المخا وباب المندب: لماذا يثير التقدم الحوثي قلق مصر؟
المخا ليست مجرد مدينة يمنية.. بل عقدة في معادلة البحر الأحمر
عندما يتردد خبر عن اقتراب جماعة الحوثي من المخا أو من المناطق الساحلية المحاذية لمضيق باب المندب، فإن المسألة لا تُقرأ بوصفها تطورًا ميدانيًا يمنيًا محدودًا فحسب، بل باعتبارها إشارة إلى احتمال تغيّر ميزان حساس يربط بين الحرب الأهلية اليمنية وأمن البحر الأحمر ومصالح دول المنطقة، وفي مقدمتها مصر. فالمخا تقع على الساحل الغربي لليمن، فيما يمثل باب المندب أحد أهم الممرات البحرية التي تصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وهو ما يمنح أي تحرك عسكري هناك وزنًا يتجاوز الجغرافيا المحلية.
المعطى الأساسي الذي يستحق التوقف عنده ليس فقط السيطرة على مدينة أو التقدم نحو شريط ساحلي، بل ما يعنيه ذلك سياسيًا: هل يقترب الحوثيون من امتلاك نفوذ أوسع على منافذ يمكن من خلالها زيادة الضغط على الملاحة؟ وهل يتحول الساحل الغربي إلى ساحة مساومة إقليمية مفتوحة، تُستخدم فيها الجغرافيا البحرية ورقة تفاوض بقدر ما تُستخدم ميدان قتال؟ هذه الأسئلة تبدو اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى مع استمرار الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب، وهي هجمات قالت الأمم المتحدة إنها تهدد حرية الملاحة وسلاسل الإمداد العالمية.
لماذا المخا بالذات؟
أهمية المخا لا تنبع فقط من رمزيتها التاريخية كميناء يمني قديم ارتبط اسمه بتجارة البن، بل من موقعها الراهن على الساحل الغربي. تقارير حديثة أشارت إلى أن المدينة وميناءها تعرضا خلال أغسطس 2026 لسلسلة ضربات صاروخية وطائرات مسيرة، في سياق تصعيد واضح على الجبهة البحرية والبرية المحيطة بها. كما أوردت تغطيات ميدانية أن الميناء يمثل شريانًا تجاريًا وخدميًا مهمًا في المنطقة، وأن أي تعطيل لعمله ينعكس مباشرة على السكان والأنشطة اللوجستية في الساحل الغربي.
وتزداد حساسية المخا لأن المسافة بينها وبين باب المندب قصيرة نسبيًا في الحسابات العسكرية. إحدى القراءات المنشورة حديثًا قدّرت أن الميناء يبعد نحو 80 كيلومترًا عن المضيق، وهو ما يجعل أي تبدل في خطوط السيطرة أو في نطاق النيران مؤثرًا على بيئة الملاحة لا على مدينة بعينها فقط. هنا تتضح طبيعة التحول: من معركة على الأرض إلى معركة على الممرات.
باب المندب في الحساب المصري
بالنسبة إلى القارئ المصري، قد يبدو الصراع في غرب اليمن بعيدًا جغرافيًا، لكنه في الحقيقة متصل مباشرة بمصالح مصر الاقتصادية والاستراتيجية. قناة السويس لا تُفهم بمعزل عن أمن البحر الأحمر وباب المندب، لأن هذا المسار هو الامتداد الطبيعي لحركة السفن المتجهة من آسيا إلى أوروبا والعكس. صندوق النقد الدولي أشار إلى أن التجارة العابرة لقناة السويس تراجعت 50% في أول شهرين من 2024 مقارنة بالعام السابق نتيجة الهجمات في البحر الأحمر، فيما أوضحت الأونكتاد أن اضطراب الملاحة في هذا المسار رفع الضغوط على التجارة العالمية وسلاسل التوريد.
هذا يفسر لماذا تراقب القاهرة عن كثب أي تصعيد قرب باب المندب. فكل زيادة في المخاطر الأمنية هناك قد تدفع مزيدًا من الخطوط الملاحية إلى تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، وهو خيار أطول وأكثر كلفة. وتؤكد هيئة قناة السويس أن القناة تظل محورًا رئيسيًا في التجارة العالمية، كما أن الهيئة واصلت خلال 2025 عقد اجتماعات مع شركات وخطوط ملاحية كبرى لمتابعة تأثير التطورات في البحر الأحمر وباب المندب على حركة العبور.
ما الذي يعنيه ذلك لمصر عمليًا؟
- اقتصاديًا: أي اضطراب مطول في باب المندب يضغط على إيرادات قناة السويس ويزيد كلفة الشحن والتأمين.
- استراتيجيًا: اتساع نفوذ أي طرف مسلح قرب المضيق يفرض معادلات أمنية جديدة في البحر الأحمر.
- سياسيًا: تزداد أهمية التنسيق الإقليمي والدولي لحماية الملاحة ومنع تحويل المضيق إلى أداة ابتزاز جيوسياسي.
بين السيطرة الميدانية والقدرة على التعطيل
في النقاش العام، يختلط أحيانًا مفهوم السيطرة على الأرض بمفهوم القدرة على التعطيل. حتى لو لم تتحول المخا نفسها إلى نقطة حسم نهائي في الحرب، فإن مجرد اقتراب جبهة القتال من محيطها ومن باب المندب يرفع تكلفة المخاطرة على الشحن الدولي. والمشكلة هنا أن الأسواق وشركات النقل البحري لا تنتظر غالبًا اكتمال الوقائع العسكرية؛ يكفي اتساع مدى التهديد أو تكرار الاستهدافات كي تعيد حساباتها. تقارير الأمم المتحدة والأونكتاد وصندوق النقد جميعها ذهبت إلى أن هجمات البحر الأحمر خلال الفترة الأخيرة كانت كافية لإحداث اضطراب واسع في التجارة العالمية.
ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال الأهم: هل يسعى الحوثيون إلى انتزاع موطئ قدم جديد على الساحل، أم إلى تثبيت معادلة ردع بحري تجعلهم طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مقبلة؟ المؤشرات المتاحة ترجح أن المسارين قد يتداخلان. فالتصعيد العسكري على الساحل الغربي، والهجمات على السفن، والحديث في تقارير إعلامية دولية عن التفكير في فرض أعباء على المرور البحري، كلها تعكس رغبة في تحويل الجغرافيا إلى نفوذ سياسي واقتصادي.
ماذا تقول التطورات الأحدث عن مسار الأزمة؟
المشهد حتى سبتمبر 2026 يوحي بأن جبهة الساحل الغربي لم تعد هامشية. تقارير وتحقيقات حديثة تناولت قصف ميناء المخا، وسقوط ضحايا في هجمات على سفن قرب باب المندب، وتداول مزاعم عن تقدم ميداني للحوثيين في اتجاه المضيق، ما يعكس تصاعدًا مستمرًا في حساسية هذه المنطقة. وفي المقابل، تبرز أيضًا معركة الروايات؛ فبعض المواد المتداولة على المنصات الاجتماعية خضعت لاحقًا للتدقيق أو التشكيك، بما يعني أن التثبت من الأخبار في هذا الملف ضرورة مهنية قبل البناء عليها سياسيًا.
لكن حتى مع الحذر من الدعاية المتبادلة، يبقى الثابت أن باب المندب عاد إلى قلب الأزمة اليمنية، لا إلى هامشها. وهذا بحد ذاته تطور كبير. فالحرب التي بدأت صراعًا داخليًا على السلطة والنفوذ تحولت منذ سنوات إلى أزمة إقليمية تمس الأمن البحري والطاقة والتجارة، والآن يبدو أن السواحل والموانئ تحتل موقعًا متقدمًا في هذا التحول.
الخلاصة: لماذا يجب أن يهتم القارئ المصري؟
لأن ما يجري في المخا وباب المندب ليس خبرًا بعيدًا عن الحياة اليومية في مصر. أي تهديد مستمر لهذا الممر ينعكس على كلفة التجارة العالمية، وعلى عائدات قناة السويس، وعلى تصورات الأمن في البحر الأحمر. ومن منظور تحليلي، فإن أخطر ما في التقدم الحوثي المحتمل نحو هذه المنطقة ليس فقط تغير الخريطة العسكرية في اليمن، بل احتمال ترسيخ واقع جديد تصبح فيه الملاحة الدولية أكثر تعرضًا للضغط، وتصبح معه مصر أمام تحدٍ إقليمي ممتد يتطلب قراءة استراتيجية لا متابعة خبرية عابرة.
لهذا، فإن أي حديث عن المخا يجب أن يُقرأ في القاهرة بوصفه حديثًا عن باب المندب، وأي حديث عن باب المندب هو في النهاية حديث غير مباشر عن قناة السويس ومكانة مصر في معادلة التجارة والأمن البحريين.