Akhbar Cairo

القانون الإطاري يختبر سلام تركيا مع حزب العمال الكردستاني

تصعيد سياسي يوازي الترتيبات الميدانية

دخلت عملية السلام بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني مرحلة شديدة الحساسية بعد إقرار أنقرة قانونًا جديدًا يضع الإطار القانوني لنزع السلاح وإعادة دمج بعض العناصر، لكنه في الوقت نفسه يربط أي تخفيف قانوني أو تعليق للملاحقات بتحقق أمني كامل من انتهاء النشاط المسلح وتسليم الأسلحة والذخائر. هذه الصيغة فتحت بابًا للتقدم، لكنها أطلقت أيضًا موجة اعتراضات من أطراف كردية ترى أن الملف لا يمكن حصره في البعد الأمني وحده.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا التطور لا تتوقف عند الداخل التركي فقط، بل تمتد إلى شمال العراق وسوريا، حيث تتشابك الحدود والمخاوف الأمنية والمصالح الإقليمية، بما يجعل أي تغير في علاقة أنقرة بالحركة الكردية المسلحة قضية ذات أثر مباشر على خريطة الإقليم الأوسع.

ما هو القانون الجديد الذي أشعل الجدل؟

القانون الذي أقره البرلمان التركي في 10 أغسطس 2026 ثم نُشر في الجريدة الرسمية في 18 أغسطس 2026 يحمل اسم قانون تعزيز التضامن الوطني والاندماج المجتمعي. وبحسب وكالة الأناضول ووكالة أسوشيتد برس، فإنه يحدد آلية قانونية لتعليق بعض التحقيقات والمحاكمات وأحكام السجن المرتبطة بحزب العمال الكردستاني/منظومة KCK، لكن فقط بعد أن تؤكد المؤسسات الأمنية التركية أن التنظيم أنهى وجوده المسلح وسلم جميع الأسلحة والذخائر الواقعة تحت سيطرته، على أن يصدر مجلس الأمن القومي التركي قرارًا بذلك ويُنشر في الجريدة الرسمية.

ووفق الصيغة المعلنة، يمكن تعليق الملاحقات لمدة 5 سنوات في بعض الجرائم، و10 سنوات في الجرائم الأشد، على أن تُستأنف الإجراءات إذا ارتُكبت جريمة مرتبطة بالإرهاب خلال فترة التعليق. كما يستثني القانون جرائم خطيرة، بينها القتل العمد المرتبط بأنشطة التنظيم، وكذلك بعض المحكومين بالسجن المؤبد أو المؤبد المشدد قبل يونيو 2005، وهي نقطة تضع عبد الله أوجلان خارج نطاق الاستفادة المباشرة من القانون.

نتائج التصويت وتشكيل آليات المتابعة

حصل القانون على تأييد واسع داخل البرلمان التركي، إذ مرّ بأغلبية 468 صوتًا مقابل 88 مع امتناع 6 نواب. كما ينص على تشكيل هياكل متابعة رسمية، بينها لجنة أو مجلس للتقييم والمتابعة، وذكرت تقارير تركية أن أول اجتماع لهذا المسار عُقد برئاسة نائب الرئيس التركي جودت يلماز في 24 أغسطس 2026 لوضع خريطة طريق للتنفيذ.

لماذا تعتبره أنقرة خطوة تاريخية؟

الرواية الرسمية التركية تقدم القانون بوصفه حجر الأساس في مسار “تركيا بلا إرهاب”. رئيس البرلمان التركي نعمان قورتولموش قال عقب التصويت إن إنهاء العمل المسلح وذوبان التنظيم سيمهدان لمرحلة جديدة تسود فيها المصالحة والتضامن. كما شددت أنقرة على أن التطبيق لن يبدأ تلقائيًا، بل بعد تحقق أمني صارم من تفكيك البنية المسلحة بالكامل.

ومن منظور الدولة التركية، فإن هذه الصيغة تمنح الحكومة أداة قانونية لإدارة واحدة من أعقد القضايا الأمنية والسياسية في البلاد منذ أكثر من أربعة عقود. كما أنها تتيح لأنقرة التقدم بخطوات محسوبة دون تقديم تنازلات مفتوحة مسبقًا، وهو ما يفسر الإصرار على ربط أي عفو مشروط أو تعليق للأحكام بإتمام نزع السلاح أولًا.

اعتراضات حزب العمال: القانون بداية لا نهاية

في المقابل، نقلت أسوشيتد برس عن بيان منسوب إلى حزب العمال الكردستاني أن التشريع الجديد يمثل “بداية” لكنه يعاني “نواقص واختلالات جدية”. جوهر الاعتراض يتمثل في أن القانون، من وجهة نظر الحزب، لم يتضمن ضمانات كافية تتعلق بالحريات السياسية وحقوق الأكراد والإصلاحات الديمقراطية.

وتشير المواقف الكردية المتداولة إلى أن تسليم السلاح والعودة إلى تركيا لا يمكن أن يمضيا بسهولة إذا ظل خطر الملاحقة والسجن قائمًا بسبب الرأي أو النشاط السياسي أو الارتباط بتنظيمات قد تُفسَّر لاحقًا بصورة فضفاضة. كما لا تزال مسألة وضع عبد الله أوجلان، السجين منذ 1999، من أبرز العقد في هذا المسار، خصوصًا مع مطالب من أطراف كردية بمنحه دورًا أو وضعًا يتيح له المساهمة في إدارة الانتقال السياسي.

هل توقف التهديدات عملية السلام؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات موثقة على انهيار العملية بالكامل، لكن الرسائل الصادرة من المعسكر الكردي توضح أن الاستمرار ليس مضمونًا من دون خطوات تكميلية. بعبارة أخرى، القانون فتح الباب قانونيًا، لكنه لم يغلق الملف سياسيًا. وهذا الفارق مهم جدًا، لأن أي عملية من هذا النوع لا تنجح بالسلاح والقانون فقط، بل تحتاج أيضًا إلى حد أدنى من الثقة المتبادلة.

ماذا يحدث ميدانيًا في قنديل وشمال العراق؟

التطور الأبرز على الأرض هو انتقال التركيز إلى شمال العراق، ولا سيما المناطق المرتبطة بوجود الحزب في جبال قنديل. ووفق تقارير منشورة أواخر أغسطس 2026، فإن الترتيبات التالية للقانون تشمل التحقق من تسليم السلاح تحت رقابة ومتابعة أمنية، مع تنسيق بين جهاز الاستخبارات التركي والسلطات في بغداد وحكومة إقليم كردستان العراق.

هذه النقطة بالذات تعطي الملف بعدًا عربيًا وإقليميًا مباشرًا. فالعراق ليس مجرد ساحة خلفية، بل طرف يتأثر أمنيًا وسياديًا بأي تسوية أو تعثر. وإذا نجحت آلية الإخلاء ونزع السلاح في شمال العراق، فقد ينعكس ذلك على مستوى التوتر على الحدود التركية العراقية، وعلى طبيعة الحضور العسكري التركي في بعض المناطق الحدودية.

انعكاسات محتملة على سوريا والمنطقة

ترى تقارير دولية أن نتائج هذا المسار قد تمتد أيضًا إلى سوريا، لأن أي تحول في علاقة أنقرة بحزب العمال الكردستاني يمكن أن يؤثر على حسابات الفصائل الكردية السورية المرتبطة به أو المتهمة بالارتباط به. ولهذا تُتابَع العملية ليس فقط في أنقرة وأربيل وبغداد، بل أيضًا في دوائر إقليمية أوسع تنظر إلى الملف باعتباره جزءًا من إعادة ترتيب موازين القوى في المشرق.

وبالنسبة للمنطقة العربية، فإن نجاح المسار قد يخفف منسوب الصراع عبر الحدود، بينما فشله قد يعيد التصعيد إلى الواجهة ويفتح باب جولات جديدة من العمليات العسكرية التركية داخل الأراضي العراقية، وهو سيناريو يحمل كلفة سياسية وأمنية على عدة عواصم.

العقدة الأساسية: الأمن أولًا أم السياسة أولًا؟

الاختبار الحقيقي الآن يتمثل في ترتيب الأولويات. أنقرة تقول بوضوح إن نزع السلاح والتحقق الأمني هما نقطة البداية. أما الأطراف الكردية فتقول إن الإصلاحات الديمقراطية والضمانات السياسية يجب أن تسير بالتوازي، لا أن تُرحَّل إلى ما بعد التفكيك الكامل.

هذا التباين هو الذي يفسر حدة التصعيد الكلامي في الأسابيع الأخيرة. فالقانون منح الدولة التركية إطارًا تنفيذيًا واضحًا، لكنه لم يبدد كل المخاوف الكردية. وفي المقابل، لم تعد الحكومة التركية مستعدة للعودة إلى صيغ فضفاضة سبق أن تعثرت في جولات سابقة من التفاوض.

ما الذي يمكن ترقبه في المرحلة المقبلة؟

  • أولًا: صدور تقييمات أمنية رسمية بشأن مدى التزام الحزب بتسليم السلاح وإنهاء البنية المسلحة.
  • ثانيًا: اتضاح الدور العراقي، خصوصًا في إدارة مواقع التسليم والإخلاء داخل شمال العراق.
  • ثالثًا: متابعة ما إذا كانت أنقرة ستقدم حزمة سياسية أو حقوقية موازية لخفض التوتر مع المعسكر الكردي.
  • رابعًا: مراقبة موقع عبد الله أوجلان في المعادلة المقبلة، حتى لو ظل خارج الاستفادة المباشرة من القانون الحالي.

الخلاصة أن القانون الإطاري التركي فتح مسارًا جديدًا بالفعل، لكنه لم يحسم الصراع بين مقاربة أمنية تريد إنهاء السلاح أولًا، ومقاربة سياسية تطالب بضمانات أوسع قبل إغلاق صفحة المواجهة. وبين قنديل وأنقرة، تبدو المنطقة أمام مرحلة دقيقة قد تصنع تهدئة تاريخية، أو تكشف حدود التسوية قبل أن تكتمل.