Akhbar Cairo

الكويت بين نيران الرد الإيراني وحسابات الأمن الخليجي

الكويت في قلب موجة التصعيد الإقليمي

حين أعلنت السلطات الكويتية، يوم الاثنين 23 يونيو/حزيران 2025، نفي ما تردد عن تعرض إحدى القواعد الجوية لهجوم صاروخي، كانت الرسالة الأساسية آنذاك هي التمسك بالمعلومة الرسمية واحتواء الشائعات في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. لكن المشهد تبدّل لاحقًا مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وعودة الكويت لتظهر مجددًا في واجهة الحدث بوصفها دولة خليجية تجد نفسها، بحكم الجغرافيا والتحالفات، داخل دائرة التهديد لا خارجها.

المعطى الأهم في القصة ليس فقط ما إذا كانت المقذوفات أو الطائرات المسيّرة قد أصابت هدفًا داخل الأراضي الكويتية، بل ما يكشفه ذلك عن طبيعة البيئة الأمنية الجديدة في الخليج. فالكويت، التي طالما قدّمت نفسها باعتبارها دولة تميل إلى التهدئة والدبلوماسية، باتت مضطرة إلى إدارة معادلة أكثر تعقيدًا: كيف تحافظ على سيادتها وتُطمئن الداخل، من دون أن تنزلق إلى خطاب تصعيدي يزيد اشتعال الإقليم.

ماذا قالت المصادر الرسمية الكويتية؟

المؤكد من المصادر الرسمية أن رئاسة الأركان العامة للجيش الكويتي نفت في 23 يونيو/حزيران 2025 صحة ما تم تداوله بشأن تعرض إحدى القواعد الجوية لهجوم صاروخي، وأكدت في ذلك اليوم سلامة سيادة أراضي الدولة من أي انتهاك أو هجوم، داعية إلى تلقي المعلومات من الجهات المعتمدة فقط.

لكن في موجات لاحقة من التوتر، أصدرت الجهات الكويتية بيانات أكثر حدة. ففي 28 فبراير/شباط 2026 أدانت وزارة الخارجية الكويتية ما وصفته بهجوم إيراني استهدف الأراضي الكويتية، وأكدت حق البلاد في الدفاع عن نفسها بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. كما شدد مجلس الوزراء الكويتي في اليوم نفسه على الجاهزية الكاملة لحماية السيادة الوطنية، وأعلن تضامنه مع دول خليجية وعربية أخرى قالت الكويت إنها تعرضت لهجمات مماثلة.

الأكثر تفصيلًا جاء في بيان المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع الكويتية العقيد الركن سعود عبدالعزيز العطوان، المنشور في 8 مارس/آذار 2026، والذي ذكر أن القوات المسلحة الكويتية تصدت منذ 6 مارس/آذار لموجة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة القادمة من إيران، موضحًا اعتراض وتدمير 12 طائرة مسيّرة في شمال ووسط البلاد و14 صاروخًا في جنوبها، وأن الأضرار اقتصرت على خسائر مادية ناجمة عن شظايا.

بين النفي الأول وبيانات الاعتراض اللاحقة

هذا التفاوت بين بيان النفي في يونيو/حزيران 2025 والبيانات اللاحقة في 2026 لا يعني بالضرورة وجود تناقض، بقدر ما يعكس اختلاف اللحظة الميدانية. ففي بداية الأزمة، بدا أن الكويت كانت حريصة على منع تضخم روايات غير مؤكدة على منصات التواصل الاجتماعي. أما لاحقًا، ومع اتساع الاشتباك الإقليمي ووصوله إلى أكثر من دولة خليجية، أصبح الإعلان عن التصدي العسكري جزءًا من إدارة الردع وطمأنة الرأي العام في آن واحد.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الخطاب الكويتي باعتباره انتقل من مرحلة احتواء الشائعة إلى مرحلة إدارة التهديد المعلن. هذا التحول مهم سياسيًا، لأنه يوضح كيف تجد الدول الصغيرة نسبيًا نفسها مضطرة إلى تحديث خطابها الأمني كلما اقتربت النار من حدودها.

لماذا تكتسب الكويت حساسية خاصة في أي مواجهة أمريكية-إيرانية؟

الكويت ليست مجرد دولة مجاورة لبؤرة التوتر، بل هي أيضًا جزء من البنية الاستراتيجية الأمريكية في الخليج. وجود شراكات دفاعية وعسكرية بين الكويت وواشنطن يجعلها، في نظر خصوم الولايات المتحدة، جزءًا من المجال اللوجستي الأوسع الذي يُمكن أن يُستهدف سياسيًا أو عسكريًا عند انفجار المواجهة.

هذا لا يعني بالضرورة أن الكويت طرف مباشر في كل عملية عسكرية أمريكية، بل إن وكالة الأنباء الكويتية نقلت في 17 يونيو/حزيران 2025 عن السفارة الأمريكية في الكويت تأكيدها أن واشنطن لم تشارك من الكويت في ضربة عسكرية ضد إيران، مع دعوة الرعايا الأمريكيين إلى متابعة الإرشادات الأمنية. لكن حتى مع مثل هذه التوضيحات، تظل الجغرافيا والتحالفات كافيتين لوضع الكويت في نطاق المخاطر.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذه النقطة تتجاوز حدود الخليج نفسها. فاستقرار الكويت جزء من استقرار منظومة الطاقة وحركة التجارة والعمالة العربية والتحويلات والاستثمارات داخل الإقليم، وأي اضطراب واسع في الممرات القريبة من الخليج ينعكس على أسواق المنطقة كلها، من بينها السوق المصرية.

هل نحن أمام تغيير في قواعد الاشتباك؟

المؤشرات المتاحة توحي بأن قواعد الاشتباك القديمة لم تعد مستقرة كما كانت. في السابق، كانت الرسائل العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران تمر غالبًا عبر ساحات وسيطة أو عمليات محسوبة الإيقاع. أما الآن، فإن امتداد التهديد إلى أجواء ومجالات دول خليجية، بينها الكويت وقطر والبحرين وفق تقارير وبيانات رسمية متعاقبة، يكشف أن هامش الفصل بين ساحات الصراع بات أضيق بكثير.

هذا التطور يفرض على الكويت معادلة صعبة:

  • أولًا: تعزيز الدفاعات الجوية والإنذار المبكر بصورة مستمرة.
  • ثانيًا: الحفاظ على قنوات سياسية مفتوحة تمنع تحولها إلى ساحة مواجهة مباشرة.
  • ثالثًا: إدارة الرأي العام داخليًا عبر معلومات دقيقة وسريعة تمنع الذعر وتحد من الشائعات.

وتكشف التجربة الأخيرة أن الكويت تميل إلى الجمع بين الأداتين: الصرامة الدفاعية في الميدان، والحذر السياسي في الخطاب. وهذا نهج مفهوم لدولة تعرف أن موقعها الاستراتيجي يمنحها أهمية كبيرة، لكنه يعرّضها أيضًا لمخاطر أكبر كلما تصاعدت النار بين واشنطن وطهران.

الرسالة الأهم: أمن الخليج لم يعد شأنًا محليًا

الحدث الكويتي، مهما اختلفت تفاصيله الميدانية من موجة إلى أخرى، يقول شيئًا أوسع من مجرد اعتراض صاروخ أو إسقاط مسيّرة. إنه يوضح أن الأمن الخليجي بات متداخلًا على نحو يجعل أي ضربة أمريكية على إيران، أو أي رد إيراني عليها، قابلة لإنتاج ارتدادات مباشرة على دول ليست طرفًا معلنًا في الاشتباك.

ومن هنا، فإن القراءة التحليلية لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال: هل وقعت أضرار أم لا؟ الأهم هو أن مجرد اضطرار الكويت إلى تفعيل دفاعاتها الجوية، أو إصدار بيانات متكررة لنفي الهجمات أو تأكيد التصدي لها، يعني أن المنطقة دخلت مرحلة يكون فيها الردع الوقائي جزءًا من الحياة اليومية، لا مجرد تدبير استثنائي.

خلاصة المشهد

الكويت لا تبحث عن دور صدامي، لكنها تجد نفسها في بيئة إقليمية تتآكل فيها المسافات الآمنة. وبين نفي الهجمات في 23 يونيو/حزيران 2025، والإدانة الرسمية للهجمات الإيرانية في 28 فبراير/شباط 2026، ثم الإعلان العسكري المفصل في 8 مارس/آذار 2026 عن اعتراض صواريخ وطائرات مسيّرة، تتشكل صورة أكثر وضوحًا: الدولة الخليجية الصغيرة تحاول أن تمنع انتقال الحرب إلى داخلها، لكنها في الوقت نفسه تستعد لأسوأ الاحتمالات.

بالنسبة لمصر والمنطقة العربية عمومًا، فإن ما يحدث في الكويت ليس خبرًا خليجيًا عابرًا، بل مؤشرًا على مستوى الهشاشة الذي وصل إليه الإقليم. وكلما غابت التسويات السياسية، زادت احتمالات أن تصبح السماء الخليجية ساحة يومية للرسائل النارية، بما يحمله ذلك من أخطار على الأمن والاقتصاد والاستقرار العربي الأوسع.