وهو ما يرفع الطلب على مياه الشرب ويجعل أي اعتداء على الشبكات أو سحب غير قانوني للمياه عاملًا مؤثرًا على انتظام الخدمة وجودتها في المناطق السكنية.
من هو المسؤول الذي أصدر التحذير؟
بحسب الموقع الرسمي للشركة القابضة، يشغل المهندس مصطفى الشيمي حاليًا منصب القائم بأعمال رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، كما يظهر اسمه في عدة بيانات رسمية صادرة خلال عام 2026 حول متابعة الأداء، والتحول الرقمي، ومشروعات المرافق، ما يؤكد صفته الحالية ومسؤوليته المباشرة عن هذا الملف الحيوي على مستوى الجمهورية.
وخلال الأشهر الأخيرة، واصلت الشركة القابضة الإعلان عن اجتماعات دورية برئاسة الشيمي لمتابعة مؤشرات التشغيل، تقليل الفاقد، تحسين الخدمة، وتسريع تنفيذ مشروعات البنية الأساسية، إلى جانب التنسيق مع وزارة الإسكان والجهات التابعة لها في الملفات المرتبطة بمياه الشرب والصرف الصحي.
لماذا تمثل الظاهرة خطرًا كبيرًا؟
استخدام مياه الشرب في الزراعة لا يُنظر إليه فقط باعتباره مخالفة، بل باعتباره سحبًا لمياه معالجة ومجهزة للاستهلاك الآدمي من أجل غرض آخر أقل أولوية في ترتيب الاستخدامات. هذه المياه تمر بمراحل إنتاج وتنقية وضخ وتشغيل مكلفة، وبالتالي فإن توجيهها إلى ري الأراضي يعني تحميل الشبكات ومحطات الإنتاج فوق طاقتها، وحرمان بعض المناطق من حصصها الطبيعية، ورفع فاتورة التشغيل والصيانة على الدولة.
كما أن التعديات على خطوط المياه والوصلات غير القانونية تسهم في زيادة نسب الفاقد، وتضعف كفاءة الضغوط داخل الشبكات، وقد تقود في بعض الحالات إلى أعطال فنية وانقطاعات متكررة، خصوصًا في المناطق الطرفية أو المرتفعة. ولهذا تضع الشركات التابعة للقابضة ملف خفض الفاقد ومنع التعديات ضمن أولويات العمل التشغيلي.
أزمة الموارد المائية تضاعف خطورة المخالفة
التحذير الرسمي يأتي في سياق أوسع يتعلق بوضع المياه في مصر. ووفق بيانات منشورة عبر الهيئة العامة للاستعلامات، فإن حصة مصر السنوية من مياه النيل تبلغ نحو 55.5 مليار متر مكعب، بينما تمثل مياه النيل أكثر من 95% من إجمالي الموارد المائية في البلاد. وتشير البيانات الرسمية أيضًا إلى أن الزيادة السكانية وثبات الموارد المائية يفرضان ضغوطًا إضافية على الإدارة الرشيدة للمياه.
هذا الواقع يجعل أي استخدام غير مشروع لمياه الشرب أكثر كلفة من مجرد مخالفة محلية، لأنه يرتبط مباشرة بأمن مائي حساس. كما أن الخطاب الحكومي في السنوات الأخيرة ركز بوضوح على فكرة أن كل نقطة مياه لها قيمة اقتصادية وتنموية، سواء في الشرب أو الزراعة أو الصناعة أو إعادة الاستخدام.
ماذا تفعل الدولة حاليًا في هذا الملف؟
المتابعة الرسمية للقطاع تكشف أن ملف المياه يحظى برقابة مؤسسية مكثفة. فقد ترأست المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، في 22 يونيو 2026 اجتماع مجلس إدارة جهاز تنظيم مياه الشرب والصرف الصحي وحماية المستهلك، حيث جرى التأكيد على الرقابة الميدانية، ومطابقة الخدمات للمواصفات الفنية، والاستجابة لشكاوى المواطنين.
كما أظهرت بيانات الشركة القابضة خلال 2026 استمرار العمل على عدة محاور تشمل:
- رفع كفاءة التشغيل والصيانة في المحطات والشبكات.
- تقليل الفاقد وتحسين الضغوط في المناطق المتأثرة.
- التحول الرقمي في الخدمات والتحصيل وإدارة البيانات.
- متابعة مشروعات “حياة كريمة” المتعلقة بمياه الشرب والصرف الصحي في المحافظات.
- تطوير قنوات خدمة المواطنين وفي مقدمتها تطبيق وخدمة 125.
ويشير الموقع الرسمي للشركة القابضة إلى أن تطبيق HCWW 125 يمثل إحدى أدوات التواصل والخدمة الرقمية للمواطنين، في إطار خطة أوسع لتيسير الإبلاغ عن المشكلات والشكاوى وتطوير تجربة المتعاملين مع شركات المياه.
أثر مباشر على المواطن في المدن والقرى
قد تبدو مسألة ري قطعة أرض بمياه الشرب محدودة الأثر في نظر البعض، لكن تأثيرها العملي يمتد إلى مواطنين آخرين في نفس الخط أو المنطقة. فعندما تُسحب كميات كبيرة من الشبكة خارج الاستخدام المنزلي المخصص لها، تظهر آثار مثل ضعف المياه في الأدوار العليا، وانخفاض الضغوط في أوقات الذروة، وارتفاع احتمالات الأعطال نتيجة تحميل الشبكات أكثر من قدرتها التصميمية.
وفي القرى والمناطق التي تشهد توسعًا عمرانيًا أو احتياجات موسمية مرتفعة، يصبح الأمر أكثر حساسية، لأن أي استهلاك غير منضبط قد يربك التوزيع اليومي للخدمة. لذلك تنظر الجهات المختصة إلى هذه المخالفات باعتبارها تعديًا على حق عام وليس مجرد تصرف فردي.
رسالة ترشيد تتجاوز المخالفة إلى الوعي العام
الرسالة التي حملها تحذير رئيس الشركة القابضة لا تتوقف عند الجانب التنفيذي أو القانوني فقط، بل تتصل أيضًا بملف الوعي المجتمعي. فالدولة توسعت خلال السنوات الماضية في حملات التوعية المرتبطة بقيمة المياه، وضرورة الاستخدام الرشيد، وعدم إهدار مياه الشرب في أغراض يمكن تدبيرها بوسائل أخرى أكثر ملاءمة.
وفي هذا السياق، تبدو مواجهة الظاهرة معتمدة على مسارين متوازيين: أولهما الرقابة ومنع التعديات، وثانيهما تغيير السلوك الاستهلاكي لدى الأفراد وبعض الأنشطة التي ما زالت تتعامل مع مياه الشرب باعتبارها موردًا متاحًا بلا تكلفة حقيقية، رغم أن إنتاجها ونقلها وصيانتها يحمّل المرفق أعباء كبيرة.
خلاصة المشهد
تحذير المهندس مصطفى الشيمي يعيد فتح ملف شديد الحساسية في مصر، وهو ملف حماية مياه الشرب من الاستخدامات المخالفة. فبين ثبات الموارد المائية، وارتفاع الطلب، وتكلفة التشغيل المرتفعة، لم يعد استخدام مياه الشرب في ري الأراضي مجرد مخالفة عابرة، بل أصبح سلوكًا يهدد كفاءة المرفق ويؤثر على نصيب المواطنين من خدمة أساسية لا غنى عنها.
ومع استمرار خطط الدولة لتطوير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من التشدد في مواجهة التعديات على الشبكات، بالتوازي مع توسيع التوعية العامة بأن الحفاظ على المياه لم يعد خيارًا، بل ضرورة يومية تمس كل بيت في مصر.