الكويت تصعّد لهجتها ضد إيران بعد استهداف منشآت حيوية
تصعيد كويتي في مواجهة استهداف المنشآت الحيوية
أعادت الكويت التشديد على موقفها الحازم من الهجمات التي طالت منشآت حيوية ومدنية داخل أراضيها، معتبرة أن تكرار هذه العمليات المنسوبة إلى إيران يعكس نهجا عدائيا ممنهجا لا يمكن التعامل معه باعتباره حادثا عابرا أو تطورا معزولا. ويأتي هذا الموقف في سياق إقليمي بالغ الحساسية، مع تصاعد المخاوف في الخليج من انتقال التوترات العسكرية إلى البنية التحتية المدنية ومرافق الطاقة والخدمات الأساسية.
وبحسب ما نشرته وزارة الخارجية الكويتية في بياناتها الرسمية خلال يوليو 2026، فقد أدانت الكويت بأشد العبارات ما وصفته بالعدوان الإيراني الذي استهدف أراضي البلاد، وأشارت في أحد بياناتها الصادرة يوم 18 يوليو 2026 إلى أن الاعتداء طال محطة من محطات القوى الكهربائية وتقطير المياه، وهو ما يرفع مستوى القلق من استهداف مرافق تمس حياة السكان اليومية مباشرة، وليس فقط المنشآت ذات الطابع العسكري أو الأمني.
منشآت مدنية في قلب الأزمة
اللافت في الخطاب الكويتي الأخير أن التركيز لم يعد مقتصرا على البعد السيادي أو القانوني، بل امتد إلى خطورة المساس بالمنشآت الحيوية التي يعتمد عليها المواطنون والمقيمون، مثل الكهرباء والمياه. وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة بالنسبة للقارئ المصري، لأن استهداف بنية الخدمات الأساسية في أي دولة عربية لا يهدد حدودها وحدها، بل ينعكس على استقرار المنطقة ككل، خصوصا في الممرات المرتبطة بالطاقة والتجارة والأمن البحري.
كما أن الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية وصفت في بيان صدر يوم 18 يوليو 2026 الهجمات الإيرانية على البحرين والكويت والأردن بأنها استهدفت البنى التحتية والمنشآت المدنية، وأكدت أن ذلك أسفر عن إصابة عدد من العاملين المدنيين في الكويت. هذا التوصيف الخليجي يعطي بعدا إضافيا للأزمة، لأنه يتعامل مع الواقعة باعتبارها تهديدا مباشرا للمدنيين والمنشآت الخدمية، لا مجرد تبادل رسائل عسكرية.
ماذا قالت الكويت رسميا؟
في البيانات الرسمية التي نشرتها الخارجية الكويتية خلال الأسابيع الماضية، بدا واضحا أن الكويت تتجه إلى تثبيت رواية سياسية وقانونية متماسكة تقوم على عدة عناصر: إدانة الهجمات، تحميل إيران مسؤولية التصعيد، التشديد على حماية السيادة، والدعوة إلى وقف التدهور الإقليمي. كما شددت السلطات الكويتية في بيانات سابقة على ضرورة استقاء المعلومات من المصادر الرسمية، في ظل أجواء مشحونة تتسع فيها الشائعات بسرعة مع كل تطور أمني.
ويظهر من المتابعة الرسمية أن الملف لم يعد محصورا في وزارة الخارجية فقط، إذ أصدر مجلس الوزراء الكويتي في 28 فبراير 2026 بيانا دان فيه الهجوم الإيراني الذي استهدف المجال الجوي وأراضي الكويت، مؤكدا حق الدولة في الدفاع عن نفسها وفقا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. وفي البيان نفسه، أعلنت الكويت تضامنها مع دول خليجية وأخرى عربية تعرضت لهجمات مماثلة، وهو ما يكشف أن الكويت تنظر إلى التطورات ضمن إطار أمني جماعي أوسع.
دعم خليجي ورسائل ردع جماعية
الموقف الكويتي لم يأت منفردا. ففي 10 يونيو 2026، أصدر المجلس الوزاري لمجلس التعاون الخليجي في المنامة بيانا أكد فيه أن العدوان الإيراني في ذلك اليوم شمل البحرين والكويت والأردن، محملا طهران المسؤولية الكاملة عن التداعيات الخطيرة على أمن المنطقة والملاحة الدولية وإمدادات الطاقة. كما شدد البيان على حق دول المجلس في الدفاع عن نفسها بكل الوسائل المشروعة.
كذلك أدان الأمين العام لمجلس التعاون جاسم محمد البديوي في أكثر من مناسبة الهجمات التي طالت دولا خليجية، معتبرا أن استهداف أراضي ومنشآت دول المجلس يمثل خرقا واضحا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حسن الجوار. وبالنسبة لمصر، فإن هذا البعد الجماعي مهم لأن استقرار الخليج يرتبط مباشرة بأسواق الطاقة وحركة التجارة وتحويلات العمالة العربية، وهي ملفات لها امتدادات عملية على الاقتصاد الإقليمي.
لماذا تثير المنشآت الحيوية كل هذا القلق؟
استهداف المنشآت الحيوية يختلف جذريا عن استهداف المواقع العسكرية التقليدية. فالمساس بمحطات الكهرباء أو المياه أو البنية المدنية يفتح الباب أمام اضطرابات إنسانية واقتصادية واسعة، ويضاعف كلفة أي تصعيد. في دول الخليج، حيث ترتبط دورة الحياة اليومية بشبكات طاقة وتحلية وموانئ وخدمات شديدة الحساسية، فإن أي ضربة من هذا النوع تحمل رسائل ضغط تتجاوز ساحة المعركة المباشرة.
- أولا: تهديد الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه.
- ثانيا: رفع كلفة التأمين على المنشآت والملاحة والطاقة.
- ثالثا: توسيع دائرة القلق لدى المستثمرين والأسواق.
- رابعا: زيادة احتمالات الرد الجماعي أو توسيع نطاق التصعيد.
ومن هنا يمكن فهم سبب استخدام الكويت لعبارات حادة عند الحديث عن تكرار الاستهداف، إذ إن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بخطاب دبلوماسي، بل بأمن مجتمعي وخدمي يمس الدولة الحديثة في عمقها.
خلفية إقليمية معقدة
التوتر الراهن يأتي بعد سلسلة من المواقف المتناقضة في علاقة الكويت بالأزمة الإقليمية المحيطة بإيران. ففي 13 يونيو 2025، كانت الكويت قد أدانت الهجمات الإسرائيلية على إيران، واعتبرتها انتهاكا صارخا للقوانين والمواثيق الدولية، كما جددت لاحقا في 22 يونيو 2025 قلقها من استهداف منشآت نووية داخل إيران. هذا يعني أن الخطاب الكويتي، من حيث المبدأ، ينطلق من رفض توسيع الحرب أيا كان مصدرها، لكنه في الوقت نفسه يتشدد بشدة عندما تنتقل الهجمات إلى أراضيه أو إلى منشآته المدنية.
هذه الازدواجية ليست تناقضا بقدر ما تعكس ثوابت السياسة الكويتية التقليدية: دعم الاستقرار، رفض انتهاك السيادة، وتجنب تحويل الخليج إلى ساحة حرب مفتوحة. لكن مع تطور الاعتداءات الأخيرة، بدا أن هامش التهدئة الدبلوماسية يضيق، وأن أولوية حماية الداخل الكويتي تتقدم على أي اعتبارات أخرى.
ما الذي يعنيه ذلك إقليميا؟
إذا استمر استهداف المنشآت الحيوية في الخليج، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة أكثر حساسية، ليس فقط سياسيا بل اقتصاديا أيضا. فالكويت دولة محورية داخل المنظومة الخليجية، وأي تهديد لمرافقها الخدمية أو منشآتها السيادية ينعكس على معادلات الردع الإقليمي. كما أن تكرار الهجمات ضد أكثر من دولة عربية يرفع من احتمالات تنسيق أمني وسياسي أوسع تحت مظلة مجلس التعاون، مع مطالبات أشد حضورا بتحرك دولي رادع.
ومن منظور مصري، تبقى هذه التطورات ذات أهمية مباشرة، لأن أمن الخليج جزء من الأمن العربي الأوسع، ولأن أي اضطراب في هذا المجال ينعكس على أسواق النفط، وتكاليف النقل، واستقرار البيئة الاقتصادية في المنطقة. لذلك فإن متابعة التصعيد الكويتي تجاه إيران لا تندرج فقط ضمن خبر سياسي عابر، بل ضمن ملف إقليمي مفتوح على تداعيات أوسع.
خلاصة المشهد
الموقف الكويتي الأخير يعكس انتقالا من الإدانة الدبلوماسية العامة إلى خطاب أكثر صرامة يربط بين تكرار الهجمات واستهداف المنشآت الحيوية والمدنية. ومع الدعم الخليجي الواضح، تبدو الكويت مصممة على تثبيت معادلة جديدة قوامها أن المساس بالبنية الأساسية للدولة لن يمر بلا محاسبة سياسية وقانونية. وفي ظل استمرار التوتر، تبقى الأنظار موجهة إلى ما إذا كانت المنطقة ستتجه إلى احتواء التصعيد أم إلى جولة أشد تعقيدا تمس أمن الخليج والعالم العربي بأكمله.