Akhbar Cairo

ألمانيا تصعّد لهجتها تجاه حزب الله وتحذّر من اتساع الأزمة

تصعيد ألماني في ملفات لبنان وغزة والضفة ومضيق هرمز

رفعت ألمانيا نبرة خطابها السياسي تجاه حزب الله في توقيت بالغ الحساسية إقليمياً، بعدما حمّل وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول الحزب مسؤولية رئيسية في أزمات لبنان، بالتوازي مع دعوته إلى حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز، وزيادة تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، والتحذير من أن التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية يقوض أي فرصة حقيقية لإحياء مسار السلام.

الموقف الألماني لا يمكن قراءته باعتباره تصريحاً منفصلاً، بل يأتي ضمن تحرك دبلوماسي أوسع تتبناه برلين في الشرق الأوسط خلال عام 2026، مع تركيز واضح على احتواء التوترات التي تمتد من لبنان وغزة إلى الممرات البحرية الحيوية في الخليج. ووفق بيانات صادرة عن الخارجية الألمانية، شدد فاديفول خلال اتصالاته وزياراته بالمنطقة على ضرورة أن تتوقف إيران عن أي أدوار من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، بما في ذلك دعم جماعات مسلحة في لبنان وغزة واليمن، مع التأكيد على حماية طرق التجارة والملاحة، خاصة عبر مضيق هرمز.

لماذا يهاجم فاديفول حزب الله؟

الرسالة الألمانية تجاه لبنان بدت هذه المرة أكثر مباشرة. فبرلين ترى أن استمرار نفوذ حزب الله العسكري والسياسي يعمّق هشاشة الدولة اللبنانية ويمنع أي استقرار مستدام. وفي مواقف ألمانية متتالية خلال الأشهر الماضية، عبّرت الحكومة الألمانية عن قلقها من تحول الأراضي اللبنانية إلى ساحة مواجهة مفتوحة، مع تأكيد رفضها اتساع العمليات العسكرية على حساب المدنيين داخل لبنان.

بالنسبة إلى القارئ المصري، فإن أهمية هذا الموقف تتجاوز الخلاف التقليدي بين أوروبا والحزب؛ إذ يعكس اتجاهاً غربياً متزايداً للربط بين أزمة الدولة اللبنانية وبين بقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة. كما أن برلين تنظر إلى استقرار لبنان بوصفه جزءاً من استقرار شرق المتوسط، وهي منطقة ترتبط مباشرة بحسابات الأمن والطاقة والهجرة والتجارة، وهي ملفات تمس المنطقة العربية بأكملها.

مضيق هرمز.. شريان طاقة عالمي تحت المجهر

في الملف الإيراني، ركّز وزير الخارجية الألماني على ضرورة بقاء مضيق هرمز حراً ومفتوحاً أمام حركة السفن. هذا التشديد يحمل وزناً خاصاً لأن المضيق يعد من أهم الممرات البحرية في العالم لنقل النفط والغاز. كما أن الاتحاد الأوروبي جدّد في ربيع 2026 دعواته إلى ضمان حرية الملاحة والمرور الآمن في المضيق وفق القانون الدولي، في ظل توترات متصاعدة شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة.

أهمية هذا الممر لا تقتصر على دول الخليج أو الأسواق الأوروبية فقط، بل تمتد آثارها إلى الاقتصادات العربية، ومنها مصر، بصورة غير مباشرة عبر أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية. ولهذا فإن أي حديث أوروبي عن هرمز لا ينفصل عن القلق من اتساع رقعة الصراع في الإقليم وتحوله من مواجهة عسكرية موضعية إلى أزمة اقتصادية أوسع.

  • أولاً: برلين تعتبر حرية الملاحة جزءاً من أمن التجارة العالمية.
  • ثانياً: أي تهديد للمضيق قد ينعكس على أسواق النفط والغاز والشحن.
  • ثالثاً: ألمانيا تربط بين التهدئة البحرية والتسوية السياسية الإقليمية.

غزة.. دعوة ألمانية لزيادة المساعدات الإنسانية

في الشق المتعلق بقطاع غزة، كرر فاديفول موقفاً ألمانياً يدعو إلى تحسين الوضع الإنساني بشكل عاجل وزيادة دخول المساعدات والمواد الأساسية. وتوضح الخارجية الألمانية في بياناتها أن أوضاع السكان في القطاع ما تزال شديدة الصعوبة، وأن تدفق الإغاثة يجب ألا يبقى رهناً بالتجاذبات السياسية أو القيود الميدانية.

هذا الطرح يكتسب أهمية عربية خاصة، لأن ملف غزة يظل في صلب أولويات الرأي العام في مصر والمنطقة. كما أن الدعوات الأوروبية، حين تأتي مقرونة بمطالبة واضحة بتوسيع الإمدادات الإنسانية، تعكس إقراراً باستمرار التدهور الإنساني داخل القطاع. ومن هنا، فإن اللهجة الألمانية تبدو محاولة للجمع بين دعم التهدئة السياسية والضغط الإنساني في آن واحد.

الضفة الغربية والاستيطان.. تحذير من نسف حل الدولتين

الموقف الألماني لم يتوقف عند غزة، بل امتد إلى الضفة الغربية حيث حذّر فاديفول من أن استمرار الاستيطان واعتداءات المستوطنين المتطرفين يهددان فرص السلام. وتؤكد الخارجية الألمانية أن حل الدولتين لا يزال، من وجهة نظر برلين، الإطار الوحيد القابل للحياة لتحقيق سلام دائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

التحذير من الاستيطان ليس جديداً في الخطاب الأوروبي، لكنه يكتسب دلالة إضافية عندما يقترن بتصعيد شامل في المنطقة، من لبنان إلى غزة والخليج. فبرلين تقول عملياً إن توسيع الاستيطان في هذا التوقيت يضاعف فرص الانفجار ويغلق الباب أمام أي مسار تفاوضي جدي، وهو ما يضعف الاستقرار في العالم العربي كله، وليس فقط في الأراضي الفلسطينية.

ما الذي تكشفه لهجة برلين الجديدة؟

يمكن فهم التصريحات الألمانية الأخيرة باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب أولويات برلين في الشرق الأوسط على أربعة محاور مترابطة: لبنان، إيران، غزة، والضفة الغربية. فالحكومة الألمانية الحالية، بقيادة المستشار فريدريش ميرتس ووزير الخارجية يوهان فاديفول، تبدو أكثر ميلاً إلى لغة واضحة في تحميل المسؤوليات السياسية والأمنية، مع الإبقاء على باب التحرك الدبلوماسي مفتوحاً.

وفي هذا السياق، لا تتحدث ألمانيا فقط عن التصعيد العسكري، بل عن شكل النظام الإقليمي الذي تريد دعمه: دولة لبنانية أقل هشاشة، وممرات مائية آمنة، وتدفق إنساني أكبر إلى غزة، ومنع خطوات أحادية في الضفة الغربية. هذه المقاربة تعني أن برلين تحاول التعامل مع أزمات الشرق الأوسط باعتبارها حلقات متصلة، لا ملفات منفصلة.

دلالات عربية ومصرية للرسائل الألمانية

بالنسبة للمتابع في مصر، فإن هذه المواقف تستحق الانتباه لسببين رئيسيين. الأول أن أي توتر في لبنان أو الخليج أو الأراضي الفلسطينية المحتلة ينعكس سريعاً على الإقليم سياسياً واقتصادياً وإنسانياً. والثاني أن القوى الأوروبية الكبرى، وعلى رأسها ألمانيا، ما تزال لاعباً مؤثراً في معادلات المساعدات والضغوط الدبلوماسية وإدارة الأزمات.

ومن ثم، فإن هجوم وزير الخارجية الألماني على حزب الله لا يقتصر على الساحة اللبنانية وحدها، بل يندرج ضمن خطاب أوسع عن توازنات القوة في المنطقة، وحدود النفوذ الإيراني، ومستقبل الحرب في غزة، وفرص إنقاذ ما تبقى من مسار السلام في الضفة الغربية.

في المحصلة، تكشف تصريحات فاديفول أن برلين تريد توجيه رسالة مزدوجة: لا استقرار في لبنان مع استمرار منطق الميليشيا، ولا أمن إقليمي مع تهديد الملاحة في هرمز، ولا تهدئة قابلة للاستمرار من دون إغاثة غزة، ولا سلام ممكناً مع توسع الاستيطان في الضفة. وهي معادلة تلخص جانباً مهماً من المشهد العربي الراهن، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية مع المأساة الإنسانية على نحو غير مسبوق.