النواب يتحرك لاحتواء أزمة إيجارات أراضي الأوقاف
تحرك برلماني جديد لاحتواء أزمة إيجارات أراضي الأوقاف
عادت أزمة إيجارات أراضي الأوقاف إلى صدارة النقاش تحت قبة البرلمان المصري، بعدما عقدت لجنة الشؤون الدينية والأوقاف بمجلس النواب، برئاسة الدكتور عمرو مصطفى حسنين الورداني، اجتماعًا موسعًا لاستكمال مناقشة طلبات الإحاطة المرتبطة بارتفاع القيمة الإيجارية للأراضي الزراعية والعقارات التابعة لهيئة الأوقاف المصرية. ويأتي هذا التحرك في وقت تتزايد فيه شكاوى مستأجرين ومزارعين يرون أن القفزات الأخيرة في الإيجارات أصبحت تفوق قدرتهم على الاستمرار، خصوصًا مع ارتفاع كلفة الإنتاج الزراعي والضغوط المعيشية.
وبحسب البيانات المنشورة عن عضو مجلس النواب، يشغل عمرو الورداني رئاسة لجنة الشؤون الدينية والأوقاف في المجلس خلال الفصل التشريعي الحالي، وهو ما منح الملف بعدًا رقابيًا مباشرًا داخل المؤسسة التشريعية، لا سيما أن الأزمة تمس شريحة واسعة من المواطنين في عدد من المحافظات. كما تؤكد متابعات وزارة الأوقاف والجهات الرسمية أن الدولة تنظر إلى أصول الوقف باعتبارها موردًا عامًا يجب تعظيم عائده، لكن دون إغفال التوازن الاجتماعي في إدارة هذه الأصول.
ما الذي ناقشته اللجنة؟
المناقشات البرلمانية الأخيرة لم تقتصر على بند واحد، بل تناولت عدة محاور مترابطة تشمل: الزيادة الكبيرة في إيجارات الأراضي الزراعية، وأوضاع العقارات التابعة للهيئة، وإجراءات الاستبدال، فضلًا عن شكاوى متعلقة بتأثير بعض النزاعات على حصول المزارعين على مستلزمات الإنتاج. وبرز خلال الجلسة اتجاه واضح داخل اللجنة نحو البحث عن صيغة تسوية عادلة تحافظ على حقوق الوقف من جهة، وتراعي الأوضاع الاقتصادية للمزارعين والمقيمين على أراضي الأوقاف من جهة أخرى.
النائب هشام الحصري، عضو مجلس النواب، كان من أبرز الأصوات التي طالبت بسرعة التدخل، مشيرًا إلى أن الزيادات الأخيرة في بعض الحالات تمثل عبئًا ثقيلًا على صغار المزارعين. ووفق ما طُرح خلال المناقشات البرلمانية، فإن هناك حالات ارتفعت فيها القيمة الإيجارية للفدان من نحو 18 ألف جنيه سنويًا إلى قرابة 48 ألف جنيه سنويًا، وهو فارق كبير أثار اعتراضات داخل اللجنة وخارجها.
رد هيئة الأوقاف المصرية
في المقابل، قدمت هيئة الأوقاف المصرية تفسيرها للزيادات، إذ أوضح رئيس مجلس إدارة الهيئة خالد محمد الطيب في مناقشات سابقة للملف أن تحديد القيم الإيجارية استند إلى تقييم نفذته لجنة متخصصة وفق أسعار المثل على أرض الواقع، مع خفض عن هذه الأسعار بنسبة 5%. هذا الطرح يعكس رؤية الهيئة القائمة على تعظيم عوائد الوقف بما يتوافق مع قيم السوق، لكنه لم يُنهِ الجدل داخل الأوساط البرلمانية والزراعية، خاصة مع المطالبة بإبراز الدراسة السعرية والمعايير التفصيلية التي بُنيت عليها التقديرات.
وتشير الاجتماعات الرسمية التي عقدها وزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهري مع قيادات الهيئة خلال مايو 2026 إلى أن الوزارة تضع ملف تنمية الموارد وتعظيم عوائد الوقف ضمن أولوياتها، إلى جانب تحسين الأداء المالي والإداري والاستثمار الأمثل للأصول الوقفية. إلا أن هذا المسار الإداري والمالي يصطدم، في ملف الإيجارات تحديدًا، بحسابات اجتماعية ومعيشية معقدة، خصوصًا في القرى والمناطق الزراعية.
مقترحات مطروحة لحل الأزمة
أحد أهم المسارات التي ظهرت في المناقشات البرلمانية هو التدرج في تطبيق الزيادة بدلًا من تنفيذها دفعة واحدة. وفي جلسة سابقة للجنة، طُرح اقتراح بأن يتم توزيع الزيادة على فترة تمتد إلى أربع سنوات، بواقع 25% سنويًا، بهدف تخفيف الصدمة عن المستأجرين وتحقيق قدر من التوازن بين مصلحة الدولة ومصلحة المواطنين. هذا المقترح لم يتحول بعد إلى قرار نهائي معلن، لكنه بات أحد أبرز السيناريوهات المطروحة للنقاش.
كما دفعت المناقشات باتجاه مراجعة الحالات التي تنطوي على أبعاد اجتماعية حساسة، مثل أوضاع المقيمين على أراضي الأوقاف في بعض مراكز محافظة الدقهلية، وفي مقدمتها السنبلاوين وأجا. ويرى نواب أن معالجة هذه الملفات لا ينبغي أن تعتمد فقط على الاعتبارات المالية، بل يجب أن تراعي أيضًا الاستقرار السكني والقدرة الفعلية للأسر على التقنين والسداد.
- مراجعة الزيادات الأخيرة على أساس معايير واضحة ومعلنة.
- التدرج في التطبيق بدلًا من القفز المفاجئ في الإيجارات.
- فحص الحالات الاجتماعية المرتبطة بالسكن أو صغار الحائزين.
- إلزام الجهات المعنية بتقديم الدراسات السعرية التي استندت إليها القرارات.
- التنسيق مع الحكومة لتسريع التشريعات المرتبطة بخدمة الفلاحين، وعلى رأسها التعاونيات الزراعية.
لماذا يكتسب الملف هذه الحساسية؟
الحساسية هنا لا ترتبط فقط بمسألة إيجارية، بل بكونها تمس شريحة من الفلاحين والمستأجرين في توقيت اقتصادي دقيق. فالمزارع الذي يواجه أسعارًا مرتفعة للأسمدة والتقاوي والخدمات الزراعية، يصبح أكثر تأثرًا بأي زيادة كبيرة في الإيجار السنوي. ومن ثم، فإن أي قرار لا يراعي العائد الفعلي للمحصول مقارنة بالكلفة، قد يدفع بعض المستأجرين إلى ترك الأرض أو الدخول في منازعات طويلة.
ومن زاوية أخرى، فإن ملف أراضي الوقف له طبيعة خاصة داخل مصر والعالم العربي عمومًا، لأنه يتصل بإدارة أصول موقوفة يفترض أن تحقق منفعة عامة مستدامة. لذلك، فإن نجاح أي تسوية في مصر قد يُنظر إليه كاختبار مهم لكيفية التوفيق بين تعظيم إيرادات الوقف والحماية الاجتماعية للمستأجرين، وهي معادلة تعرفها دول عربية أخرى تدير أصولًا وقفية واسعة.
دور البرلمان في المرحلة المقبلة
المؤشرات القادمة توحي بأن الملف لن يغادر أجندة البرلمان سريعًا. فاجتماعات اللجنة تتواصل، والنواب يطالبون ليس فقط بالمراجعة، بل أيضًا بالمحاسبة إذا ثبت وجود تعنت إداري أو أخطاء في التطبيق. وفي هذا السياق، شدد رئيس اللجنة على ضرورة إحالة الحالات الفردية المثيرة للجدل إلى اللجنة لفحصها، بما يسمح برقابة أكثر دقة على آليات التنفيذ.
كما أن ربط بعض النواب بين أزمة أراضي الأوقاف وبين ضرورة الإسراع في مناقشة تعديل قانون التعاونيات الزراعية يكشف أن الأزمة ليست معزولة، بل تتصل ببيئة زراعية أوسع تحتاج إلى أدوات حماية وتمويل وخدمات أكثر كفاءة. ومن ثم، فإن الحل البرلماني قد لا يقتصر على تهدئة أزمة الإيجار، بل قد يمتد إلى مقاربة أشمل لدعم الفلاح المصري.
الخلاصة
حتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي عن تسوية نهائية لأزمة إيجارات أراضي الأوقاف، لكن ما جرى داخل مجلس النواب في 6 يوليو 2026 يؤكد أن الملف دخل مرحلة أكثر جدية على مستوى الرقابة والمراجعة. وبين تمسك الهيئة بحقها في إعادة تقييم الأصول وفق أسعار السوق، وتمسك النواب بضرورة مراعاة البعد الاجتماعي، يبدو أن المسار الأقرب هو البحث عن حل توافقي يخفف الزيادة، أو يمد تطبيقها على عدة سنوات، أو يفرّق بين الحالات بحسب طبيعتها وقدرتها على السداد.
وبالنسبة للشارع المصري، تبقى الرسالة الأهم أن الأزمة لم تعد مجرد شكاوى محلية متفرقة، بل أصبحت ملفًا مطروحًا بقوة على طاولة البرلمان، في انتظار ما ستسفر عنه الاجتماعات المقبلة من توصيات أو قرارات تنفيذية يمكن أن تعيد التوازن بين حقوق الوقف وضرورات العدالة الاجتماعية.