القاهرة تختتم منتدى غايا 2026 بدفع مصري للاقتصاد الدائري
القاهرة تستضيف المحطة الختامية لمنتدى غايا 2026
اختتمت القاهرة فعاليات اليوم الثالث والأخير من منتدى غايا للاقتصاد الدائري 2026، في حدث استضافته وزارة التنمية المحلية والبيئة يوم 12 أكتوبر 2026 داخل المركز الثقافي البيئي التعليمي بيت القاهرة في الفسطاط، بعد يومين من المناقشات التي سبقت هذا اليوم في العاصمة اليونانية أثينا. وجاءت الاستضافة المصرية بالتعاون مع المنظمة الأوروبية للقانون العام EPLO، وبدعم من برنامج الأمم المتحدة للبيئة – خطة عمل البحر المتوسط UNEP/MAP، في إطار حوار متوسطي أوسع حول الاقتصاد الدائري والاستدامة وإدارة الموارد بكفاءة.
أهمية هذه النسخة لا ترتبط فقط بكونها تجمع خبراء ومسؤولين من مصر ودول المتوسط، بل أيضًا لأنها تأتي في توقيت تتصدر فيه القاهرة جزءًا مهمًا من أجندة التعاون البيئي الإقليمي، مع تنامي الاهتمام بربط ملفات الاقتصاد الأخضر والاقتصاد الأزرق وتمكين المرأة بسياسات التنمية المحلية وفرص الاستثمار.
ما الذي ناقشه المنتدى في يومه الختامي؟
بحسب ما أعلنته الجهات المنظمة، افتتح الفعاليات المهندس شريف عبد الرحيم، الرئيس التنفيذي لجهاز شؤون البيئة، نيابة عن الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، وشارك في الافتتاح عدد من المسؤولين والخبراء، من بينهم المستشارة أمل عمار رئيسة المجلس القومي للمرأة. وركز برنامج القاهرة على مسارين رئيسيين: تعزيز دور المرأة في التنمية المستدامة، ودعم التحول نحو الاقتصاد الأزرق في البحر المتوسط.
الجلسة الأولى تناولت موقع المرأة داخل التحول الاقتصادي الجديد، ليس فقط باعتبارها مستفيدة من برامج التنمية، وإنما باعتبارها طرفًا فاعلًا في قيادة المشروعات المستدامة، وريادة الأعمال، وسلاسل القيمة المرتبطة بالاقتصاد الأخضر والدائري. أما الجلسة الثانية فركزت على سلاسل القيمة الدائرية الزرقاء، والتخطيط المكاني البحري، وحوكمة السواحل، والتحديات البيئية المرتبطة بحماية الساحل المصري على البحر المتوسط.
وشارك في هذه المناقشات متحدثون من مصر ودول متوسطية، من بينهم الدكتورة هبة شعراوي، رئيس الإدارة المركزية للسواحل والبحيرات والموانئ ونقطة الاتصال الوطنية لاتفاقية برشلونة، إلى جانب خبراء أكاديميين ومسؤولين معنيين بملفات البيئة البحرية والتنمية المستدامة.
لماذا يحمل الحدث أهمية خاصة لمصر؟
الزاوية المصرية في هذا المنتدى بدت واضحة؛ فالحدث يأتي بعد استضافة القاهرة في ديسمبر 2025 لمؤتمر الأطراف الرابع والعشرين لاتفاقية برشلونة وبروتوكولاتها، وهو الاجتماع الذي جمع نحو 600 مشارك من 21 دولة متوسطية إلى جانب الاتحاد الأوروبي ووكالات أممية ومؤسسات مجتمع مدني، وفق بيانات منصة المنتدى. كما تتولى مصر منذ ذلك الحين رئاسة اتفاقية برشلونة ومكتب الأطراف المتعاقدة للفترة 2026-2027، وهو ما يمنح القاهرة ثقلًا إضافيًا في صياغة أولويات العمل البيئي المتوسطي خلال هذه المرحلة.
هذا السياق يفسر لماذا حرصت وزارة التنمية المحلية والبيئة على استضافة ختام المنتدى في الفسطاط تحديدًا؛ إذ تحاول الدولة تقديم صورة تربط بين الإدارة المحلية والتحول الأخضر والشراكات الدولية، خاصة مع الملفات ذات الصلة بإدارة المخلفات، وحماية السواحل، والتنمية الحضرية المستدامة، ورفع كفاءة استخدام الموارد.
الاقتصاد الأزرق.. ملف يتقدم في الأجندة المصرية
اللافت في نسخة 2026 من منتدى غايا هو الحضور القوي لمفهوم الاقتصاد الأزرق، وهو مفهوم يتجاوز الأنشطة البحرية التقليدية ليشمل الإدارة المستدامة للموارد الساحلية والبحرية، والنقل، والسياحة البيئية، والطاقة، ومكافحة التلوث، وحماية النظم البيئية. بالنسبة لمصر، يكتسب هذا الطرح وزنًا أكبر بحكم امتدادها على البحرين المتوسط والأحمر، وارتباط عدد من القطاعات الاقتصادية مباشرة بصحة البيئة البحرية.
المنتدى أشار أيضًا إلى أن حماية المتوسط لم تعد ملفًا بيئيًا منفصلًا، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالاستثمار والأمن الغذائي وفرص العمل. ومن هنا جاءت مناقشة موضوعات مثل التخطيط المكاني البحري وسلاسل القيمة الزرقاء الدائرية، وهي قضايا تمس بشكل مباشر المدن الساحلية المصرية وما يرتبط بها من تنمية وموانئ وصناعة وسياحة.
تمكين المرأة داخل التحول الأخضر
في الشق الاجتماعي والاقتصادي، برزت رسالة واضحة خلال جلسات القاهرة: التحول المستدام لن يكتمل من دون دمج المرأة في التمويل والإنتاج واتخاذ القرار. المستشارة أمل عمار شددت خلال المنتدى على أن الاقتصاد الأخضر والدائري والأزرق يفتح مجالات جديدة للعمل والاستثمار، وأن ربط المشروعات المستدامة باحتياجات السوق وإتاحة التكنولوجيا والتمويل سيحدد قدرة هذه المبادرات على الاستمرار والنمو.
هذا الطرح ينسجم مع توجهات مصر المعلنة في الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030، كما ينسجم مع التوسع في إدماج البعد الاجتماعي داخل برامج الاستدامة، بحيث لا تقتصر العوائد على الأثر البيئي فقط، بل تمتد إلى خلق وظائف وتحسين دخل الأسر ودعم الاقتصاد المحلي في المحافظات.
بيت القاهرة في الفسطاط.. موقع رمزي للرسالة البيئية
اختيار بيت القاهرة في الفسطاط كمقر لليوم الختامي لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا. فالمركز يُستخدم في عدد من الفعاليات والأنشطة المرتبطة بالتوعية البيئية وبناء القدرات، كما استضاف خلال 2026 فعاليات رسمية ناقشت إدارة المخلفات الإلكترونية والتحول الأخضر. ومن ثم، فإن احتضان ختام المنتدى داخل هذا الفضاء ينسجم مع الرسالة التي أرادت القاهرة إبرازها: أن الاستدامة ليست عنوانًا دوليًا فقط، بل ممارسة مرتبطة بالمؤسسات المحلية، والتعليم، والتخطيط الحضري، والعمل التنفيذي على الأرض.
ما الذي يمكن أن يخرج به القارئ المصري من المنتدى؟
بعيدًا عن العناوين الدبلوماسية، يطرح منتدى غايا 2026 سؤالًا عمليًا مهمًا: كيف يمكن تحويل مفاهيم مثل الاقتصاد الدائري والاقتصاد الأزرق إلى فرص ملموسة في مصر؟ الإجابة التي حملتها جلسات القاهرة تدور حول عدة نقاط أساسية:
- توسيع الشراكات بين الحكومة والمنظمات الدولية والقطاع الخاص والجامعات.
- الاستثمار في الابتكار لإدارة الموارد والمخلفات بصورة أكثر كفاءة.
- تطوير الحوكمة الساحلية لحماية البحر المتوسط وتقليل الضغوط البيئية.
- تمكين المرأة داخل المشروعات المرتبطة بالتحول الأخضر.
- ربط الاستدامة بالاقتصاد المحلي وليس التعامل معها كملف نظري أو نخبوي فقط.
وفي ظل رئاسة مصر الحالية لاتفاقية برشلونة، تبدو مثل هذه الفعاليات فرصة لإبراز الدور المصري في صياغة أجندة متوسطية أكثر التصاقًا بقضايا التمويل المناخي، وحماية السواحل، وتدوير الموارد، والانتقال من الخطط العامة إلى التطبيقات القابلة للقياس.
خلاصة المشهد
ختام منتدى غايا للاقتصاد الدائري 2026 في القاهرة يعكس رغبة مصر في تثبيت موقعها كطرف فاعل في ملفات البيئة والتنمية المستدامة على مستوى المتوسط، لا سيما مع الدمج المؤسسي القائم بين التنمية المحلية والبيئة، ومع تصاعد أهمية قضايا السواحل والمخلفات والاقتصاد الأزرق. وبينما تبقى التحديات التنفيذية كبيرة، فإن الرسالة الأساسية للمنتدى كانت واضحة: الاستدامة لم تعد رفاهية خطابية، بل مسار اقتصادي وتنموي تتقاطع فيه البيئة مع الاستثمار وفرص العمل والحوكمة المحلية.