الكونجرس يسقط تعديلاً لوقف تمويل إسرائيل رغم انقسام ديمقراطي
تصويت أمريكي يكشف اتساع الخلاف حول دعم إسرائيل
أسقط مجلس النواب الأمريكي تعديلاً كان سيمنع تخصيص أموال لإسرائيل ضمن مشروع قانون اعتمادات يتعلق بوزارة الخارجية والأمن القومي والبرامج المرتبطة بهما، بعدما صوّتت الأغلبية ضد المقترح بنتيجة 314 صوتاً مقابل 104. التعديل قدّمه النائب الجمهوري عن ولاية كنتاكي توماس ماسي على مشروع القانون H.R. 8595، وهو مشروع موازنة للسنة المالية 2027 يتضمن، بحسب وثائق لجنة القواعد في مجلس النواب، بنداً يخص 3.3 مليارات دولار في صورة منح تمويل عسكري خارجي لإسرائيل.
ورغم أن النتيجة النهائية جاءت حاسمة لمصلحة إسقاط التعديل، فإن التصويت حمل دلالة سياسية أوسع من مجرد هزيمة إجراء تشريعي. فقد أظهرت المواقف المعلنة لعدد من النواب الديمقراطيين أن ملف المساعدات الأمريكية لإسرائيل لم يعد يحظى بالإجماع نفسه داخل الحزب، خصوصاً مع استمرار الحرب في قطاع غزة وتزايد الانتقادات الأمريكية لسلوك حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ما الذي كان يستهدفه تعديل ماسي؟
وفق النص الذي أتاحته لجنة القواعد في مجلس النواب، سعى تعديل ماسي إلى حظر استخدام الأموال المعتمدة في مشروع القانون لصالح إسرائيل، وهو ما كان سيؤدي عملياً إلى شطب التمويل العسكري الخارجي الوارد في المشروع. وتوضح بيانات صادرة عن نواب أمريكيين أيدوا التعديل أن جوهره كان يدور حول وقف 3.3 مليارات دولار من التمويل المخصص لإسرائيل ضمن الموازنة السنوية.
ماسي معروف داخل الكونجرس بمواقفه المتشددة ضد أشكال متعددة من الإنفاق الخارجي، لكن هذه الجولة اكتسبت زخماً إضافياً لأن التعديل جاء في لحظة تشهد فيها واشنطن جدلاً متصاعداً بشأن حدود الدعم الأمريكي لإسرائيل، خاصة في ظل الخسائر البشرية الواسعة في غزة والضغوط الدولية المتزايدة لوقف الحرب وتوسيع دخول المساعدات الإنسانية.
الانقسام الديمقراطي بات أكثر وضوحاً
اللافت في التصويت لم يكن فقط سقوط التعديل، بل حجم التأييد الذي حظي به من داخل المعسكر الديمقراطي. تقارير أمريكية ومواقف منشورة لعدد من النواب تشير إلى أن أكثر من مئة نائب ديمقراطي صوّتوا لمصلحة الإجراء أو دعموه سياسياً، في تطور يعكس تغيراً تدريجياً داخل الحزب تجاه العلاقة مع إسرائيل، بعدما كانت المساعدات العسكرية تمر في العادة بتوافق واسع بين الحزبين.
ومن بين النواب الذين أعلنوا تأييدهم للتعديل أو شرحوا تصويتهم لصالحه، النائبان الديمقراطيان سيث مولتون وديف مين، إذ ربطوا موقفهم بالاعتراض على استمرار استخدام أموال دافعي الضرائب الأمريكيين في دعم عمليات عسكرية يرون أنها تسببت في سقوط أعداد كبيرة من المدنيين. في المقابل، عارض قادة ديمقراطيون آخرون التعديل، معتبرين أنه صيغ بصورة واسعة لا تميز بين المساعدات العسكرية وأوجه التمويل الأخرى، كما قد يقيّد أدوات السياسة الأمريكية في المنطقة.
لماذا يهم هذا التصويت المنطقة العربية؟
من منظور عربي، لا يقتصر هذا التطور على كونه شأناً أمريكياً داخلياً. فالمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل تمثل أحد الأعمدة الأساسية في ميزان القوة الإقليمي، وأي نقاش جدي داخل الكونجرس حول تقليصها أو إعادة تقييدها ينعكس مباشرة على ملفات الحرب والتهدئة وإعادة الإعمار ومستقبل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط.
وبالنسبة إلى القارئ المصري، يكتسب الملف حساسية إضافية بسبب الارتباط المباشر بين الحرب في غزة وأمن الحدود المصرية، ومسارات الوساطة، وضغط المساعدات الإنسانية، فضلاً عن تأثيرات الصراع على الاستقرار الإقليمي في شرق المتوسط والبحر الأحمر. لذلك فإن اتساع الانقسام داخل واشنطن حول تمويل إسرائيل ليس مجرد تفصيل برلماني، بل مؤشر مهم على كيفية تطور الموقف الأمريكي من الحرب والمرحلة التالية لها.
غزة في قلب الجدل داخل واشنطن
منذ اندلاع الحرب بعد هجوم 7 أكتوبر 2023، تحولت مسألة الدعم الأمريكي لإسرائيل إلى نقطة اشتباك متكررة في السياسة الأمريكية. وبينما استمر التيار التقليدي في الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الدفاع عن استمرار الدعم الأمني لتل أبيب، برز تيار آخر، خاصة بين الديمقراطيين، يطالب بربط المساعدات بشروط تتعلق بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي وتسهيل وصول الإغاثة.
هذا التحول لا يعني أن الكونجرس بصدد وقف الدعم الأمريكي لإسرائيل قريباً، فنتيجة التصويت الأخيرة تظهر أن الأغلبية لا تزال ترفض الذهاب إلى هذه الخطوة. لكن الرسالة السياسية الأهم أن النقاش انتقل من هامش الحياة البرلمانية الأمريكية إلى صلبها، وأن الاعتراض على المساعدات لم يعد مقتصراً على عدد محدود من النواب التقدميين، بل بات يجد صدى أوسع داخل الحزب الديمقراطي نفسه.
ماذا تكشف نتيجة 314 مقابل 104؟
الرقم الكبير الرافض للتعديل يؤكد أن المؤسسة التشريعية الأمريكية ما زالت بعيدة عن تبني قرار شامل بوقف الدعم لإسرائيل. ومع ذلك، فإن حصول المقترح على 104 أصوات في مجلس النواب يعد رقماً يصعب تجاهله سياسياً، خصوصاً أنه يرتبط بواحد من أكثر ملفات الشرق الأوسط حساسية في واشنطن.
النتيجة تكشف أيضاً أن الإدارة الأمريكية وأطرافاً مؤثرة في الكونجرس لا تزال ترى في المساعدات لإسرائيل جزءاً من التزامات استراتيجية أوسع، لكن مساحة الاعتراض تتسع تحت ضغط صور الحرب في غزة والجدل المتصاعد داخل المجتمع الأمريكي، ولا سيما بين الناخبين الشباب وبعض القواعد الديمقراطية.
أبرز ما يمكن استخلاصه من التصويت
- التعديل فشل رسمياً داخل مجلس النواب بنتيجة 314 مقابل 104.
- توماس ماسي قاد المبادرة عبر تعديل على مشروع قانون اعتمادات الخارجية والأمن القومي.
- 3.3 مليارات دولار هي القيمة المرتبطة بالتمويل العسكري الخارجي لإسرائيل في المشروع.
- الحزب الديمقراطي أظهر انقساماً ملحوظاً بشأن طريقة التعامل مع الدعم الأمريكي لتل أبيب.
- الحرب في غزة كانت الخلفية الرئيسية التي دفعت هذا الجدل إلى الواجهة.
هل يتكرر المشهد مستقبلاً؟
من المستبعد، في المدى القريب، أن ينجح الكونجرس في تمرير إجراء شامل يوقف المساعدات الأمريكية لإسرائيل دفعة واحدة. لكن المؤكد أن التصويت الأخير لن يكون نهاية النقاش. فكل جولة موازنة جديدة، وكل تصعيد ميداني في غزة أو المنطقة، يمكن أن يعيد الملف إلى قاعة مجلس النواب، وربما بدرجة استقطاب أكبر.
وبالنسبة إلى المنطقة العربية، فإن متابعة هذا المسار باتت ضرورية، لأن تغير المزاج السياسي داخل واشنطن، ولو تدريجياً، قد ينعكس لاحقاً على شروط المساعدات، أو على وتيرة إقرارها، أو على طبيعة الضغوط الأمريكية الموجهة إلى الحكومة الإسرائيلية. وبين سقوط التعديل اليوم واحتمال عودته بصيغ مختلفة مستقبلاً، يبقى الثابت أن الدعم الأمريكي لإسرائيل لم يعد موضوعاً محسوماً سياسياً كما كان في السنوات السابقة.