النواب الأمريكي يقر مشروع قانون لمعاقبة جامعات تقاطع إسرائيل
مجلس النواب الأمريكي يصعّد الضغوط على الجامعات في ملف مقاطعة إسرائيل
أقر مجلس النواب الأمريكي، الخميس 3 سبتمبر 2026، مشروع قانون جديدًا يضع الجامعات الأمريكية أمام قيود تمويلية إذا شاركت في ما يصفه النص التشريعي بـ«مقاطعة تجارية غير تعبيرية» لإسرائيل. وجاءت نتيجة التصويت بواقع 237 صوتًا مقابل 169، في مؤشر واضح على أن الملف لا يزال يحظى بدعم قوي داخل المعسكر الجمهوري، مع انضمام عدد من الديمقراطيين إلى مؤيدي المشروع.
القانون الذي حمل اسم Protect Economic and Academic Freedom Act، ويرتبط بالعضو الجمهوري تيم والبرغ (@rep_tim_walberg على إنستغرام)، يسعى إلى تعديل أحكام في قانون التعليم العالي الأمريكي لعام 1965، بما يمنع المؤسسات التعليمية المشاركة في برامج اتحادية معينة من الانخراط في مقاطعة تجارية لإسرائيل إذا أرادت الحفاظ على أهليتها للحصول على بعض الأموال الفيدرالية.
ما الذي يتضمنه مشروع القانون؟
بحسب النص المنشور رسميًا، فإن مشروع القانون لا يقتصر على مسألة المقاطعة الاقتصادية فقط، بل يضيف أيضًا متطلبات تتعلق ببرامج أكاديمية مرتبطة بإسرائيل. ومن بين ما ينص عليه، اشتراط تقديم الجامعات شهادات تؤكد أن الطلاب لا يواجهون عرقلة غير معقولة عند المشاركة في برامج أكاديمية داخل إسرائيل، وذلك ضمن بعض البرامج الخاضعة لقانون التعليم العالي.
كما يربط المشروع استمرار الاستفادة من بعض التمويلات الفيدرالية بعدم مشاركة المؤسسة التعليمية في مقاطعة تجارية غير تعبيرية ضد إسرائيل أو كيانات منظمة أو مرخصة أو خاضعة للقانون الإسرائيلي. وهذه الصياغة تعكس توجهًا أوسع داخل الكونجرس خلال السنوات الأخيرة لربط ملفات الدعم الحكومي الأمريكي بمواقف المؤسسات من إسرائيل.
أغلبية جمهورية وانقسام ديمقراطي
مرور المشروع في مجلس النواب لم يكن مفاجئًا بالنظر إلى الأغلبية الجمهورية في المجلس، لكنه عكس أيضًا استمرار الانقسام داخل الحزب الديمقراطي نفسه بشأن كيفية التعامل مع إسرائيل، خاصة منذ اتساع الحرب على غزة وما تبعها من احتجاجات حادة داخل الجامعات الأمريكية. وتشير تقارير صحفية أمريكية إلى أن 33 نائبًا ديمقراطيًا صوتوا لصالح المشروع، بينما عارضه أغلب الديمقراطيين، في حين خرج نائبان جمهوريان فقط عن خط الحزب.
هذا التوزيع في الأصوات يوضح أن القضية لم تعد مجرد ملف سياسة خارجية، بل باتت متشابكة مع أسئلة داخلية تخص حرية التعبير، وحدود النشاط السياسي داخل الجامعات، ودور الحكومة الفيدرالية في فرض شروط على المؤسسات الأكاديمية.
خلفية التصويت: غزة واحتجاجات الجامعات
يأتي التصويت بعد أشهر من الجدل الواسع الذي شهدته الولايات المتحدة على خلفية الاحتجاجات الطلابية المؤيدة للفلسطينيين في جامعات بارزة، بينها كولومبيا وهارفارد وجامعات أخرى. هذه الاحتجاجات رفعت مطالب متعددة، من بينها وقف الاستثمارات المرتبطة بالشركات الداعمة للمجهود العسكري الإسرائيلي، أو مراجعة الشراكات الأكاديمية والمالية مع مؤسسات إسرائيلية.
وبالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه الخطوة جزءًا من معركة أمريكية داخلية أكبر حول كيفية إدارة تداعيات الحرب في غزة على المجتمع الأمريكي نفسه. فبينما يعتبر مؤيدو التشريع أن المقاطعة تمييز غير مقبول ضد إسرائيل، يرى منتقدوه أن الدولة تتجه إلى معاقبة مؤسسات تعليمية بسبب مواقف سياسية أو أخلاقية ترتبط بالنقاش العام حول الحرب والاحتلال وحقوق الفلسطينيين.
ما فرص تحوله إلى قانون نافذ؟
رغم إقرار المشروع في مجلس النواب، فإنه لم يصبح قانونًا بعد. إذ لا يزال بحاجة إلى موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي قبل أن يُحال إلى الرئيس الأمريكي للتوقيع عليه أو استخدام حق النقض. وحتى الآن، فإن اجتياز مجلس الشيوخ ليس مضمونًا، خصوصًا في ظل الحساسية السياسية والقانونية المحيطة بملفات حرية التعبير والمقاطعة.
ومن الناحية العملية، قد يثير النص إذا تقدم تشريعيًا نقاشات قانونية واسعة حول تعريف المقاطعة التجارية، والتمييز بين الموقف السياسي المحمي دستوريًا وبين القرارات المؤسسية التي قد تعتبرها الحكومة الأمريكية سلوكًا إداريًا أو ماليًا يخضع لشروط التمويل العام.
لماذا يثير القانون جدلًا واسعًا؟
الجدل لا يتعلق فقط بإسرائيل، بل بطبيعة العلاقة بين الدولة والجامعة في الولايات المتحدة. فالجامعات الأمريكية تعتمد في قطاعات واسعة منها على التمويل الفيدرالي، سواء بصورة مباشرة أو عبر برامج دعم الطلاب والأبحاث والتعاون الأكاديمي. ولذلك فإن ربط هذا التمويل بشروط سياسية أو تجارية يثير قلقًا لدى قطاعات أكاديمية وحقوقية تعتبر أن الحرم الجامعي يجب أن يحتفظ بمساحة مستقلة للنقاش والاعتراض.
في المقابل، يدافع الجمهوريون والجهات المؤيدة للمشروع عن الخطوة باعتبارها وسيلة لمنع ما يصفونه بالتمييز ضد إسرائيل أو ضد الطلاب والمؤسسات المرتبطة بها. وفي هذا السياق، أشاد رئيس لجنة التعليم والقوى العاملة في مجلس النواب تيم والبرغ بتمرير المشروع، معتبرًا أنه يرسل رسالة قوية بشأن ما يراه ضرورة مواجهة المقاطعات المعادية لإسرائيل داخل الحرم الجامعي.
قراءة أوسع للمشهد الأمريكي
يعكس هذا التصويت استمرار تحوّل الجامعات الأمريكية إلى ساحة مركزية للصراع السياسي المرتبط بالشرق الأوسط. فمنذ اندلاع الحرب في غزة بعد هجمات 7 أكتوبر 2023، تعاظمت الضغوط على إدارات الجامعات من أطراف متعارضة: طلاب وأكاديميون يطالبون بمواقف أكثر حدة ضد إسرائيل، وسياسيون ومتبرعون وجماعات ضغط يطالبون بتشديد الإجراءات ضد أي نشاط يعتبرونه معاديًا لإسرائيل أو لليهود.
وبالنسبة لمتابعي الشأن الدولي في مصر، فإن أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في أثره على الجامعات الأمريكية، بل أيضًا في دلالته السياسية الأوسع: فواشنطن لا تزال تشهد انقسامًا عميقًا حول الحرب في غزة، وحول كيفية الموازنة بين دعم إسرائيل من جهة، وحماية حرية الاحتجاج والتعبير من جهة أخرى.
ماذا يعني ذلك للعالم؟
إذا نجح المشروع لاحقًا في عبور مجلس الشيوخ، فقد يشكل سابقة إضافية في توسيع استخدام أدوات التمويل الفيدرالي للتأثير على سياسات الجامعات وعلاقاتها الدولية. كما قد يشجع على معارك قضائية وسياسية جديدة تتجاوز حدود الولايات المتحدة، لأن الجامعات الأمريكية شريك رئيسي في شبكات البحث العلمي والتبادل الأكاديمي حول العالم.
وفي النهاية، فإن معركة هذا القانون تكشف بوضوح أن قضية غزة لم تعد مجرد موضوع سياسة خارجية أمريكية، بل أصبحت عنصرًا ضاغطًا في التشريع والتعليم والحياة العامة داخل الولايات المتحدة نفسها؛ وهو ما يجعل أي تطور لاحق في مسار المشروع محل متابعة وثيقة، ليس فقط في واشنطن، بل أيضًا في العواصم العربية وبينها القاهرة.