Akhbar Cairo

المفوضية الأوروبية تندد بعقوبات واشنطن على الجنائية الدولية

تصعيد جديد بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية

أدانت المفوضية الأوروبية القرار الأمريكي بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، في موقف يعكس تمسك الاتحاد الأوروبي باستقلال مؤسسات العدالة الدولية ورفضه الضغوط السياسية الواقعة عليها. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة من منظور القارئ المصري والأفريقي، لأن المحكمة الجنائية الدولية تبقى فاعلًا حاضرًا في عدد من الملفات المرتبطة بالقارة، من السودان إلى ليبيا، فضلًا عن دورها الأوسع في ملاحقة الجرائم الأشد خطورة على المستوى الدولي.

القرار الأمريكي جاء عبر أمر تنفيذي وقّعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 6 فبراير 2025، ونُشر لاحقًا ضمن الوثائق الرسمية الأمريكية، ويتيح فرض قيود وعقوبات على أشخاص مرتبطين بعمل المحكمة الجنائية الدولية. كما اعتبرت واشنطن أن أي تحرك من المحكمة للتحقيق أو التوقيف أو الملاحقة بحق أشخاص تعتبرهم الولايات المتحدة ضمن الفئات المحمية يمثل تهديدًا غير عادي للأمن القومي والسياسة الخارجية الأمريكية.

كيف عبّرت بروكسل عن موقفها؟

الموقف الأوروبي لم يقتصر على تسجيل اعتراض دبلوماسي عابر، بل اتخذ صيغة دفاع سياسي وقانوني عن المحكمة. رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ذكّرت بأن المحكمة يجب أن تبقى قادرة على العمل بحرية ومن دون ضغوط، وهو خط سياسي يتسق مع دعم أوروبي معلن منذ سنوات للمحكمة بوصفها إحدى ركائز النظام القانوني الدولي. كما عبّر مسؤولون أوروبيون، بينهم رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، عن اعتبار هذه العقوبات مساسًا باستقلال القضاء الدولي.

وبالتوازي مع ذلك، صدرت في 7 فبراير 2025 مواقف أوروبية متقاطعة مع حكومات غربية أخرى تؤكد دعم المحكمة الجنائية الدولية ودورها في مكافحة الإفلات من العقاب. هذا الاصطفاف يعكس أن الخلاف لا يتعلق بإجراء إداري أمريكي فقط، بل بنظرة أوسع إلى حدود السيادة الوطنية في مواجهة الولاية القضائية الدولية.

ما الذي قالته المحكمة الجنائية الدولية؟

المحكمة، التي تتخذ من لاهاي مقرًا لها، رفضت بدورها العقوبات الأمريكية وأكدت أنها ستواصل أداء مهامها القضائية. وفي بيان رسمي صدر في 7 فبراير 2025، اعتبرت المحكمة أن الأمر التنفيذي الأمريكي يستهدف تقويض عملها القضائي المستقل وغير المنحاز. كما شددت رئيسة المحكمة القاضية توموكو أكاني على أن المحكمة ستقف إلى جانب موظفيها وستواصل السعي لتحقيق العدالة للضحايا في القضايا المعروضة أمامها.

هذا الرد يوضح أن الأزمة ليست رمزية فقط، لأن العقوبات يمكن أن تؤثر عمليًا في الموظفين أو المتعاونين مع المحكمة، بما في ذلك ما يتصل بالتعاملات المالية أو القيود على السفر أو غيرها من الإجراءات التي تُستخدم عادة ضمن أنظمة العقوبات الأمريكية.

لماذا يهم هذا التطور أفريقيا؟

بالنسبة إلى قسم «أفريقيا»، فإن أي توتر يمس المحكمة الجنائية الدولية له انعكاسات مباشرة على القارة. فالمحكمة نظرت تاريخيًا في عدد كبير من القضايا والملفات الأفريقية، سواء عبر تحقيقات أو مذكرات توقيف أو متابعات قضائية تتصل بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. واليوم لا تزال ملفات مثل دارفور في السودان وليبيا ضمن دوائر الاهتمام القضائي الدولي، ما يجعل أي إضعاف للمحكمة قضية تتجاوز أوروبا والولايات المتحدة إلى المجال الأفريقي نفسه.

في السياق السوداني مثلًا، يظل ملف دارفور واحدًا من أبرز الأمثلة على تقاطع العدالة الدولية مع الأزمات الأفريقية المزمنة. كما أن استمرار النزاعات المسلحة والانتهاكات الجسيمة في أجزاء من القارة يجعل وجود محكمة دولية مستقلة محل اهتمام ليس فقط للضحايا ومنظمات الحقوق، بل أيضًا للدول التي ترى في العدالة عنصرًا من عناصر الاستقرار طويل الأمد.

خلفية الخلاف بين واشنطن والمحكمة

التوتر بين الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية ليس جديدًا. فواشنطن ليست طرفًا في نظام روما الأساسي، وهو المعاهدة المؤسسة للمحكمة، وقد سبق لإدارات أمريكية سابقة أن دخلت في صدامات مع المحكمة، خاصة حين تعلقت التحقيقات بمصالح أمريكية أو بحلفاء للولايات المتحدة. وفي 2020، فرضت إدارة ترامب الأولى عقوبات على المدعية العامة السابقة فاتو بنسودا ومسؤول آخر في المحكمة على خلفية التحقيق في أفغانستان، قبل أن تُرفع لاحقًا في عهد إدارة جو بايدن.

لكن عودة العقوبات في فبراير 2025 فتحت جولة أكثر حساسية، لأنها جاءت في مناخ دولي متوتر أصلًا بشأن تطبيق القانون الدولي بشكل متساوٍ. لهذا بدا الموقف الأوروبي حادًا نسبيًا، إذ رأت بروكسل أن التشكيك في شرعية المحكمة أو معاقبة العاملين معها يهدد فكرة المحاسبة العابرة للحدود.

ما الذي يمكن أن تفعله أوروبا؟

على المستوى العملي، يراقب الاتحاد الأوروبي أثر العقوبات الأمريكية على المحكمة وعلى من يتعامل معها داخل أوروبا. وظهرت نقاشات سياسية وقانونية حول أدوات يمكن أن تستخدمها بروكسل لتخفيف أثر العقوبات خارج الحدود الأمريكية، ومنها ما يُعرف أوروبيًا باسم «قانون المنع» أو Blocking Statute، وهو إطار يُستخدم لحماية الكيانات الأوروبية من بعض آثار العقوبات الخارجية. وحتى الآن، لا توجد مؤشرات مؤكدة على تفعيل هذا المسار بالكامل في ملف المحكمة، لكنه مطروح في النقاش الأوروبي.

مثل هذا الاحتمال مهم لأن المحكمة موجودة في أوروبا، ومجال عملها يعتمد على تعاون دولي معقد يشمل تمويلًا وخدمات لوجستية واتصالات وتنقلًا رسميًا. لذلك فإن أي تعطيل لهذه الشبكات قد ينعكس على سير التحقيقات والإجراءات القضائية.

بين القانون والسياسة: ماذا تعني الأزمة للمنطقة؟

في الشرق الأوسط وأفريقيا، يُنظر إلى المحكمة الجنائية الدولية أحيانًا بوصفها أداة ضرورية للعدالة حين تعجز الأنظمة الوطنية، وأحيانًا أخرى بوصفها ساحة تجاذب بين القوى الكبرى. الأزمة الحالية تعيد هذا الجدل بقوة. فمن جهة، تقول أوروبا إن المحكمة يجب أن تعمل باستقلال كامل. ومن جهة أخرى، تصر الولايات المتحدة على رفض إخضاع مواطنيها أو حلفائها لاختصاص محكمة لم تنضم إليها أصلًا.

بالنسبة إلى المتابع المصري، فإن أهمية الخبر لا تقتصر على الخلاف العابر بين بروكسل وواشنطن، بل تمتد إلى سؤال أوسع: هل يستطيع النظام الدولي الحفاظ على آليات محاسبة فعالة في زمن الاستقطاب؟ هذا السؤال له صلة مباشرة بالقارة الأفريقية، حيث تتداخل الأزمات الأمنية مع مطالب العدالة الانتقالية والمساءلة عن الجرائم الجسيمة.

  • تاريخ القرار الأمريكي: 6 فبراير 2025.
  • تاريخ رد المحكمة الجنائية الدولية: 7 فبراير 2025.
  • طبيعة الموقف الأوروبي: إدانة للعقوبات ودعم لاستقلال المحكمة.
  • الأهمية الأفريقية: ارتباط المحكمة بملفات نزاع وتحقيقات تمس دولًا أفريقية.

في المحصلة، تكشف الأزمة أن المحكمة الجنائية الدولية لا تتحرك في فراغ قانوني، بل داخل ساحة سياسية دولية شديدة الحساسية. وبينما تتمسك المفوضية الأوروبية بدعم المحكمة، تبدو الأشهر المقبلة حاسمة في اختبار قدرة النظام الدولي على حماية مؤسساته القضائية من الضغوط الجيوسياسية. وبالنسبة لأفريقيا، فإن نتيجة هذا الاختبار ستكون لها تداعيات تتجاوز لاهاي إلى ساحات النزاع والعدالة في القارة نفسها.