Akhbar Cairo

المجلس الأوروبي يعلن دعمه لإسبانيا في أزمة سبتة

دعم أوروبي لإسبانيا في أزمة سبتة: ماذا تعني الرسالة سياسياً وحدودياً؟

أعلن المجلس الأوروبي تضامنه مع إسبانيا في خضم أزمة سبتة، في موقف حمل دلالة سياسية واضحة تتجاوز البعد الثنائي بين مدريد والرباط، إلى مستوى أوسع يتعلق بحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي وإدارة ملف الهجرة في الضفة الجنوبية للمتوسط. وتأتي هذه الرسالة في سياق أزمة تفجرت في مايو 2021، حين شهدت سبتة، وهي مدينة خاضعة للإدارة الإسبانية على الساحل الشمالي لأفريقيا، تدفقاً كبيراً للمهاجرين عبر الحدود مع المغرب خلال فترة زمنية قصيرة.

وبحسب بيان رئاسة الحكومة الإسبانية الصادر في 18 مايو 2021، وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الأزمة بأنها أزمة خطيرة لإسبانيا ولأوروبا، مؤكداً أنه أجرى اتصالات مع شارل ميشيل رئيس المجلس الأوروبي، ومع جوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، لبحث الرد الأوروبي على التطورات عند الحدود مع المغرب. كما شدد سانشيز على أن حكومته ستعمل على استعادة النظام في سبتة ومليلية بسرعة، مع تعزيز الوجود الأمني والعسكري على الأرض. وفي اليوم نفسه، توجه سانشيز إلى سبتة لمتابعة الموقف ميدانياً.

ما الذي حدث في سبتة؟

أزمة سبتة اندلعت بعدما دخل آلاف الأشخاص إلى المدينة خلال يومين في مايو 2021، كثير منهم عبر السباحة أو السير على امتداد الشريط الساحلي عند انخفاض المد. تقارير إخبارية دولية وبيانات رسمية إسبانية أشارت آنذاك إلى أن عدد الواصلين تجاوز 8 آلاف شخص، بينهم عدد كبير من القُصّر، وهو ما وضع السلطات الإسبانية أمام تحدٍّ أمني وإنساني في آن واحد.

وفي خلفية المشهد، برز التوتر السياسي بين إسبانيا والمغرب باعتباره عاملاً حاسماً في تفجر الأزمة. كما أن الاتحاد الأوروبي تعامل مع الواقعة باعتبارها اختباراً عملياً لفكرة أن حدود سبتة ليست مجرد حدود إسبانية، بل هي أيضاً جزء من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وهي النقطة التي كررها مسؤولون أوروبيون في أكثر من مناسبة خلال تلك الفترة.

موقف المجلس الأوروبي والاتحاد الأوروبي

رغم أن خلاصات اجتماع المجلس الأوروبي يومي 24 و25 مايو 2021 لم تفرد بنداً مستقلاً مطولاً لأزمة سبتة في النص المنشور، فإن الموقف الأوروبي الداعم لإسبانيا كان واضحاً عبر الاتصالات السياسية والتصريحات الصادرة من مؤسسات الاتحاد. فوفق الرد الرسمي المقدم باسم المفوضية الأوروبية من جوزيب بوريل في 26 يوليو 2021، فإن الاتحاد الأوروبي أعرب عن قلقه إزاء أحداث سبتة وأكد تضامنه مع إسبانيا، مع الإشارة إلى استمرار الحوار مع المغرب لتفادي تكرار مثل هذه الأحداث مستقبلاً.

هذا الموقف يكشف أن بروكسل حاولت الجمع بين مسارين متوازيين: الأول هو إظهار دعم سياسي واضح لمدريد، والثاني هو الحفاظ على قنوات التعاون مع الرباط، باعتبار المغرب شريكاً مهماً للاتحاد الأوروبي في ملفات الهجرة والجوار والأمن. وتشير الوثائق الأوروبية إلى أن المغرب كان ولا يزال شريكاً رئيسياً في برامج التعاون المرتبطة بالهجرة، بينما تلقت إسبانيا بدورها دعماً مالياً أوروبياً لتعزيز قدراتها في الاستقبال والإدارة الحدودية.

لماذا تهم سبتة القارئ المصري؟

من زاوية مصرية وأفريقية، لا تبدو أزمة سبتة مجرد خبر أوروبي داخلي. فالمدينة تقع فعلياً على الساحل الأفريقي، وما يجري فيها يرتبط مباشرة بتوازنات شمال أفريقيا، وبملف الهجرة عبر المتوسط، وبالعلاقة الحساسة بين أوروبا ودول الجوار الجنوبي. لذلك فإن أي تصعيد في سبتة أو مليلية ينعكس على النقاش الأوسع بشأن إدارة الحدود، والتنمية في أفريقيا، ومسؤولية الدول الأوروبية تجاه جذور الهجرة وليس فقط نتائجها.

وبالنسبة للمتابع المصري، تبرز هنا نقطة مهمة: الاتحاد الأوروبي لا ينظر إلى أزمات الهجرة من منظور إنساني فقط، بل كذلك من زاوية الأمن الإقليمي وحماية الحدود. وهذا ما يفسر سرعة إبداء التضامن مع إسبانيا، لأن القضية تمس إحدى بوابات أوروبا المباشرة في أفريقيا.

زيارة سانشيز ورسائلها

زيارة بيدرو سانشيز إلى سبتة بعد ساعات من تفجر الأزمة حملت أكثر من رسالة. الأولى داخلية، موجهة إلى الرأي العام الإسباني، ومفادها أن الحكومة لن تترك المدينة وحدها في مواجهة الضغط الحدودي. والثانية خارجية، لتأكيد أن مدريد تتعامل مع ما جرى بوصفه مسألة سيادة وحدود، لا مجرد تدفق عابر للمهاجرين. والثالثة أوروبية، إذ ارتبطت الزيارة مباشرة بالاتصالات مع مؤسسات الاتحاد.

وفي الصور الرسمية التي نشرتها الحكومة الإسبانية من الزيارة، ظهر سانشيز وهو يتابع التطورات مع مسؤولي الأمن والسلطات المحلية في سبتة، في مشهد يعكس حجم الحساسية التي أحاطت بالواقعة. ويمكن الإشارة إليه هنا بصفته الشخصية الأبرز في هذه الأزمة: بيدرو سانشيز (@sanchezcastejon على إنستغرام)، الذي قاد الرد السياسي الإسباني في ذروة التوتر.

بين الهجرة والسياسة

أزمة سبتة أعادت فتح نقاش قديم ومتجدد في أوروبا: هل يمكن فصل إدارة الهجرة عن الخلافات السياسية والدبلوماسية؟ التجربة أظهرت أن الجواب ليس سهلاً. فحين تتوتر العلاقات بين دول الجوار والاتحاد الأوروبي، تتحول الحدود بسرعة إلى ساحة اختبار حساسة، خصوصاً في نقاط العبور الواقعة على تخوم أفريقيا مثل سبتة ومليلية.

وفي هذا السياق، تتعامل المؤسسات الأوروبية عادة مع هذه الأزمات باعتبارها ملفات مركبة تجمع بين الأمن والدبلوماسية والاعتبارات الإنسانية. لذلك لم يقتصر الخطاب الأوروبي على دعم إسبانيا فقط، بل شمل أيضاً تأكيد أهمية استمرار الشراكة مع المغرب، وهو ما يعكس إدراكاً أوروبياً بأن المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي.

خلاصة المشهد

تضامن المجلس الأوروبي مع إسبانيا في أزمة سبتة لم يكن مجرد موقف رمزي، بل رسالة سياسية تؤكد أن الاتحاد الأوروبي يعتبر ما يحدث عند هذه الحدود شأناً أوروبياً مشتركاً. وفي الوقت نفسه، أظهرت الأزمة أن شمال أفريقيا يظل مساحة شديدة الحساسية في حسابات أوروبا، ليس فقط بسبب الجغرافيا، بل أيضاً بفعل الترابط بين ملفات الهجرة والسيادة والعلاقات الإقليمية.

وبالنسبة لقسم أفريقيا، تظل سبتة نموذجاً واضحاً لكيفية تداخل الشأن الأفريقي مع القرار الأوروبي. فهي نقطة صغيرة على الخريطة، لكنها تكشف، كلما انفجرت فيها أزمة، حجم التشابك بين الضفتين الشمالية والجنوبية للمتوسط، وهو تشابك يهم القاهرة كما يهم مدريد وبروكسل والرباط.