Akhbar Cairo

الموقع 99 في سوريا: ماذا نعرف عن عقدة النووي القديمة؟

عودة اسم «الموقع 99» إلى الواجهة

أعاد الجدل الدائر حول الموقع 99 فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في سوريا خلال العقدين الأخيرين: ملف البرنامج النووي السوري السابق. وخلال الأيام الأخيرة، برزت تقارير غربية وإقليمية تحدثت عن تفاصيل إضافية بشأن موقع يُعتقد أنه ارتبط بتخزين مواد ومخلّفات ذات صلة بمشروع مفاعل الكبر في محافظة دير الزور، إلى جانب تحركات دبلوماسية وأمنية جرت بعيدًا عن الأضواء لتفادي تصعيد جديد في المنطقة.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا التطور لا تتعلق بسوريا وحدها، بل بملف أوسع يخص أمن المشرق العربي، وانتشار السلاح النووي، ودور المؤسسات الدولية في تفكيك إرث البرامج غير المعلنة. كما أن أي تطور في هذا المسار ينعكس على توازنات الإقليم، من الحدود السورية إلى حسابات القوى الدولية والإقليمية.

ما هو «الموقع 99»؟

المؤكد حتى الآن أن الاسم عاد إلى التداول في سياق تقارير حديثة ربطته بمواد مرتبطة بمشروع الكبر، وهو الموقع الذي استهدفته إسرائيل في 6 سبتمبر 2007 في منطقة دير الزور. ووفق ما أوردته تقارير أمريكية حديثة، فإن بقايا من المشروع النووي السوري، ومنها مواد قيل إنها شملت الييلوكيك أو مركزات اليورانيوم، نُقلت أو خُزنت في هذا الموقع الذي يُشار إليه باسم «Site 99» أو «الموقع 99». كما تحدثت هذه التقارير عن جهود دبلوماسية شاركت فيها الولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية والحكومة السورية الجديدة لتأمين المواد ومنع انفجار أزمة إقليمية جديدة.

لكن من المهم التمييز بين ما هو مؤكد رسميًا وما يبقى في إطار التسريبات الصحفية. فالوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تنشر، في المواد التي أمكن التحقق منها علنًا، وصفًا تفصيليًا للرأي العام عن «الموقع 99» بالاسم ذاته، لكنها تواصل منذ سنوات الحديث عن موقع دير الزور وثلاثة مواقع أخرى «مرتبطة وظيفيًا» به، في إطار تحقيقها الطويل بشأن الأنشطة النووية السورية غير المعلنة.

القصة تبدأ من مفاعل الكبر

لفهم دلالة «الموقع 99»، لا بد من العودة إلى أصل الملف. فالوكالة الدولية للطاقة الذرية خلصت في تقاريرها، منذ عام 2011، إلى أن المبنى الذي دُمر في دير الزور كان «على الأرجح الشديد» مفاعلًا نوويًا كان ينبغي على سوريا الإعلان عنه. كما أوضحت تقييماتها الفنية أن خصائص المبنى والبنية التحتية المحيطة به، بما في ذلك تجهيزات المياه والتبريد، كانت متسقة مع تشغيل مفاعل من نوع مفاعل الجرافيت المبرد بالغاز، مع أوجه شبه فنية بمفاعل يونغبيون الكوري الشمالي.

وفي تقرير تفصيلي رفعته الوكالة عام 2011، قالت إن دمشق لم تقدم المعلومات والوثائق التي تسمح بتأكيد روايتها السابقة بأن الموقع كان ذا طبيعة عسكرية غير نووية، كما أشارت إلى أن صور الأقمار الصناعية وتحليل العينات والهيكل الداخلي المدمَّر كلها دعمت تقييمها بأن المنشأة لم تكن عادية. هذا التقييم ظل حجر الأساس في كل ما تلا ذلك من نقاشات حول الملف النووي السوري.

ما الذي استجد في 2025 و2026؟

التطور الأهم في العامين الأخيرين تمثل في استئناف التعاون بين دمشق والوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد تغيرات سياسية كبيرة شهدتها سوريا. ففي 4 يونيو 2025 نقلت وكالة أسوشيتد برس عن المدير العام للوكالة رافائيل ماريانو غروسي أن الحكومة السورية الجديدة وافقت على منح مفتشي الوكالة وصولًا فوريًا إلى مواقع نووية مشتبه بها. وبعد ذلك، تحدثت تقارير متخصصة عن لقاءات جرت في دمشق بين غروسي والرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع، وانتهت إلى تفاهم يتيح وصولًا غير مقيّد إلى مواقع مرتبطة بالتحقيق.

وفي تقارير لاحقة خلال 2025، جرى الحديث عن نتائج عينات أظهرت وجود جزيئات يورانيوم من منشأ بشري في أحد المواقع الثلاثة المرتبطة وظيفيًا بموقع دير الزور، وبعضها يتسق مع عمليات تحويل مركزات خام اليورانيوم إلى أكسيد اليورانيوم. وهذه نقطة بالغة الحساسية، لأنها تعني أن التحقيق لم يعد محصورًا في موقع تم تدميره قبل سنوات، بل يمتد إلى شبكة أوسع من المواقع والمواد والأنشطة السابقة.

لماذا يثير الموقع 99 كل هذا الاهتمام؟

السبب الأول هو أن الحديث هنا لا يدور عن موقع مهجور فحسب، بل عن مواد محتملة إذا بقيت خارج الرقابة الدقيقة فقد تتحول إلى مصدر قلق أمني وإقليمي. والسبب الثاني أن الملف يتصل مباشرة بمسألة الالتزامات السورية بموجب اتفاق الضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومعاهدة عدم الانتشار النووي.

أما السبب الثالث، فهو سياسي بامتياز. فالحكومة السورية الحالية تسعى إلى إغلاق الملفات الثقيلة الموروثة عن مرحلة بشار الأسد، سواء المتعلقة بالأسلحة الكيميائية أو الأنشطة النووية غير المعلنة، من أجل تحسين موقعها الدولي وفتح صفحة جديدة مع المؤسسات الأممية والدول المؤثرة. وفي هذا السياق، يصبح التعامل مع «الموقع 99» جزءًا من اختبار أوسع يتعلق بمدى استعداد دمشق الجديدة للشفافية والتعاون.

تحركات دبلوماسية وأمنية خلف الكواليس

التقارير الحديثة أشارت إلى أن الملف لم يُدار فقط عبر القنوات الفنية للوكالة الدولية، بل عبر اتصالات أمنية ودبلوماسية مكثفة هدفت إلى منع أي مواجهة جديدة. وبحسب ما تم تداوله في الإعلام الأمريكي، فإن المخاوف لم تكن مقتصرة على وجود مواد مرتبطة بالمشروع القديم، بل امتدت إلى احتمال أن يتحول الموقع إلى بؤرة احتكاك تشمل سوريا وإسرائيل وربما أطرافًا إقليمية أخرى.

هذه الخلفية تفسر لماذا عادت قضية موقع دير الزور والملفات المرتبطة به إلى صدارة المتابعة الدولية، خصوصًا مع استمرار التوتر على الجبهة السورية، وتعدد مناطق النفوذ، وصعوبة ضبط كل المواقع الحساسة داخل بلد لم يتعافَ بالكامل من آثار الحرب. ومن هنا، تبدو أي خطوة لتأمين المواد أو جردها أو نقلها تحت إشراف دولي خطوة تتجاوز البعد التقني إلى منع أزمة سياسية وأمنية أوسع.

ماذا يعني ذلك عربيًا؟

في السياق العربي، يطرح تجدد الحديث عن «الموقع 99» سؤالًا قديمًا جديدًا: كيف يمكن للمنطقة أن تتعامل مع إرث برامج التسلح غير التقليدي، بينما لا تزال تعيش أزمات سيادة وحدود وحروبًا ممتدة؟ بالنسبة لمصر تحديدًا، يبقى ملف إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل جزءًا ثابتًا من خطابها الدبلوماسي، وهو ما يمنح أي تطور في الملف السوري وزنًا يتجاوز الخبر العابر.

كما أن استعادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لدورها الميداني في سوريا تعيد النقاش حول قيمة الرقابة الدولية حين تتوفر الإرادة السياسية والتعاون الرسمي. وفي المقابل، فإن أي غموض أو تلكؤ في كشف مصير المواقع والمواد المرتبطة بالمشروع القديم سيبقي الملف مفتوحًا، وربما قابلًا للتوظيف السياسي والأمني في أي لحظة.

الخلاصة: ما الذي نعرفه فعلًا؟

  • أولًا: موقع دير الزور أو مفاعل الكبر هو جوهر الملف النووي السوري، والوكالة الدولية للطاقة الذرية اعتبرت منذ 2011 أنه كان على الأرجح مفاعلًا نوويًا غير معلن.
  • ثانيًا: «الموقع 99» عاد إلى التداول في تقارير حديثة ربطته بمواد ومخلّفات من المشروع النووي السوري السابق.
  • ثالثًا: هناك تعاون سوري أحدث نسبيًا مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ يونيو 2025، مع وعود بوصول أوسع إلى المواقع المعنية.
  • رابعًا: بعض العينات التي كُشف عنها في تقارير لاحقة دعمت الشكوك بوجود أنشطة نووية غير معلنة في الماضي.
  • خامسًا: الملف لا يزال مفتوحًا، وما يُحسم فيه خلال الفترة المقبلة سيتوقف على حجم الشفافية السورية، وقدرة الوكالة على الوصول الكامل إلى المواقع والمواد محل الشبهات.

وبين التسريبات الصحفية والوثائق الدولية، يظل الثابت أن «الموقع 99» ليس مجرد اسم غامض، بل عقدة جديدة داخل ملف قديم لم يُغلق بعد. وما إذا كانت سوريا ستنجح هذه المرة في طي صفحة النووي غير المعلن، فهذا سؤال ستجيب عنه الشهور المقبلة، لا العناوين المثيرة وحدها.