المجلس القومي لحقوق الإنسان يعتمد لوائحه ويقر مدونة لمكافحة التحرش
خطوة تنظيمية جديدة داخل المجلس القومي لحقوق الإنسان
دخل المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر مرحلة مؤسسية جديدة بعد إقراره حزمة من اللوائح المنظمة لعمله، شملت اللائحة الداخلية واللائحة المالية ولوائح الموارد البشرية، إلى جانب اعتماد مدونة لمكافحة التحرش داخل بيئة العمل. وتأتي هذه الخطوة في توقيت يسعى فيه المجلس إلى تطوير بنيته الإدارية ورفع كفاءة أدائه بوصفه مؤسسة وطنية مستقلة تُعنى بحماية وتعزيز حقوق الإنسان، مع امتداد متزايد لدوره في التفاعل مع الملفات الإقليمية والأفريقية.
ويترأس المجلس في دورته الحالية السفير الدكتور أحمد إيهاب جمال الدين، الذي تولى المنصب عقب إعادة تشكيل المجلس بقرار رقم 119 لسنة 2026 لمدة أربع سنوات، فيما يشغل محمد أنور السادات منصب نائب الرئيس. ويؤكد هذا التشكيل، بحسب البيانات الرسمية للمجلس والهيئة العامة للاستعلامات، توجهًا نحو تعزيز الأداء المؤسسي والانفتاح على المعايير الدولية المنظمة لعمل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.
ماذا تعني اللوائح الجديدة؟
اعتماد اللوائح الداخلية والمالية ولوائح الموارد البشرية لا يقتصر على الجانب الإداري فقط، بل يعكس سعي المجلس إلى تنظيم آليات اتخاذ القرار، وتحديد الاختصاصات، وضبط الإنفاق، وتحديث قواعد التوظيف والتقييم الوظيفي. وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية لأن المجلس كان قد أشار في تقاريره السنوية الأخيرة إلى العمل على إعادة هيكلة الأمانة الفنية، بما يشمل بطاقات الوصف الوظيفي وتقسيم الإدارات واختصاصاتها ومسودة لائحة الموارد البشرية.
ومن الناحية العملية، فإن إقرار هذه اللوائح يضع إطارًا أكثر وضوحًا لإدارة الشكاوى، وتسيير الأعمال الفنية والإدارية، وتحسين بيئة العمل الداخلية، وهي أمور ترتبط مباشرة بقدرة المجلس على الاضطلاع بمهامه الرقابية والاستشارية، سواء داخل مصر أو في دوائر التعاون الإقليمي داخل القارة الأفريقية.
مدونة مكافحة التحرش.. رسالة داخلية وخارجية
يحمل اعتماد مدونة لمكافحة التحرش دلالة مهمة تتجاوز الإطار الإداري. فمن جهة، يرسخ المجلس قواعد سلوكية مهنية داخلية يفترض أن تضمن بيئة عمل آمنة ومحترمة للعاملين والمتعاملين معه. ومن جهة أخرى، ينسجم ذلك مع مسار تشريعي أوسع في مصر شهد خلال السنوات الأخيرة تشديد العقوبات على جرائم التحرش.
وكان المجلس نفسه قد أشار في تقاريره ومواده المنشورة إلى التعديلات التشريعية ذات الصلة، ومنها قانون رقم 141 لسنة 2021 الخاص بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات لمواجهة التحرش الجنسي، ثم قانون رقم 185 لسنة 2023 الذي تناول تغليظ العقوبات على عدد من الجرائم المستحدثة، ومنها التحرش والاعتداء الجنسي والتنمر. وبذلك تبدو المدونة الجديدة امتدادًا لمناخ قانوني ومؤسسي أوسع يربط بين الوقاية، والمساءلة، ورفع الوعي.
وفي السياق الأفريقي، يكتسب هذا التطور صدى خاصًا، لأن قضايا الحماية داخل أماكن العمل والمؤسسات العامة باتت تحتل مساحة أكبر في نقاشات حقوق الإنسان عبر القارة، سواء داخل اللجان الوطنية أو ضمن أعمال اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، التي يواصل المجلس المصري التفاعل معها في دورته الحالية.
تعيين أمين عام جديد.. ما الذي تغيّر؟
بحسب الخبر محل المتابعة، اعتمد المجلس كذلك تعيين حاتم العبد أمينًا عامًا جديدًا. وبينما أمكن التحقق من أن منصب الأمين العام شهد خلال الفترة السابقة تولي الدكتور هاني إبراهيم المسؤولية منذ مايو 2025 حتى يوليو 2026 وفق الصفحة الرسمية الخاصة بدورات تشكيل المجلس، فإن الإعلان الجديد يشير إلى انتقال المنصب إلى قيادة إدارية جديدة ضمن عملية التطوير التنظيمي الجارية.
أهمية منصب الأمين العام داخل المجلس لا تتعلق بالتمثيل فقط، بل بالإدارة اليومية لملفات الأمانة الفنية، ومتابعة تنفيذ قرارات المجلس، وتنسيق العمل بين اللجان والوحدات المختلفة. كما أن قانون إنشاء المجلس رقم 94 لسنة 2003، المعدل بالقانون رقم 197 لسنة 2017، يمنح الأمانة العامة دورًا محوريًا في دعم استقلال المؤسسة وتفعيل ولايتها.
مجلس بتشكيل جديد وتحرك إقليمي أوسع
إعادة تشكيل المجلس في مارس 2026 برئاسة أحمد إيهاب جمال الدين جاءت بعد موافقة مجلس النواب، ثم مباشرة الرئيس الجديد مهامه رسميًا. وخلال الأشهر التالية، أعلن المجلس في اجتماعاته الدورية إقرار خطة العمل السنوية 2026-2027، مع التأكيد على تطوير أدوات الرصد وتلقي الشكاوى، وتكثيف الحضور الوطني، والانخراط بصورة أكبر في المحافل الإقليمية والدولية.
هذا البعد مهم خصوصًا لقراء قسم أفريقيا، لأن المجلس المصري لا يتحرك فقط داخل الإطار المحلي، بل يشارك أيضًا في مسارات أفريقية متصلة بحقوق الإنسان. وفي أكتوبر 2026، شارك المجلس في أعمال الدورة التاسعة والثمانين للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في داكار، ضمن تحرك يستهدف تقوية التواصل مع الآليات الأفريقية وتطوير التعاون المؤسسي معها.
ومن هنا، فإن إقرار اللوائح الجديدة ومدونة مكافحة التحرش لا يمكن قراءته باعتباره شأنًا إداريًا محدودًا، بل باعتباره جزءًا من إعادة تموضع مؤسسي يهدف إلى تقوية صورة المجلس داخليًا وخارجيًا، ورفع جاهزيته للتعامل مع التحديات الحقوقية المتغيرة في مصر ومحيطها القاري.
لماذا يهم هذا التطور المتابعين للشأن الأفريقي؟
في السنوات الأخيرة، اتجهت مؤسسات وطنية عدة في أفريقيا إلى مراجعة هياكلها الداخلية لتحسين الحوكمة والامتثال للمعايير الدولية، خاصة ما يرتبط باستقلالية القرار، ووضوح الاختصاصات، وآليات الحماية داخل بيئات العمل. وفي هذا السياق، تبدو الخطوات التي اتخذها المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر جزءًا من اتجاه أوسع داخل القارة لتحديث المؤسسات الحقوقية الوطنية وربطها بمبادئ الفعالية والشفافية.
- أولًا: اعتماد لوائح واضحة يعزز استقرار العمل المؤسسي ويقلل الارتباك الإداري.
- ثانيًا: مدونة مكافحة التحرش تمنح بعدًا وقائيًا مهمًا داخل مؤسسة يفترض أن تكون نموذجًا في احترام الحقوق.
- ثالثًا: تغيير الأمانة العامة قد ينعكس على وتيرة تنفيذ الخطط والبرامج والشراكات.
- رابعًا: التطوير الإداري يقوي حضور المجلس في شبكات التعاون الأفريقية والدولية.
خلاصة المشهد
الرسالة الأساسية من القرارات الأخيرة هي أن المجلس القومي لحقوق الإنسان يسعى إلى تثبيت قواعد تشغيل أكثر وضوحًا وتحديثًا، في لحظة تشهد فيها المؤسسات الحقوقية في أفريقيا ضغوطًا متزايدة لإثبات الكفاءة والاستقلال والقدرة على الإنجاز. وبين إقرار اللوائح التنظيمية، واعتماد مدونة مكافحة التحرش، وتعيين أمين عام جديد، يبدو أن المجلس يضع أسس مرحلة مؤسسية مختلفة، عنوانها الحوكمة الداخلية والجاهزية المؤسسية والتفاعل الإقليمي.
وبالنسبة للمشهد المصري داخل محيطه الأفريقي، فإن مثل هذه الخطوات تبقى محل متابعة، ليس فقط لصلتها المباشرة بملف حقوق الإنسان، بل أيضًا لأنها تؤثر في قدرة المؤسسة الوطنية الأبرز في هذا المجال على الحضور في النقاشات القارية حول العدالة، والمساواة، والكرامة الإنسانية.