الناتو: كندا تعزز حضورها مع تقليص أمريكي في أوروبا
كندا في واجهة إعادة ترتيب الأدوار داخل الناتو
يتحرك حلف شمال الأطلسي الناتو في صيف 2026 على وقع مراجعة أمريكية واسعة لحجم ونوعية القدرات التي تضعها واشنطن تحت تصرف الحلف في حال الأزمات، وهي مراجعة دفعت العواصم الأوروبية ومعها كندا إلى تسريع خطوات سد النقص المتوقع، خصوصًا في مجالات الطيران والقدرات البحرية والطائرات المسيّرة. وفي قلب هذا التحول، برز اسم كندا باعتبارها من الدول التي وسعت مساهمتها الميدانية والتنظيمية، في وقت يؤكد فيه مسؤولو الحلف أن الهدف هو تجنب ظهور ثغرات دفاعية مؤثرة.
القصة بدأت تتبلور بوضوح بعد تصريحات أدلى بها الجنرال الأمريكي أليكوس جرينكويتش، القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا، قال فيها إن الولايات المتحدة تتوقع من الحلفاء الأوروبيين وكندا زيادة ما يخصصونه من طائرات مأهولة وغير مأهولة وسفن حربية ضمن خطط الدفاع التابعة للناتو. هذه التصريحات جاءت بعد قرار أمريكي بتقليص جزء من القدرات الموضوعة داخل ما يعرف بـنموذج قوات الناتو، وهو الإطار الذي يحدد القوات الجاهزة التي يمكن استدعاؤها بسرعة عند الأزمات.
ما الذي قاله مارتن أودونيل؟
المتحدث باسم القيادة العسكرية للناتو، العقيد الأمريكي مارتن أودونيل، أكد أن المجالات التي يجري فيها التقليص الأمريكي هي نفسها المجالات التي يملك فيها الحلفاء بالفعل قدرات كافية أو يقتربون من توفيرها، مضيفًا أن الحلف لا يتوقع ظهور فجوات دفاعية مباشرة إذا ما قامت الدول الأعضاء بإسناد ما لديها من إمكانات إلى خطط الناتو. هذا الموقف مهم لأنه يعكس محاولة لطمأنة الدول الأعضاء، وخصوصًا تلك الواقعة على الجناح الشرقي، بأن تقليص المساهمة الأمريكية لن يعني تلقائيًا تراجع قدرة الردع.
ومن الناحية السياسية، يتقاطع هذا التقدير مع ما قاله الأمين العام للناتو مارك روته في يونيو 2026، حين أشار إلى أن دولًا أخرى في الحلف زادت مساهماتها بالفعل لملء جانب كبير من الفراغ الذي تتركه التخفيضات الأمريكية. وبعد ذلك بأيام، نقلت تقارير دولية عن مصدر في الناتو أن الحلف كان يستعد للإعلان عن أن الأعضاء الأوروبيين تمكنوا من سد معظم الفجوات، مع بقاء بعض الصعوبات في القدرات الاستراتيجية الثقيلة مثل القاذفات بعيدة المدى.
لماذا تبرز كندا تحديدًا؟
بالنسبة للقارئ المصري والعربي، قد تبدو كندا بعيدة جغرافيًا عن قلب المشهد الأوروبي، لكن داخل الناتو تحتل أوتاوا موقعًا مهمًا بوصفها الدولة القائدة للتشكيل متعدد الجنسيات في لاتفيا، وهي من أكثر النقاط حساسية على الجناح الشرقي للحلف. وفي 10 يونيو 2026، أعلنت وزارة الدفاع الكندية انتقال قيادة اللواء متعدد الجنسيات التابع للناتو في لاتفيا إلى العقيد ديفيد براسار، ليصبح ثالث قائد كندي يتولى المنصب بعد اكتمال تأسيس اللواء بصيغته الكاملة في 2024.
البيان الكندي أوضح أن هذا الانتقال ليس إجراءً روتينيًا فحسب، بل جزء من استمرار القيادة الكندية في لاتفيا ضمن عملية Operation REASSURANCE. كما كشف أن كندا استثمرت أكثر من 315 مليون دولار كندي في البنية التحتية العسكرية داخل لاتفيا، إلى جانب توسيع استخدام القواعد والمنشآت هناك. وتشمل المنظومات التي جرى دعمها أو التوسع في توفيرها صواريخ Spike LR2 المضادة للدبابات ونظام الدفاع الجوي Saab RBS 70 NG.
الجناح الشرقي: أين تتموضع كندا داخل الخريطة العسكرية؟
يضم الجناح الشرقي للناتو حاليًا تسع مجموعات قتالية متعددة الجنسيات موزعة على بلغاريا وإستونيا وفنلندا والمجر ولاتفيا وليتوانيا وبولندا ورومانيا وسلوفاكيا. وفي حالة لاتفيا، تتولى كندا دور الدولة الإطارية، بمشاركة دول أخرى بينها الدنمارك وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والسويد وسلوفاكيا وسلوفينيا والتشيك وأيسلندا وألبانيا والجبل الأسود ومقدونيا الشمالية. هذا الانتشار يعكس أن عبء الردع لم يعد أمريكيًا خالصًا، بل بات موزعًا بصورة أكبر على أعضاء الحلف.
الناتو كان قد قرر منذ قمة مدريد في يونيو 2022 تعزيز وجوده في الشرق، والانتقال من تشكيلات بحجم كتيبة إلى تشكيلات يمكن رفعها إلى مستوى لواء عند الحاجة. ومع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية منذ فبراير 2022، أصبحت هذه التحركات جزءًا ثابتًا من معادلة الأمن الأوروبي، لا مجرد ترتيبات مؤقتة.
مراجعة أمريكية.. لكن من دون انسحاب كامل وفوري
رغم استخدام تعبيرات مثل “الانسحاب الأمريكي” في بعض التغطيات، فإن الصورة الأدق هي أن واشنطن تجري مراجعة لانتشارها العسكري ولحجم مساهمتها داخل خطط الناتو، وليس انسحابًا شاملًا ومفاجئًا من أوروبا. تقارير دولية أشارت إلى أن عدد القوات الأمريكية في أوروبا يناهز 80 ألف جندي، وأن أي تخفيضات إضافية ستتم على مدى سنوات، بما يمنح الحلفاء وقتًا لتعويض النقص.
التفاصيل المتداولة بشأن التقليص الأمريكي تشمل خفض أعداد بعض المقاتلات والطائرات المسيّرة وطائرات التزود بالوقود والسفن المخصصة لخطط الطوارئ في الحلف. ووفق بيانات نقلتها تقارير دولية عن مصادر عسكرية، فإن عدد المقاتلات الأمريكية المخصصة للناتو قد يتراجع بنحو الثلث، فيما قد ينخفض عدد بعض الطائرات المسيّرة إلى النصف. لكن هذه الأرقام لا تعني تراجعًا شاملاً في الوجود العسكري الأمريكي داخل القارة بقدر ما تعني إعادة توزيع للموارد وفق أولويات واشنطن العالمية.
إيران في الخلفية السياسية للأزمة
المشهد لا ينفصل أيضًا عن التوتر الأوسع مع إيران في 2026، وهو ملف ألقى بظلاله على نقاشات الحلف الداخلية. ووسط الجدل بشأن مواقف بعض الدول الأعضاء من العمليات الأمريكية المرتبطة بإيران، برز توافق داخل الناتو على رفض الهجمات العشوائية وعلى ضرورة حماية أراضي الدول الأعضاء ومنشآتها الحيوية من أي تهديدات صاروخية أو جوية أو بحرية. وفي هذا السياق، تزداد أهمية الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، وهو أحد المجالات التي يركز عليها الحلف بشكل خاص في شرق أوروبا.
بالنسبة للمنطقة العربية، يكتسب هذا التطور أهمية إضافية لأن أي إعادة ترتيب داخل الناتو قد تنعكس على أولويات القوى الغربية في الشرق الأوسط والبحر المتوسط. فكلما زاد انشغال الحلف بترتيبات الردع في أوروبا، ارتفع وزن الدول القادرة على تقاسم الأعباء، سواء داخل القارة أو في مسارح أخرى ترتبط بأمن الطاقة والممرات البحرية.
زيادة الإنفاق الدفاعي تدعم التحول
ومن المؤشرات اللافتة أن الناتو أعلن في 7 يوليو 2026 أن الإنفاق الدفاعي الأساسي لدى الحلفاء الأوروبيين وكندا ارتفع بنحو 20% في 2025 مقارنة بعام 2024. ويعزز هذا الرقم فكرة أن سد الفجوات الناجمة عن تقليص المساهمة الأمريكية لا يجري على مستوى الخطاب فقط، بل تدعمه موازنات وتسليح وتمركز عسكري فعلي.
- كندا تقود اللواء متعدد الجنسيات في لاتفيا.
- الولايات المتحدة تقلص جزءًا من القدرات المخصصة لنموذج قوات الناتو.
- الناتو يؤكد عدم توقع فجوات دفاعية كبيرة إذا التزم الحلفاء بإسناد قدراتهم.
- الجناح الشرقي يظل بؤرة إعادة التموضع العسكري داخل أوروبا.
خلاصة المشهد
ما يجري داخل الناتو ليس مجرد تعديل تقني في توزيع القوات، بل تحول أوسع في فلسفة الأمن الأوروبي. واشنطن تريد من الحلفاء تحمل نصيب أكبر من عبء الدفاع التقليدي عن القارة، بينما تسعى دول مثل كندا إلى إثبات قدرتها على لعب دور يتجاوز الدعم السياسي إلى القيادة الميدانية الفعلية. وبينما لا تزال الولايات المتحدة الضامن العسكري الأكبر في الحلف، فإن التطورات الجارية خلال 2026 تظهر أن أوروبا ومعها كندا دخلت مرحلة جديدة عنوانها: تقاسم أوسع للمسؤولية، مع بقاء المظلة الأطلسية قائمة.