النائب العام في لاهاي لتعزيز التعاون القضائي مع يوروجست
تحرك مصري في لاهاي لدعم مسار العدالة العابرة للحدود
تتجه النيابة العامة المصرية إلى توسيع حضورها في ملفات التعاون القضائي الدولي، مع مشاركة النائب العام المستشار محمد شوقي في اجتماعات المنتدى الأورومتوسطي للمدعين العامين المنعقدة في مدينة لاهاي الهولندية، بمقر وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في العدالة الجنائية يوروجست. وتكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة من زاوية مصرية، لأنها ترتبط بملفات تمس الأمن القانوني والجنائي للدولة، وفي مقدمتها مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتهريب المهاجرين، والاتجار بالبشر، وتبادل الأدلة والمعلومات بين السلطات القضائية.
الاجتماع يأتي ضمن النسخة السابعة من المنتدى الأورومتوسطي للمدعين العامين، وهي منصة تجمع رؤساء أجهزة الادعاء العام من عدد من دول الاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط. وبحسب ما أعلنته يوروجست في بيان رسمي صدر يوم 2 يوليو 2026، شارك في المنتدى ممثلون من دول أوروبية بينها بلغاريا وقبرص وفرنسا واليونان وإيطاليا ومالطا والبرتغال ورومانيا والسويد وهولندا، إلى جانب دول من المنطقة بينها مصر والجزائر ولبنان وليبيا والمغرب وفلسطين وإسرائيل.
ماذا ناقش المنتدى الأورومتوسطي في اجتماعات لاهاي؟
وفق المعطيات الرسمية الصادرة عن يوروجست، ركز المنتدى على تحديثات مشروع EuroMed Justice للفترة 2025-2027، وعلى توصيات عملية لتحسين التعاون القضائي في مواجهة الجرائم الخطيرة والمنظمة. وشملت النقاشات ملفات مثل الاتجار بالبشر، وتهريب المهاجرين، واسترداد الأصول، إلى جانب التوسع في استخدام فرق التحقيق المشتركة بين الدول لتسهيل تبادل الأدلة والمعلومات بشكل أسرع وأكثر فاعلية.
كما أشارت الوكالة الأوروبية إلى أن النصف الثاني من عام 2026 سيشهد تركيزًا أكبر على الجرائم الإلكترونية والأدلة الرقمية، وهو اتجاه ينسجم مع التحولات الجارية في أنماط الجريمة الدولية، حيث باتت الشبكات الإجرامية تستخدم التكنولوجيا والمنصات العابرة للحدود في أنشطتها، ما يفرض على النيابات العامة تطوير آليات الملاحقة والتحقيق والتنسيق الدولي.
مصر ويوروجست.. من التمثيل السياسي إلى خطوات عمل مباشرة
المشاركة المصرية لا تبدو بروتوكولية فقط، بل تأتي فوق أرضية تعاون مؤسسي تم بناؤها خلال العام الماضي. فقد أظهرت وثيقة Working Arrangement المنشورة على موقع يوروجست أن النيابة العامة لجمهورية مصر العربية وقعت ترتيب عمل مع الوكالة في 10 أبريل 2025 بمدينة لاهاي، ووقعه عن الجانب المصري المستشار محمد شوقي بصفته النائب العام، وعن الجانب الأوروبي مايكل شميد رئيس يوروجست.
هذا الترتيب ينص على تطوير تعاون وثيق وديناميكي بين الطرفين في مواجهة الجرائم الجسيمة، خصوصًا الجريمة المنظمة والإرهاب. كما يتيح آليات اتصال مباشرة، ويساعد في تسهيل تنفيذ طلبات التعاون القضائي، وحضور الاجتماعات التنسيقية في يوروجست، ودعم مشاركة السلطات المصرية في فرق التحقيق المشتركة عندما تكون هناك قضايا تربط بين مصر ودول الاتحاد الأوروبي.
ومن النقاط اللافتة في البيان الأوروبي الأخير، الإشارة إلى تنظيم إقامات قصيرة لممارسين من الجزائر ومصر داخل يوروجست خلال 2026، وهي خطوة تحمل بعدًا عمليًا مهمًا، لأنها تعزز فهم آليات العمل الأوروبية من الداخل، وتدعم بناء القدرات الفنية لدى الكوادر المعنية بالتعاون القضائي الدولي.
لقاءات ثنائية على هامش الاجتماعات
التغطية المصرية للاجتماعات أظهرت أيضًا أن الزيارة لم تقتصر على الجلسات العامة. فقد نشرت وسائل إعلام مصرية، بينها “اليوم السابع”، أن النائب العام عقد لقاءً ثنائيًا مع رئيس يوروجست مايكل شميد لبحث سبل تفعيل التعاون القضائي بين الجانبين في ضوء مذكرة التفاهم وآليات العمل القائمة بين الطرفين. كما تناولت المناقشات التوسع في البرامج التدريبية وورش العمل التخصصية.
وبحسب التفاصيل المنشورة، اتجهت المباحثات إلى دعم برامج التدريب وبناء القدرات في مجالات التحقيقات ومكافحة الجريمة المنظمة، مع طرح فكرة تنظيم ورش عمل تخصصية بالتعاون مع يوروجست داخل معهد البحوث الجنائية والتدريب التابع للنيابة العامة المصرية. وتكتسب هذه النقطة وزنًا خاصًا بالنسبة لمصر، لأن تطوير الكوادر القضائية بات عنصرًا أساسيًا في التعامل مع القضايا ذات البعد الدولي، وخاصة تلك المرتبطة بتدفقات الأموال والاتصالات الرقمية والتحركات عبر الحدود.
لماذا يهم هذا الملف القارئ المصري؟
بالنسبة للمتابع في مصر، قد يبدو اجتماع لاهاي بعيدًا جغرافيًا، لكنه يمس ملفات حاضرة بقوة في الواقع المصري والإقليمي. فالقضايا المتعلقة بالهجرة غير الشرعية، والاتجار بالبشر، وجرائم غسل الأموال، والتهريب، لم تعد تُدار داخل حدود دولة واحدة فقط، بل ترتبط غالبًا بمسارات وشبكات تمتد بين جنوب المتوسط وأوروبا. ومن هنا يصبح التعاون القضائي بين مصر وشركائها عنصرًا حاسمًا لتسريع التحقيقات، وضبط المتهمين، واسترداد العائدات غير المشروعة، ومنع تضارب الاختصاصات بين الدول.
كما أن وجود مصر في هذه المنتديات يعكس سعيها إلى تثبيت موقعها كطرف فاعل في البنية الإقليمية للعدالة الجنائية، لا سيما في ظل موقعها الجغرافي المحوري واتصالها المباشر بملفات المتوسط. ومن الناحية العملية، فإن أي تطوير في التعاون مع يوروجست قد يسهل تبادل الخبرات والمعلومات والإجراءات مع أجهزة ادعاء أوروبية، وهو ما ينعكس على جودة الملاحقة القضائية في القضايا المعقدة.
أبرز الملفات التي حضرت في أجندة التعاون
- مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بما يشمل الشبكات التي تعمل بين أكثر من دولة.
- الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، وهما من أبرز ملفات التعاون الأورومتوسطي.
- استرداد الأصول وتعقب الأموال المتحصلة من الجرائم.
- فرق التحقيق المشتركة لتنسيق الأدلة والإجراءات بين السلطات القضائية.
- الجرائم الإلكترونية والأدلة الرقمية، وهي أولوية مطروحة للنصف الثاني من 2026.
مؤشر على مسار أوسع في السياسة القضائية المصرية
مشاركة المستشار محمد شوقي في لاهاي تندرج ضمن مسار أوسع تتبعه النيابة العامة المصرية لتكثيف حضورها الخارجي في المحافل القضائية المتخصصة. وخلال الشهور الماضية، برز اسم النائب العام في عدد من الفعاليات والاجتماعات ذات الطابع الدولي والإقليمي، بما يعكس توجهًا واضحًا نحو تحديث أدوات التعاون القانوني، وربطها ببرامج تدريب وتأهيل ومأسسة مستمرة.
وفي ضوء ما أعلنته يوروجست عن ارتفاع عدد الاجتماعات التشغيلية بينها وبين شركاء من ضفتي المتوسط إلى 57 اجتماعًا خلال 2025، مع توقع زيادة الرقم لاحقًا، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التنسيق بين مصر والمؤسسات الأوروبية المعنية بالعدالة الجنائية. هذا المسار لا يقتصر على تبادل المكاتبات أو التمثيل الدبلوماسي، بل يتجه إلى تعاون تقني وقانوني وتشغيلي أعمق، وهو ما يمنح القاهرة أدوات إضافية في مواجهة الجرائم الحديثة التي تتجاوز الحدود التقليدية للدول.
وفي المحصلة، فإن حضور مصر في المنتدى الأورومتوسطي للمدعين العامين بلاهاي يعكس رسالة مزدوجة: الأولى أن النيابة العامة المصرية تواصل الانخراط في دوائر التنسيق الدولي ذات الصلة المباشرة بالأمن الجنائي، والثانية أن التعاون القضائي لم يعد ملفًا هامشيًا، بل صار جزءًا من بنية المواجهة مع الجرائم المعقدة التي تتطلب تحركًا جماعيًا، وتبادلًا سريعًا للمعلومات، وتنسيقًا مؤسسيًا يواكب التحديات الجديدة.