Akhbar Cairo

المفوضية الأوروبية تطرح 5 مشاريع دفاعية مشتركة جديدة

المفوضية الأوروبية تدفع نحو شراكة دفاعية أوسع داخل الاتحاد

في خطوة تعكس تسارع التحولات في ملف الأمن الأوروبي، اقترحت المفوضية الأوروبية يوم الجمعة 3 يوليو 2026 إطلاق خمسة مشاريع دفاعية مشتركة جديدة تحت مسمى مشاريع الدفاع الأوروبية ذات المصلحة المشتركة (EDPCIs). وتستهدف هذه المبادرات دعم دول الاتحاد الأوروبي في تطوير أنظمة عسكرية استراتيجية بصورة جماعية، بما يعزز القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية ويقلل الاعتماد على القدرات المنفردة لكل دولة.

التحرك الجديد يأتي ضمن مسار أوسع تتبناه بروكسل لتقوية التصنيع العسكري الأوروبي ورفع الجاهزية الدفاعية، في وقت تواصل فيه العواصم الأوروبية مراجعة أولوياتها الأمنية على خلفية الحرب في أوكرانيا وتزايد الحديث عن ضرورة بناء قدرة ردع أوروبية أكثر تماسكًا. ومن زاوية تهم القارئ المصري والأفريقي، فإن هذه الخطوة لا ترتبط بأمن القارة الأوروبية وحدها، بل قد تنعكس على توازنات التسليح، وسوق الصناعات الدفاعية، وشبكات الإمداد والتعاون الأمني عبر المتوسط والبحر الأحمر وشمال أفريقيا.

ما هي المشاريع الخمسة المقترحة؟

بحسب المفوضية الأوروبية، تركز الحزمة الجديدة على خمسة مجالات أولوية:

  • الطائرات المسيّرة وأنظمة مواجهة المسيّرات.
  • الدفاع البحري وحماية قاع البحر.
  • القدرات الفضائية.
  • الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل.
  • تعزيز الأمن على الجناح الشرقي للاتحاد الأوروبي.

وتوضح الوثائق التعريفية الصادرة عن المفوضية أن هذه المشاريع صُممت لتوفير إطار تعاون لمبادرات ضخمة أو معقدة يصعب على دولة أوروبية واحدة تطويرها أو تمويلها بمفردها. كما أنها تستند إلى دعوة رسمية وجهتها المفوضية إلى الدول الأعضاء لتقديم مشروعات مرشحة يمكن إدراجها ضمن هذا المسار الدفاعي المشترك.

تمويل أولي من برنامج الدفاع الصناعي الأوروبي

المفوضية خصصت 325 مليون يورو لدعم تأسيس ونشر هذه المشاريع، وذلك من خلال برنامج الصناعة الدفاعية الأوروبية (EDIP) الذي تبلغ موازنته 1.5 مليار يورو، وفق برنامج العمل المنشور في 30 مارس 2026. ويُعد هذا التمويل بمثابة دفعة تأسيسية، على أن تصبح المشاريع بعد اعتمادها رسميًا مؤهلة للحصول على تمويل أوروبي إضافي عبر الإجراءات المخصصة داخل البرنامج نفسه، مع إمكانية الاستفادة لاحقًا من أدوات تمويل أوروبية أخرى.

كما أشارت المفوضية إلى أن متوسط عدد الدول المشاركة في كل مشروع يبلغ 18 دولة عضوًا، بينما تشارك أوكرانيا في أربعة من أصل خمسة مشاريع. وهذه النقطة مهمة سياسيًا، لأنها تعكس استمرار دمج كييف في بعض الأطر الصناعية والدفاعية الأوروبية، وليس فقط في الدعم العسكري المباشر.

ما حجم الاستثمارات المتوقعة؟

المفوض الأوروبي للدفاع والفضاء أندريوس كوبيليوس قال إن الطموح التمويلي المجمع للمشاريع الخمسة يصل إلى نحو 190 مليار يورو بحلول 2036. وتُظهر الأوراق التعريفية الأولية تقديرات متفاوتة بحسب طبيعة كل مشروع:

  • مشروع الطائرات المسيّرة ومكافحة المسيّرات: استثمارات تقديرية بين 3.5 و5 مليارات يورو بحلول 2033.
  • مشروع الدفاع البحري وقاع البحر: بين 43 و72 مليار يورو بحلول 2045.
  • مشروع القدرات الفضائية: نحو 24 مليار يورو بحلول 2034.
  • مشروع الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل: بين 55 و80 مليار يورو بحلول 2040.
  • مشروع مراقبة الجناح الشرقي: بين 60 و100 مليار يورو بحلول 2036.

هذه الأرقام تكشف أن بروكسل لا تتحدث عن مبادرات رمزية أو قصيرة الأجل، بل عن بنية صناعية وعسكرية طويلة النفس، تشمل الإنتاج، والتكامل التكنولوجي، والتشغيل المشترك، وتنسيق الاحتياجات الدفاعية بين عدة دول.

لماذا يهم هذا التطور القارئ في مصر وأفريقيا؟

رغم أن القرار أوروبي الطابع، فإن أصداءه تتجاوز حدود الاتحاد. فأوروبا شريك رئيسي لدول شمال أفريقيا في ملفات الأمن البحري، ومراقبة الحدود، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، فضلًا عن كونها سوقًا مؤثرة في تجارة السلاح والاستثمار الصناعي الدفاعي. أي توسع أوروبي في الصناعات العسكرية والأنظمة البحرية والفضائية قد ينعكس على البيئة الأمنية في المتوسط، وعلى طبيعة الشراكات التي تسعى دول أفريقيا لإبرامها في مجالات الرصد البحري، والطائرات غير المأهولة، والإنذار المبكر.

ومن منظور أفريقي، يلفت مشروع الدفاع البحري وقاع البحر الانتباه بشكل خاص، لأن أمن الكابلات البحرية والبنى التحتية تحت سطح البحر بات مرتبطًا مباشرة بالتجارة والاتصالات والطاقة، وهي ملفات تمس أيضًا شرق المتوسط، والبحر الأحمر، والسواحل الأفريقية. كذلك فإن التوسع في برامج الطائرات المسيّرة وأنظمة اعتراضها يواكب اتجاهًا عالميًا متسارعًا يظهر بوضوح في النزاعات المحيطة بالقارة.

ما الخطوة التالية داخل الاتحاد الأوروبي؟

بحسب المفوضية، ينتقل الملف الآن إلى مجلس الاتحاد الأوروبي للنظر في التأسيس الرسمي لهذه المشاريع، وتحديد أهداف كل مشروع وخصائصه، والدول المشاركة فيه، وحجم الاستثمارات المتوقع تعبئتها. وبعد اعتماد قائمة المشاريع، تصبح مؤهلة للحصول على دعم مالي أوروبي وفق آلية مخصصة داخل برنامج الصناعة الدفاعية الأوروبية.

وتستند هذه الخطوة إلى الإطار التشريعي الأحدث للاتحاد في هذا المجال، إذ تم اعتماد لائحة برنامج الصناعة الدفاعية الأوروبية في 16 ديسمبر 2025. ويهدف هذا الإطار إلى تحديث الصناعة الدفاعية الأوروبية، وتأمين توافر التكنولوجيا المتقدمة، وزيادة الطاقة الإنتاجية، ودعم الشراء المشترك، وتقوية سلاسل الإمداد العسكرية داخل الاتحاد.

رسالة سياسية تتجاوز الجانب الصناعي

نائبة رئيس المفوضية التنفيذية لشؤون السيادة التكنولوجية والأمن والديمقراطية هينا فيركونن قدمت الخطوة باعتبارها جزءًا من مسعى أوروبي لتعزيز الأمن والسيادة، فيما شدد كوبيليوس على أن المشاريع ستسهم مباشرة في تطوير مظلة أوروبية في مجالات الجو والبحر والفضاء، إلى جانب توسيع قدرات مواجهة المسيّرات وتعزيز الجاهزية على الحدود الشرقية.

المعنى الأوضح هنا أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى الانتقال من مرحلة تنسيق السياسات الدفاعية إلى مرحلة المشروعات الصناعية المشتركة واسعة النطاق. وهذا التحول، إن اكتمل، قد يمنح أوروبا قدرة أكبر على الإنتاج والتمويل والانتشار، ويقلص الفجوات بين الجيوش الأوروبية في مجالات الإنذار المبكر، والدفاع الجوي، والقدرات البحرية، والاستطلاع الفضائي.

خلاصة المشهد

ما أعلنته المفوضية الأوروبية في 3 يوليو 2026 ليس مجرد عنوان سياسي، بل خطوة مؤسسية نحو إعادة تشكيل القدرات الدفاعية للاتحاد على أساس جماعي طويل الأمد. وبينما يظل القرار النهائي بيد الدول الأعضاء ومجلس الاتحاد، فإن تخصيص التمويل الأولي، واتساع قاعدة المشاركة، ووجود تقديرات استثمارية ضخمة، كلها مؤشرات على أن أوروبا تمضي نحو مرحلة جديدة من التصنيع العسكري المشترك. وبالنسبة لمتابعي الشأن الأفريقي من مصر، تبقى أهمية الخبر في أنه يكشف اتجاهًا أوروبيًا قد يؤثر في توازنات الأمن الإقليمي، والتعاون عبر المتوسط، ومستقبل أسواق الدفاع والتكنولوجيا في محيط القارة.