Akhbar Cairo

النمسا تؤكد في ذكرى 11 سبتمبر تمسكها بمواجهة الإرهاب

رسالة نمساوية في ذكرى 11 سبتمبر: لا تهاون مع الإرهاب

جدّد قادة النمسا، بالتزامن مع إحياء ذكرى هجمات 11 سبتمبر 2001 التي ضربت الولايات المتحدة، تمسكهم بخيار المواجهة الحازمة لكل أشكال الإرهاب والتطرف، مع التشديد على أن حماية المجتمعات الديمقراطية لا تنفصل عن التعاون الدولي وتحصين الداخل ضد موجات التحريض والكراهية. ويأتي هذا الموقف في وقت تواصل فيه فيينا تحديث مقاربتها الأمنية في مواجهة تهديدات تتغير بسرعة، من التطرف العنيف إلى التجنيد الرقمي وتمويل الإرهاب.

وعلى المستوى الرسمي، يتصدر المشهد في النمسا الرئيس الاتحادي ألكسندر فان دير بيلين، إلى جانب المستشار الاتحادي كريستيان شتوكر، في مرحلة تضع فيها الدولة مسألة حماية النظام الدستوري الديمقراطي في صلب سياساتها الأمنية. وتُظهر الوثائق الرسمية النمساوية أن مواجهة الإرهاب لم تعد تُقرأ فقط كملف أمني تقليدي، بل كقضية مرتبطة مباشرة بحماية الحريات والمؤسسات وسيادة القانون.

لماذا تحمل ذكرى 11 سبتمبر ثقلاً خاصاً في الخطاب الأوروبي؟

بعد مرور 25 عاماً على هجمات 11 سبتمبر، لا تزال المناسبة تُستعاد في أوروبا بوصفها نقطة تحول في فهم التهديدات العابرة للحدود. ففي النمسا، كما في دول أوروبية أخرى، تُستخدم الذكرى للتأكيد على أن الإرهاب لا يستهدف الأفراد فقط، بل يضرب أيضاً فكرة المجتمع المفتوح والدولة الديمقراطية. ولهذا تربط فيينا بين إحياء الذكرى وبين الدعوة إلى تعاون دولي أكثر فاعلية ضد التطرف العنيف، سواء عبر تبادل المعلومات أو عبر تجفيف مصادر التمويل أو عبر توسيع أدوات الرصد المبكر.

الاستراتيجية الأمنية النمساوية المحدثة لعام 2024 تنص بوضوح على أن تصاعد التطرف والإرهاب يمثل جزءاً من بيئة تهديد مركبة تشمل أيضاً الهجمات السيبرانية والاستقطاب المجتمعي والأزمات الدولية المتشابكة. كما تؤكد الوثيقة أن حماية النظام الديمقراطي ومؤسساته مسؤولية تشمل الدولة بأكملها، لا الأجهزة الأمنية وحدها.

الأمن والديمقراطية في مقاربة فيينا

اللافت في الخطاب النمساوي الحالي أن مكافحة الإرهاب تُقدَّم باعتبارها دفاعاً عن القيم الديمقراطية بقدر ما هي دفاع عن الأمن العام. ففي المواد التعريفية الصادرة عن الرئاسة الاتحادية، يبرز اسم الرئيس ألكسندر فان دير بيلين بوصفه مرتبطاً بخطاب يركز على الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان كأساس للاستقرار السياسي والاجتماعي. هذا الربط بين الأمن والقيم ليس تفصيلاً رمزياً، بل جزء من الرسالة التي تريد فيينا إيصالها داخلياً وخارجياً.

وبالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه النقطة مهمة في فهم كيف تتعامل دول أوروبية مثل النمسا مع الملف: فبدلاً من الاكتفاء بالشق الأمني المباشر، يجري التعامل مع الإرهاب أيضاً باعتباره تحدياً يمس التعليم، والاندماج، والخطاب العام، والفضاء الرقمي، وقدرة المؤسسات على منع التحول من التطرف الفكري إلى العنف المنظم.

ماذا تقول أحدث التقديرات الرسمية في النمسا؟

أحدث تقرير أمني نشرته مديرية حماية الدولة والاستخبارات النمساوية DSN حول عام 2025 يشير إلى أن التطرف الإسلاموي لا يزال يُعد أكبر تهديد للأمن الداخلي في النمسا. ووفق التقرير، شهدت البلاد زيادة في الجرائم المسجلة المرتبطة بهذا النوع من التطرف بنسبة 42.3% مقارنة بعام 2024، لتصل إلى 306 جرائم. كما لفت التقرير إلى أن مسارات التطرف أصبحت أكثر سرعة بين فئات من الشباب، مع تنامي دور منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة وحتى منصات الألعاب في عمليات الاستقطاب والتجنيد.

وتؤكد السلطات النمساوية كذلك أن الذكاء الاصطناعي بدأ يُستخدم في إنتاج وتوزيع مواد دعائية متطرفة، وهو ما يضيف بعداً جديداً للتحدي. وفي مايو 2026 نفذت مديرية حماية الدولة بالتعاون مع الوحدات الإقليمية المختصة حملة وطنية ركزت على مكافحة التطرف والإرهاب ذي الخلفية الإسلاموية، في مؤشر على أن التهديد ما زال حاضراً في الحسابات الأمنية الرسمية.

قضية فيينا التي أعادت التحذير من الخطر الكامن

من بين الوقائع التي عكست استمرار القلق الأمني في النمسا، ما أعلنته السلطات القضائية هذا العام بشأن ملاحقة متهم على خلفية مخطط لاستهداف حفل للمغنية الأميركية تايلور سويفت في فيينا خلال 2024. القضية، التي تابعتها وكالات دولية بينها وكالة أسوشيتد برس، أعادت تسليط الضوء على خطر الهجمات الفردية أو الشبكات الصغيرة التي تتحرك بتأثير الدعاية المتطرفة على الإنترنت، حتى في بلدان تُعد مستقرة نسبياً على المستوى الأمني.

التعاون الدولي في صلب الرسالة النمساوية

لا تنظر النمسا إلى مكافحة الإرهاب كجهد محلي فقط. ففي البيانات الحكومية والوثائق الثنائية الحديثة، تؤكد فيينا باستمرار على أهمية التنسيق الدولي لمواجهة التطرف العنيف، ووقف قنوات التمويل، ومنع استغلال التكنولوجيا الجديدة في التجنيد والتخطيط. وفي بيان مشترك خلال زيارة رسمية للهند في أبريل 2026، شددت النمسا على ضرورة بذل جهود دولية حاسمة ومنسقة ضد الإرهاب بكل أشكاله، مع التركيز على مكافحة التطرف العنيف وتمويل الإرهاب.

هذا البعد الخارجي ينسجم مع موقع النمسا داخل الاتحاد الأوروبي، حيث يرتبط الأمن الداخلي بشكل متزايد بالتعاون عبر الحدود، سواء في تبادل المعلومات أو في المراقبة القضائية أو في البرامج المشتركة للوقاية من التطرف. ومن هنا، فإن استدعاء ذكرى 11 سبتمبر لا يبدو مجرد مناسبة رمزية، بل فرصة لتجديد خطاب سياسي يعتبر أن التراخي أمام الإرهاب يهدد الأمن الأوروبي والدولي معاً.

قراءة أوسع للرسالة النمساوية

في الجوهر، تحمل الرسالة الصادرة من فيينا أكثر من مستوى. فهي من جهة تؤكد التعاطف مع ضحايا أحد أكثر الأحداث تأثيراً في التاريخ المعاصر، ومن جهة ثانية تذكّر بأن الإرهاب لم يعد ظاهرة مرتبطة بجغرافيا بعينها. أما على المستوى الثالث، فهي تضع الديمقراطية نفسها في قلب المعادلة، باعتبار أن صونها يتطلب الحزم الأمني من دون التخلي عن دولة القانون.

وبالنسبة للمتابع في مصر والمنطقة، فإن أهمية هذا النوع من المواقف الأوروبية تكمن في أنه يعكس اتجاهاً دولياً أوسع: الإرهاب يتبدل في أدواته ومساراته، لكن مواجهته ما زالت تعتمد على ثلاث ركائز رئيسية:

  • التنسيق الدولي لملاحقة الشبكات العابرة للحدود.
  • الوقاية المبكرة عبر رصد مسارات التطرف خاصة بين الشباب.
  • حماية المؤسسات الديمقراطية ومنع خطاب الكراهية والتحريض من تقويض السلم المجتمعي.

وفي ظل تصاعد التهديدات الرقمية وتداخل الملفات الأمنية مع الأزمات الجيوسياسية، تبدو النمسا حريصة على إيصال رسالة واضحة في ذكرى 11 سبتمبر: المعركة ضد الإرهاب لم تنتهِ، والدفاع عن الديمقراطية لا يقل أهمية عن منع الهجمات نفسها. وفي هذا الإطار، يظل اسم ألكسندر فان دير بيلين مرتبطاً في المشهد النمساوي الرسمي بخطاب يضع القيم الإنسانية والدستورية في مقدمة أدوات الصمود، بينما تتحرك حكومة كريستيان شتوكر ضمن مقاربة أمنية تعتبر أن الرد الفعال يبدأ من الداخل، لكنه لا ينجح من دون شراكات دولية واسعة.