ألمانيا توسّع الترحيل إلى أفغانستان.. تشدد أمني وأسئلة قانونية
تحول ألماني جديد في ملف ترحيل الأفغان
تتجه ألمانيا إلى تشديد أكثر وضوحا في ملف الهجرة غير النظامية وترحيل الأجانب الملزمين بالمغادرة، وفي القلب من ذلك ملف المواطنين الأفغان. فالمؤشرات الرسمية الصادرة من ولاية هيسن ومن الحكومة الاتحادية في برلين توضح أن القيود الإجرائية التي كانت تحد من عرض بعض الحالات الأفغانية على الجهات المختصة لتثبيت الهوية قد جرى تخفيفها، بما يفتح المجال أمام توسيع دائرة من يمكن التحضير لترحيلهم إلى أفغانستان، بعد أن كان التركيز المعلن منصبا أساسا على المدانين بجرائم خطيرة والأشخاص المصنفين باعتبارهم مصدر خطر أمني.
هذا التطور لا يبدو مجرد خطوة فنية داخل أجهزة الشرطة والهجرة، بل يعكس تحولا سياسيا أوسع في ألمانيا منذ تولي ألكسندر دوبريندت منصب وزير الداخلية الاتحادي في 6 مايو 2025، في حكومة المستشار فريدريش ميرتس. ووفق الصفحة الرسمية للحكومة الألمانية، فإن دوبريندت يقود وزارة الداخلية منذ ذلك التاريخ، بينما يتولى رومان بوزيك حقيبة داخلية ولاية هيسن منذ 18 يناير 2024. هذا التلاقي بين المستوى الاتحادي والولائي يفسر السرعة التي يتحرك بها الملف حاليا.
ما الذي تغيّر عمليا؟
المعنى العملي لتخفيف القيود هو أن السلطات أصبحت أقدر على إدخال مزيد من الحالات الأفغانية في مسار التحقق من الهوية وإصدار الوثائق اللازمة للترحيل. وهذه نقطة مفصلية في أي سياسة إبعاد؛ لأن تعثر إثبات الهوية أو نقص الوثائق كان طوال السنوات الماضية من أبرز أسباب تعطل التنفيذ.
وفي مؤتمر صحفي لوزارة الخارجية الألمانية في 22 يونيو 2026، أوضح ممثلو الحكومة أن برلين تجري منذ فترة محادثات تقنية مع السلطات القائمة فعليا في أفغانستان بهدف رفع القدرة على تنفيذ عمليات الإعادة، وأن زيادة عدد الموظفين القنصليين المعنيين بهذا الملف ترتبط أساسا بالحاجة إلى فحص الهويات وإصدار جوازات ووثائق سفر بشكل أسرع. كما قالت الحكومة إن هذا المسار لا يعني اعترافا سياسيا بحركة طالبان، بل يظل في الإطار الفني المرتبط بالتنفيذ.
هيسن كنموذج للتشدد
ولاية هيسن برزت خلال الأشهر الأخيرة باعتبارها من أكثر الولايات الألمانية حماسة لتوسيع الترحيل. ففي 28 أبريل 2026 أعلنت وزارة الداخلية في الولاية أن رحلة ترحيل جديدة إلى أفغانستان غادرت ألمانيا وعلى متنها 25 رجلا صدرت بحقهم أوامر مغادرة واجبة التنفيذ، وقالت الولاية إن جميعهم سبق أن ارتكبوا جرائم في ألمانيا، من بينها القتل والاغتصاب والاعتداءات الجسيمة وجرائم المخدرات. وذكرت هيسن أنها شاركت في تلك العملية بترحيل 3 أشخاص، وأن عدد من رحّلتهم من الأفغان المدانين منذ بداية 2026 بلغ 9 أشخاص.
كما عرض رومان بوزيك في يوليو 2026 حصيلة أوسع بشأن الترحيل في الولاية خلال النصف الأول من العام، موضحا أن نسبة نجاح تنفيذ قرارات الترحيل ارتفعت من 48% في 2023 إلى 54% في 2024 ثم 59% في 2025، قبل أن تصل إلى 64% بين يناير ويونيو 2026، مع تسجيل 70% في مايو و73% في يونيو. هذه الأرقام مهمة لأنها تكشف أن التشدد لم يعد مجرد خطاب سياسي، بل بات يقاس بنتائج تنفيذية تتابعها الولايات بدقة.
الأرقام الاتحادية: الملف لم يعد استثنائيا
على المستوى الاتحادي، أفاد البوندستاغ في رد حكومي منشور خلال يوليو 2026 بأن ألمانيا رحّلت 87 شخصا إلى أفغانستان بين 1 يناير و19 يونيو 2026. والأهم في الصياغة الرسمية أن اتفاق الائتلاف الحكومي ينص على تنفيذ ترحيل إلى أفغانستان، مع التأكيد على أن التركيز بدأ أولا على المدانين بجرائم. هذه العبارة تترك انطباعا بأن الحكومة تبني مرحلة أولى أمنية صلبة، لكنها لا تغلق الباب أمام توسيع الفئات لاحقا متى توفرت الأدوات القانونية والإدارية.
من هنا يمكن قراءة ما صدر عن سلطات هيسن باعتباره جزءا من مسار ألماني أكبر: البدء بالحالات الأقل إثارة للاعتراض السياسي، أي مرتكبي الجرائم و"الخطرين" أمنيا، ثم توسيع البنية الإجرائية اللازمة للتعامل مع عدد أكبر من الملفات الأفغانية.
لماذا يثير القرار جدلا سياسيا وحقوقيا؟
الجدل في ألمانيا لا يتعلق فقط بمبدأ الترحيل، بل بالسؤال الأصعب: إلى أين يُرحَّل الشخص؟ فمنذ سيطرة طالبان على كابول في أغسطس 2021، ظلت أفغانستان توصف أوروبيا بأنها بيئة شديدة التعقيد من حيث الأمن والحقوق الأساسية، خصوصا ما يتعلق بالنساء والفتيات والحريات العامة. لذلك كان أي حديث عن الإعادة إليها يواجه اعتراضات قانونية وحقوقية واسعة.
لكن الحكومة الألمانية الحالية تدفع في اتجاه مختلف: إذا كان الشخص قد استنفد مساراته القانونية، وصدر بحقه قرار نهائي بالمغادرة، وكان مدانا بجرائم أو مصنفا تهديدا أمنيا، فإن بقاءه داخل ألمانيا يضر بثقة الرأي العام في الدولة وسيادة القانون. هذا المنطق يحظى بقبول ملموس داخل قطاعات من الناخبين، خصوصا في ظل الضغوط المستمرة المرتبطة بالهجرة والأمن والاندماج.
في المقابل، يرى منتقدو هذه السياسة أن توسيع الترحيل إلى أفغانستان قد يخلق منزلقا قانونيا وأخلاقيا، لأن الفصل بين "الحالات الخطرة" و"الحالات الأخرى" قد يصبح أضعف مع الوقت، ولأن التعامل التنفيذي مع سلطات الأمر الواقع في كابول يظل مسألة شديدة الحساسية دبلوماسيا وحقوقيا.
ما الذي يعنيه ذلك للقارئ المصري؟
بالنسبة للمتابع في مصر، تبدو القضية أوروبية داخلية في ظاهرها، لكنها تعكس اتجاها غربيا أوسع: إعادة تعريف التوازن بين حق اللجوء ومتطلبات الأمن الداخلي. هذا النقاش لا يخص ألمانيا وحدها، بل يمتد إلى دول أوروبية أخرى تسعى إلى تقليص كلفة الاستقبال وتشديد الرقابة على من رُفضت طلباتهم أو تورطوا في جرائم.
كما أن الملف يكشف كيف تتحول السياسات المرتبطة بالهجرة من خطاب إنساني عام إلى منظومة تنفيذية تعتمد على التفاصيل التقنية: إثبات هوية، وثائق سفر، تعاون قنصلي، تنسيق بين الحكومة المركزية والولايات، وقياس شهري لمعدلات النجاح. هذه كلها مؤشرات على أن أوروبا، وألمانيا تحديدا، دخلت مرحلة أكثر صرامة في إدارة الهجرة.
بين القانون والسياسة.. إلى أين تتجه برلين؟
الأرجح أن برلين ستواصل في المدى القريب تقديم هذه السياسة باعتبارها موجهة إلى مرتكبي الجرائم والأشخاص الخطرين، لأنها الصيغة الأكثر قابلية للدفاع السياسي أمام البرلمان والرأي العام. لكن في الوقت نفسه، فإن بناء قنوات التحقق من الهوية ورفع القدرة على إصدار الوثائق يهيئ بنية تحتية يمكن أن تسمح مستقبلا بتوسيع التطبيق إذا اتخذ القرار السياسي بذلك.
وهنا تكمن النقطة الأهم في التحليل: المسألة ليست مجرد رحلة ترحيل جديدة، بل إعادة تأسيس لسياسة قابلة للاستمرار. فعندما تعلن الحكومة الاتحادية أن الترحيل إلى أفغانستان أصبح أكثر انتظاما، وعندما تعرض ولاية مثل هيسن أرقاما متصاعدة لنسب النجاح، فهذا يعني أن الملف خرج من نطاق الاستثناء إلى نطاق الأداة السياسية الدائمة.
- سياسيا: القرار يخدم خطاب الحكومة بشأن استعادة السيطرة على الهجرة.
- قانونيا: النجاح يعتمد على تثبيت الهوية وتوافر وثائق السفر وتنفيذ أحكام المغادرة النهائية.
- حقوقيا: ستظل أفغانستان واحدة من أكثر الوجهات إثارة للاعتراض بسبب أوضاعها الداخلية.
- أوروبيا: ألمانيا تقدم نموذجا قد تحتذي به دول أخرى إذا ثبتت فعاليته داخليا.
في النهاية، ما يجري اليوم في ألمانيا ليس فقط تشديدا في ملف ترحيل الأفغان، بل اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة الأوروبية الحديثة على الجمع بين متطلبات الأمن، والقيود القانونية، وضغوط الرأي العام، في ملف يظل من أكثر ملفات السياسة حساسية وتعقيدا.