Akhbar Cairo

ألمانيا تجدد دعم السعودية وتدفع نحو إحياء مفاوضات اليمن

ألمانيا تربط دعم السعودية بإحياء المسار السياسي في اليمن

جددت ألمانيا موقفها الداعم للمملكة العربية السعودية في ملف اليمن، مؤكدة في أكثر من مناسبة رسمية أن وقف التصعيد الذي تقوده جماعة الحوثي لا ينفصل عن العودة إلى طاولة التفاوض. وبرلين، التي تتبنى منذ سنوات خطابًا يقوم على دعم الوساطة الأممية، ترى أن استئناف المحادثات بين الأطراف اليمنية، مع استمرار الاتصالات الإقليمية، يظل الطريق الأكثر واقعية لتخفيف التوتر وحماية أمن المنطقة، بما في ذلك الممرات البحرية ذات الأهمية المباشرة لدول البحر الأحمر ومصر.

وفي أحدث المواقف المعلنة، شددت الخارجية الألمانية على تضامنها مع السعودية ومع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، مطالبة الحوثيين بوقف الهجمات العسكرية والعودة إلى العملية السياسية بحسن نية. كما كررت برلين في بياناتها أن الأزمة اليمنية لم تعد شأنًا داخليًا فقط، بل ترتبط بأمن الملاحة الدولية واستقرار الطاقة وسلامة التجارة المارة عبر البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يمنح الموقف الأوروبي بعدًا أوسع من مجرد التفاعل الدبلوماسي التقليدي.

ما الذي قالته برلين تحديدًا؟

الخط السياسي الألماني ظهر بوضوح في بيانات وزارة الخارجية الاتحادية في برلين، وكذلك في مواقف مجموعة السبع التي شاركت فيها ألمانيا. ففي بيان صدر في 22 سبتمبر 2026، اعتبرت دول المجموعة أن الوضع في اليمن يشكل تهديدًا للاستقرار الإقليمي ولأمن الطاقة العالمي ولحرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، كما أدانت الهجمات التي ينفذها الحوثيون ضد السعودية وضد السفن المدنية، وأكدت التضامن مع المملكة ومع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.

وفي إحاطة رسمية للحكومة الألمانية في 25 سبتمبر 2026، عادت برلين لتطالب الحوثيين بوقف هجماتهم داخل اليمن وعلى السعودية وضد الشحن المدني، والعودة إلى طاولة المفاوضات. هذا التوصيف يكشف أن ألمانيا لا تنظر إلى دعم السعودية باعتباره دعمًا عسكريًا بالأساس، بل كجزء من مقاربة تقول إن أي تهدئة قابلة للاستمرار يجب أن تقترن بمسار تفاوضي واضح، وبرعاية أممية، وليس فقط بتجميد مؤقت للقتال.

السعودية في قلب الوساطة اليمنية

رغم سنوات الحرب الطويلة، تحتفظ السعودية بدور محوري في أي تسوية محتملة في اليمن، سواء بحكم حدودها المباشرة مع البلاد، أو باعتبارها طرفًا إقليميًا رئيسيًا في المشهد. وكانت برلين قد رحبت في وقت سابق بالاتصالات المباشرة بين الرياض والحوثيين، ووصفتها بأنها خطوة أولى مهمة يمكن البناء عليها إذا انتقلت لاحقًا إلى عملية سياسية أوسع تشمل مختلف المكونات اليمنية.

وفي مارس 2023، قالت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك إنها ترحب بالاتصالات المباشرة بين السعودية والحوثيين وبالجهود الرامية إلى التوصل لتفاهم. هذا الموقف لم يتغير لاحقًا، بل ظل حاضرًا في الرؤية الألمانية التي تعتبر أن الدور السعودي، إلى جانب دور سلطنة عمان والأمم المتحدة، أساسي لتوفير بيئة تفاوضية أقل هشاشة.

أين تقف جهود الأمم المتحدة الآن؟

يقود المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ مسار الوساطة الدولية منذ عام 2021، وهو الاسم الأكثر التصاقًا اليوم بأي حديث عن خارطة طريق تنقل اليمن من مرحلة التهدئة الجزئية إلى اتفاق أوسع. وفي إحاطته أمام مجلس الأمن في 14 فبراير 2024، أوضح غروندبرغ أن الأطراف التزمت بالعمل مع مكتبه لتفعيل تعهداتها عبر خارطة طريق ترعاها الأمم المتحدة، لكنه أشار أيضًا إلى أن التوترات الإقليمية، خصوصًا تلك المرتبطة بالبحر الأحمر، أبطأت وتيرة التقدم.

وفي إحاطات لاحقة، ظل المبعوث الأممي يؤكد أن عناصر الحل ما زالت معروفة: وقف إطلاق نار على مستوى البلاد، وإجراءات اقتصادية وإنسانية، ثم عملية سياسية شاملة بقيادة يمنية. بالنسبة لألمانيا، يمثل هذا الإطار المرجعية الأكثر قابلية للتحرك، ولذلك يأتي دعمها للسعودية متداخلًا مع دعمها الواضح لجهود غروندبرغ، وليس منفصلًا عنها.

لماذا يهم هذا الملف مصر وقراء المنطقة؟

بالنسبة لمصر، لا يمكن قراءة أي تطور يخص اليمن بمعزل عن أمن البحر الأحمر وباب المندب. فاضطراب الملاحة في هذا المسار يضغط على التجارة العالمية ويؤثر في حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس، وهي شريان حيوي للاقتصاد المصري. من هنا، تبدو الدعوات الأوروبية، ومنها الموقف الألماني، مرتبطة أيضًا بمصالح دول المنطقة التي تتأثر مباشرة بأي تصعيد في الساحل الغربي لليمن أو في الممرات البحرية المحيطة به.

كما أن استمرار الصراع يوسع من مخاطر التدهور الإنساني في بلد يقع عند مدخل القرن الأفريقي، وهي منطقة ترتبط بأمن القارة الأفريقية وبشبكات التجارة والهجرة والنقل البحري. ولهذا ينسجم تناول الملف ضمن قسم «أفريقيا» مع حقيقة أن اليمن، رغم انتمائه الآسيوي جغرافيًا، يؤثر بصورة مباشرة في البيئة الاستراتيجية المطلة على شرق أفريقيا والبحر الأحمر، وهي الدائرة التي تتابعها القاهرة عن كثب.

بين الدعم السياسي والضغوط على الحوثيين

الموقف الألماني يقوم على معادلة مزدوجة: تضامن مع السعودية في مواجهة الهجمات، وضغط في الوقت نفسه من أجل إعادة الحوثيين إلى المسار التفاوضي. وتؤكد برلين في بياناتها أن استمرار الهجمات على الأراضي السعودية أو على الملاحة المدنية يفاقم المعاناة الإنسانية داخل اليمن بدلًا من تقريب الحل. كذلك تعتبر أن أي توسع عسكري جديد من شأنه تعقيد فرص الاتفاق على ملفات أساسية مثل صرف الرواتب، وتسهيل حركة الموانئ، وفتح الطرق، واستئناف تصدير النفط.

وكانت تفاهمات أواخر 2023 قد فتحت الباب أمام الحديث عن خارطة طريق تشمل وقفًا لإطلاق النار، واستئنافًا لصادرات النفط، ودفع رواتب موظفي القطاع العام، وفتح طرق في تعز ومناطق أخرى، مع تخفيف القيود على مطار صنعاء وميناء الحديدة. لكن التصعيد الإقليمي اللاحق جعل ترجمة هذه الأفكار إلى اتفاق نهائي أكثر صعوبة.

ما الذي يمكن توقعه في المرحلة المقبلة؟

من غير المرجح أن تتراجع ألمانيا عن هذا النهج في المدى القريب. فبرلين ترى أن أمن الملاحة في البحر الأحمر، وأمن السعودية، واستقرار اليمن، ملفات مترابطة. لذلك ستواصل على الأرجح دعم الجهد الأممي، مع تأييد أي تحرك إقليمي يساعد على تثبيت الهدوء وفتح نافذة تفاوض جديدة. وفي المقابل، سيظل الضغط قائمًا على الحوثيين لوقف الهجمات والانخراط في تسوية أوسع.

الخلاصة أن الرسالة الألمانية ليست مجرد دعوة دبلوماسية عامة، بل تلخيص لمعادلة باتت تحظى بتوافق غربي وإقليمي واسع: لا أمن مستدام للسعودية ولا استقرار حقيقي للبحر الأحمر من دون مسار سياسي جاد في اليمن، ولا مسار سياسي جاد من دون عودة الحوثيين إلى التفاوض تحت مظلة الأمم المتحدة. وبالنسبة للمنطقة، وفي مقدمتها مصر، فإن نجاح هذه المعادلة يعني أكثر من مجرد تهدئة نزاع؛ إنه اختبار مباشر لقدرة الدبلوماسية على حماية واحد من أهم الممرات الحيوية في محيط أفريقيا والشرق الأوسط.