Akhbar Cairo

المجتمع المدني في مصر.. من طاقة مهدرة إلى شريك تنموي

المجتمع المدني في مصر: حضور واسع وتأثير دون المأمول

لم يعد الحديث عن المجتمع المدني في مصر مجرد نقاش نخبوي يتعلق بالقوانين أو الإجراءات التنظيمية، بل صار جزءًا من سؤال أكبر يتصل بالتنمية، والعدالة الاجتماعية، وكفاءة الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا. فمصر تمتلك قاعدة كبيرة من الجمعيات والمؤسسات الأهلية، لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بعدد الكيانات المسجلة، وإنما بقدرتها على التحول من طاقة متفرقة إلى قوة منظمة ذات أثر مستدام على الأرض.

البيانات الرسمية تشير إلى اتساع هذا القطاع بصورة لافتة. ووفق ما أعلنته وزارة التضامن الاجتماعي، التي تتولاها الدكتورة مايا مرسي، بلغ عدد مؤسسات العمل الأهلي المقيدة لدى الوزارة 35,779 مؤسسة، من بينها 66 منظمة أجنبية غير حكومية مصرحًا لها، إلى جانب 27 اتحادًا إقليميًا و50 اتحادًا نوعيًا، فضلًا عن الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية. كما سُجل خلال العام المالي 2025/2026 قيد 407 جمعيات ومؤسسات أهلية جديدة، مع إصدار تصاريح لعدد 6 منظمات أجنبية غير حكومية. هذه الأرقام تعكس اتساع القاعدة، لكنها تفتح في الوقت نفسه باب التساؤل حول جودة الأداء، ومدى الاستفادة من هذا الثقل المؤسسي الكبير.

إطار قانوني جديد.. لكن الاختبار في التطبيق

شهد ملف العمل الأهلي في مصر خلال السنوات الماضية إعادة ترتيب تشريعية مهمة، كان أبرزها قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019، ثم صدور اللائحة التنفيذية بقرار مجلس الوزراء رقم 104 لسنة 2021. وقد جاء هذا المسار بعد سنوات من الجدل حول العلاقة بين الدولة والجمعيات الأهلية، ومحاولة الوصول إلى صيغة أكثر تنظيمًا ووضوحًا تسمح بالعمل وتضبطه في الوقت نفسه.

على المستوى النظري، منح الإطار القانوني الجديد مساحة أوضح لتوفيق الأوضاع وتنظيم التمويل وآليات الإشهار والمتابعة. لكن في الواقع العملي، لا يزال نجاح هذا التحول مرتبطًا بسرعة الإجراءات، وتوحيد التفسير الإداري للقواعد، وقدرة الجمعيات الصغيرة خصوصًا على التكيف مع المتطلبات التنظيمية والمالية والفنية. هنا يظهر جوهر الأزمة: وجود تشريع أفضل لا يكفي وحده إذا لم تُترجم النصوص إلى بيئة تشغيل مرنة تتيح للمبادرات الجادة أن تكبر بدل أن تتعثر عند أول عقبة إدارية.

من الإغاثة إلى التنمية: تغير في فلسفة الدور

لفترة طويلة ارتبطت صورة العمل الأهلي في الوعي العام بالمساعدات الموسمية، وتوزيع الإعانات، والتدخلات الخيرية العاجلة. لكن المشهد الحالي يشير إلى تحول تدريجي نحو دور تنموي أوسع، خاصة مع تصاعد الشراكة بين الدولة والمجتمع الأهلي في ملفات مثل الحماية الاجتماعية، والطفولة المبكرة، والتمكين الاقتصادي، ورعاية كبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة.

ويؤكد التقرير الرسمي الخاص بالعام الرابع من تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان أن التمويل الموجه عبر صندوق دعم مشروعات الجمعيات والمؤسسات الأهلية استمر في دعم أنشطة متعددة خلال عام 2024 والفترة من يناير إلى نهاية أبريل 2025، شملت مجالات الرعاية المؤسسية والأسرية، والدفاع الاجتماعي، والتوعية الحقوقية والقانونية، وبناء القدرات، والطفولة المبكرة، والتمكين الاقتصادي، وتعزيز قيم المواطنة. هذا التنوع مهم لأنه يعكس اتساع الأدوار المطلوبة من المجتمع المدني، لكن التحدي يبقى في ضمان أن تكون هذه التدخلات جزءًا من خطط قابلة للقياس والتقييم، لا مجرد استجابات متفرقة.

التحالف الوطني.. محاولة لتجميع الجهود

من أبرز التطورات التي أعادت صياغة مشهد العمل الأهلي في مصر إطلاق التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي، الذي أُعلن رسميًا في 13 مارس 2022، في سياق إعلان عام 2022 عامًا للمجتمع المدني. وقد قُدم التحالف باعتباره مظلة تنسيقية تجمع عددًا كبيرًا من مؤسسات المجتمع الأهلي لتفادي التكرار، وتحسين توزيع الموارد، ورفع كفاءة التدخلات التنموية.

كما تعزز المسار المؤسسي لاحقًا بصدور القانون رقم 171 لسنة 2023 بشأن التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي، ثم القرارات المنظمة لاجتماعاته وتشكيله. وتنبع أهمية هذه الخطوة من أنها تعكس انتقالًا من العمل الأهلي المتوازي إلى منطق الشبكات والتحالفات. غير أن نجاح أي كيان جامع يظل مرهونًا بقدرته على تمثيل التنوع الحقيقي داخل القطاع، وألا يتحول التنسيق إلى مركزية مفرطة تحد من المبادرة المحلية أو تقلل من استقلالية الفاعلين الصغار.

حياة كريمة ونموذج الشراكة الواسعة

إذا كان هناك نموذج يوضح كيف يمكن للمجتمع المدني أن يصبح جزءًا من مشروع وطني واسع، فهو مؤسسة حياة كريمة، المسجلة لدى وزارة التضامن الاجتماعي في 22 أكتوبر 2019. وقد ارتبط اسم المؤسسة بمبادرات تطوير الريف المصري، وبشراكات ممتدة مع مؤسسات الدولة والقطاع الأهلي في ملفات الخدمات الأساسية ورفع جودة الحياة.

وتكشف موازنة المواطن لعام 2025/2026 عن استمرار الإنفاق على المرحلة الثانية من مشروع حياة كريمة، باستثمارات تبلغ 25 مليار جنيه في مجالات مياه الشرب والصرف الصحي. ورغم أن المشروع أوسع من كونه نشاطًا أهليًا صرفًا، فإنه يقدم مثالًا عمليًا على أن المجتمع المدني حين يدخل ضمن رؤية تنموية متكاملة، يمكن أن ينتقل من هامش المشهد إلى قلبه، لا كمجرد منفذ ثانوي، بل كشريك في الوصول، والحشد المجتمعي، وقياس الاحتياجات، والمتابعة الميدانية.

التمويل ليس الأزمة الوحيدة

غالبًا ما يُختزل الحديث عن أزمة المجتمع المدني في مسألة التمويل، وهي مسألة مهمة بلا شك. فبحسب وزارة التضامن الاجتماعي، تمت الموافقة خلال العام المالي 2025/2026 على 1,828 منحة أجنبية بإجمالي يقترب من 13 مليار جنيه مصري، مقدمة من 610 جهات مانحة واستفادت منها 515 جمعية ومؤسسة أهلية. هذه الأرقام تؤكد وجود موارد معتبرة داخل القطاع، لكنها تكشف أيضًا أن المشكلة ليست دائمًا نقص المال بقدر ما هي طريقة التوزيع، والقدرة المؤسسية على الإدارة، ومدى الارتباط بأولويات تنموية واضحة.

في المقابل، تواجه جمعيات عديدة تحديات تتعلق ببناء القدرات، والحوكمة الداخلية، وإعداد كوادر محترفة في الإدارة المالية وكتابة المشروعات وقياس الأثر. كما أن بعض الكيانات لا تزال تعمل بمنطق النشاط الموسمي أو الدور الخدمي الضيق، من دون تطوير نموذج مؤسسي يمكنه الاستمرار والتوسع. ومن هنا يبدو وصف «الطاقة المهدرة» معبرًا: فالموارد البشرية موجودة، وروح التطوع حاضرة، والاحتياج المجتمعي واضح، لكن الاستفادة الكاملة من هذه العناصر لم تصل بعد إلى المستوى الممكن.

ما الذي يحتاجه القطاع اليوم؟

لكي يتحول العمل الأهلي في مصر إلى قوة أكثر تأثيرًا، هناك عدة مسارات تبدو ضرورية:

  • تبسيط الإجراءات الخاصة بالتسجيل، وتلقي التمويل، وتوفيق الأوضاع، بما يخفف العبء عن الجمعيات الصغيرة والمتوسطة.
  • رفع الكفاءة المؤسسية من خلال التدريب في مجالات الحوكمة، والإدارة المالية، والتحول الرقمي، وقياس الأثر.
  • توسيع الشفافية عبر نشر بيانات دورية أوضح عن المشروعات، والموازنات، والنتائج المتحققة على الأرض.
  • تعزيز اللامركزية حتى لا يتركز النشاط في العاصمة والمدن الكبرى، بينما تحتاج المحافظات والقرى إلى مساحات أكبر من المبادرة المحلية.
  • ترسيخ الشراكة بين الوزارات والقطاع الأهلي والقطاع الخاص، على أساس تكامل الأدوار لا التنافس عليها.

بين الفرصة والمسؤولية

المجتمع المدني في مصر لا يبدأ من الصفر، ولا يمكن اعتباره مجرد ملحق بالسياسات الحكومية. هو قطاع واسع يملك شبكات وصول اجتماعي لا تملكها مؤسسات كثيرة، ويستطيع لعب دور حاسم في الرعاية والتنمية والتوعية والتمكين، إذا توافرت له بيئة تشغيل مستقرة، ومؤسسات قوية، ورؤية تتجاوز منطق رد الفعل إلى التخطيط طويل الأمد.

الخلاصة أن مصر لا تعاني غياب المجتمع المدني بقدر ما تعاني عدم استثمار كامل طاقته. وبين الأرقام الكبيرة، والتشريعات الأحدث، والتحالفات الجديدة، تبدو الفرصة قائمة أكثر من أي وقت مضى. لكن تحويل هذه الفرصة إلى نتائج ملموسة يحتاج إلى ما هو أبعد من حسن النية: يحتاج إلى إدارة، وشفافية، وتنسيق، وإيمان حقيقي بأن التنمية لا تُنجز من جهة واحدة، بل من شبكة شركاء يعرف كل طرف فيها دوره وحدوده ومسؤوليته.