Akhbar Cairo

الهباش: تحرك عربي وإسلامي منظم قد يوسع دعم وقف الاستيطان

دعوة فلسطينية لتوسيع الضغط على واشنطن ضد الاستيطان

قال الدكتور محمود الهباش، مستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون الدينية والعلاقات الإسلامية وقاضي قضاة فلسطين، إن توسيع التأييد داخل الولايات المتحدة لأي تشريع يهدف إلى كبح الاستيطان الإسرائيلي يحتاج إلى مسارين متوازيين: الأول مجتمعي داخل الساحة الأمريكية، والثاني سياسي ورسمي تقوده الدول العربية والإسلامية بصورة أكثر تنظيماً واستمرارية.

وجاءت تصريحات الهباش خلال مداخلة تلفزيونية، شدد فيها على أن التحرك الشعبي داخل الولايات المتحدة يمكن أن يستند إلى دور الجاليات العربية والفلسطينية والإسلامية، بما يشمله ذلك من تواصل مع الرأي العام، ومخاطبة دوائر صنع القرار، وتوسيع النقاش حول كلفة الاستيطان على فرص السلام وحل الدولتين.

توقيت التصريحات يرتبط بتحرك جديد داخل الكونغرس الأمريكي

تكتسب تصريحات الهباش أهمية إضافية لأنها تأتي في لحظة تشهد تحركات جديدة داخل الولايات المتحدة بشأن الاستيطان. ففي 2 أكتوبر 2026، أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية وفا بأن نواباً ديمقراطيين في مجلس النواب الأمريكي قدموا للمرة الأولى مشروع قانون بعنوان “Stop Settlement Expansion Act”، أو “قانون وقف التوسع الاستيطاني”، بهدف استهداف الأنشطة المرتبطة بإنشاء المستوطنات أو توسيعها في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وبحسب المعطيات المنشورة، حظي المشروع بدعم 41 نائباً ديمقراطياً، وتقدم به النائب الأمريكي خواكين كاسترو، بمشاركة كل من مادلين دين ودون باير وجريج كاسار وسارة جاكوبس وفيرونيكا إسكوبار. وينص المشروع على فرض عقوبات على أفراد وكيانات أجنبية يثبت تورطها في تمويل أو تخطيط أو بناء أو توسيع المستوطنات، أو في البنية التحتية المرتبطة بها.

لماذا يتركز الاهتمام على مشروع E1؟

الشق الأبرز في النقاش الأمريكي الأخير يتعلق بمنطقة E1 الواقعة شرق القدس المحتلة. هذه المنطقة تُعد من أكثر الملفات حساسية في الضفة الغربية، لأن تنفيذ المخطط الاستيطاني فيها من شأنه ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس الشرقية المحتلة، وهو ما تحذر منه الأمم المتحدة منذ سنوات باعتباره تهديداً مباشراً للتواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية.

وفي 23 سبتمبر 2026، ذكرت “وفا” أن أربعة أعضاء ديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأمريكي هم كريس كونز وإليزابيث وارن ورون وايدن وروبين جاييجو قدموا مشروع قانون آخر يفرض عقوبات على الشركات والأفراد والجهات الأجنبية الضالعة في تنفيذ مشروع E1، مع دعم من عشرة أعضاء ديمقراطيين إضافيين على الأقل.

كما سبق أن نقلت “وفا” في 6 يونيو 2026 رسالة وقّعها 85 عضواً في مجلس النواب الأمريكي دعوا فيها الإدارة الأمريكية إلى استخدام الأدوات الدبلوماسية المتاحة لوقف مخطط E1، محذرين من أن تنفيذه سيقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.

تحذيرات أممية متكررة من “ضربة” لحل الدولتين

التحذيرات الفلسطينية من الاستيطان تجد ما يوازيها في مواقف أممية واضحة. فقد أكدت تقارير وبيانات صادرة عن الأمم المتحدة خلال 2025 و2026 أن التوسع في منطقة E1 قد يفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، بما يترك آثاراً عميقة على إمكانية تطبيق حل الدولتين عملياً.

وفي إحاطة أممية خلال عام 2026، جرى التنبيه إلى أن المناقصات الخاصة ببناء آلاف الوحدات الاستيطانية في E1 تعني تكريس وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها لاحقاً. كما وصفت الأمم المتحدة المخطط بأنه تهديد وجودي لفرص التسوية السياسية القائمة على حدود 1967.

الهباش: الجاليات يمكن أن تؤثر إذا توفرت المساندة الرسمية

من زاوية فلسطينية، يراهن الهباش على أن الجاليات العربية والإسلامية داخل الولايات المتحدة قادرة على لعب دور أكبر، لكن ذلك ــ وفق منطقه ــ لن يكون كافياً دون مظلة سياسية عربية وإسلامية تتحرك على مستوى الحكومات والمؤسسات الرسمية. فالتأثير في واشنطن لا يتوقف عند الاحتجاجات أو الحملات الإعلامية، بل يحتاج أيضاً إلى اتصالات دبلوماسية منتظمة، ورسائل سياسية موحدة، وبناء تحالفات مع أطراف أمريكية ترى أن الاستيطان ينسف أي أفق لتسوية مستقرة.

هذا الطرح ينسجم مع خطاب فلسطيني أوسع يرى أن المعركة ضد الاستيطان لم تعد قانونية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة رأي عام، وموازين نفوذ، وقدرة على تحويل الرفض الدولي النظري إلى أدوات ضغط ملموسة.

القاهرة حاضرة في المشهد الفلسطيني

بالنسبة للقارئ المصري، تأتي هذه التصريحات في سياق يبرز الحضور المصري المستمر في الملف الفلسطيني. فقد أكد الهباش نفسه في القاهرة خلال يوليو 2026 أن الموقف المصري كان حاسماً في رفض مخططات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، كما أشاد في لقاءات متتالية مع الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية بالدور المصري الداعم للحقوق الفلسطينية.

وفي لقاء جمعه بشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب في القاهرة يوم 16 يونيو 2026، حذر الهباش من تصاعد المخاطر التي تواجه القدس والمسجد الأقصى، ودعا إلى تكثيف الجهود العربية والإسلامية لحماية المقدسات ودعم صمود الفلسطينيين. ويعكس هذا المسار أن القاهرة ما تزال ساحة محورية في التنسيق السياسي والديني المرتبط بالقضية الفلسطينية.

ما الذي يمكن أن يعنيه ذلك عربياً؟

إذا تحولت الدعوات الفلسطينية إلى خطة عمل عربية وإسلامية، فإن ذلك قد يشمل عدداً من المسارات العملية، من بينها:

  • تنسيق دبلوماسي مباشر مع الإدارة الأمريكية وأعضاء الكونغرس.
  • إسناد الجاليات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة بالمعلومات والغطاء السياسي.
  • تفعيل الخطاب القانوني الدولي بشأن عدم شرعية الاستيطان وآثاره على حل الدولتين.
  • توحيد الرسالة الإعلامية عربياً حول مخاطر مشاريع مثل E1 على القدس والضفة الغربية.

بين التحرك السياسي واختبار النتائج

ورغم أن مشاريع القوانين المطروحة في واشنطن لا تعني تلقائياً إقرارها، فإن مجرد انتقال ملف الاستيطان إلى مستوى تشريعي أكثر وضوحاً داخل الكونغرس يمثل تطوراً سياسياً لافتاً. فالنقاش لم يعد يقتصر على بيانات الاعتراض أو التوصيفات الدبلوماسية، بل بات يتناول العقوبات والمساءلة واستهداف الجهات المنخرطة في التوسع الاستيطاني.

من هنا، تبدو رسالة الهباش موجهة إلى أكثر من طرف في وقت واحد: إلى الفلسطينيين بضرورة تنظيم أدوات التأثير، وإلى العرب والمسلمين بضرورة الانتقال من التأييد السياسي العام إلى التحرك المنسق، وإلى واشنطن بأن الاستيطان لم يعد ملفاً هامشياً في الجدل الأمريكي، بل قضية تتسع حولها دوائر المراجعة والاعتراض.

وفي ظل استمرار التوتر في الضفة الغربية، وتصاعد التحذيرات من خطط تمس القدس والتواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية، تبدو معركة وقف الاستيطان واحدة من أكثر الملفات إلحاحاً في المرحلة الحالية، ليس فقط فلسطينياً، بل عربياً أيضاً، باعتبارها تمس مستقبل الدولة الفلسطينية وحدود الاستقرار في الإقليم كله.