Akhbar Cairo

الهباش: هجمات المستوطنين في قُصرة تستهدف فرض واقع جديد

تصعيد في قُصرة.. والرسالة أبعد من بلدة واحدة

تتواصل التحذيرات الفلسطينية من اتساع اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، بعد أحداث جديدة شهدتها بلدة قُصرة جنوب نابلس، وهي البلدة التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى واحدة من أكثر النقاط سخونة في ملف عنف المستوطنين. وفي هذا السياق، قال محمود الهباش، مستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون الدينية والعلاقات الإسلامية وقاضي قضاة فلسطين، إن ما يجري في قُصرة لا يمكن التعامل معه باعتباره واقعة منفصلة، بل هو جزء من محاولة أوسع لفرض أمر واقع جديد على الأرض الفلسطينية. ويشغل الهباش هذا المنصب رسميًا ضمن مؤسسة الرئاسة الفلسطينية، بحسب الموقع الرسمي للرئيس الفلسطيني.

تصريحات الهباش جاءت خلال مداخلة تلفزيونية على قناة القاهرة الإخبارية، حيث شدد على أن الاعتداءات لا تقتصر على قرية بعينها، وإنما تمتد إلى بلدات ومخيمات ومناطق متعددة في الضفة الغربية، في ظل تصاعد واضح في الهجمات على السكان الفلسطينيين وممتلكاتهم. ويعكس هذا التوصيف ما وثقته بالفعل مصادر فلسطينية وأممية خلال عام 2026، خاصة في محافظة نابلس ومحيط القرى القريبة من البؤر الاستيطانية.

قُصرة جنوب نابلس.. بؤرة متكررة للهجمات

تقع بلدة قُصرة إلى الجنوب من نابلس في شمال الضفة الغربية، وقد تكررت فيها خلال عام 2026 حوادث اقتحام واعتداء وحرق وتخريب، بحسب وكالة الأنباء الفلسطينية وفا. ففي 4 أبريل 2026 أفادت الوكالة بأن مستوطنين هاجموا شابًا فلسطينيًا وأحرقوا منشأتين زراعيتين في البلدة، كما تسبب إطلاق قنابل الغاز في إصابات بحالات اختناق شملت أطفالًا. وبعدها بيومين، في 6 أبريل 2026، سُجل هجوم آخر أدى إلى إحراق مركبة في البلدة نفسها. كما أدانت الخارجية الفلسطينية في اليوم ذاته هجمات قالت إنها استهدفت قُصرة وبلدات أخرى جنوب نابلس وأدت إلى إصابات وإحراق منازل ومركبات وخيام.

ولم تتوقف الاعتداءات عند تلك الوقائع. فبحسب تقارير أخرى لـوفا، شهدت قُصرة اعتداءات إضافية في يناير وفبراير ومارس 2026، تضمنت مهاجمة منازل ومزارعين وإطلاق نار ورشق حجارة، ما يعكس نمطًا مستمرًا لا حدثًا عابرًا. هذا التكرار هو ما يمنح تصريحات الهباش وزنًا سياسيًا؛ إذ يربط بين الحوادث الميدانية المتفرقة وبين سياسة أوسع هدفها الضغط على الفلسطينيين في مناطقهم الريفية ودفعهم إلى العيش تحت تهديد دائم.

ماذا تقول الأرقام الأممية؟

المعطيات الأممية تعزز الرواية الفلسطينية بشأن تصاعد عنف المستوطنين. فمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة OCHA ذكر في تقريره الصادر 10 أبريل 2026 أنه وثق بين 31 مارس و6 أبريل فقط 47 اعتداءً لمستوطنين إسرائيليين ضد فلسطينيين في 36 تجمعًا بالضفة الغربية، وأسفرت هذه الوقائع عن إصابات أو أضرار بالممتلكات أو كليهما. وأشار التقرير إلى أن قُصرة، التي يقطنها نحو 6 آلاف نسمة، شهدت وحدها 3 هجمات خلال تلك الفترة، وأنها سجلت منذ بداية 2026 27 اعتداءً، وهو أعلى رقم موثق في تجمع واحد خلال الفترة المشار إليها.

وفي تقرير آخر بتاريخ 19 مارس 2026، قال المكتب الأممي إنه وثق 37 اعتداءً للمستوطنين في أسبوع واحد عبر 29 تجمعًا فلسطينيًا، وكانت محافظة نابلس الأكثر تسجيلًا للحوادث، خصوصًا في قُصرة. وأوضح التقرير أن الهجمات شملت قتل وإصابات وأضرارًا بالمنازل والممتلكات وعرقلة الوصول إلى الأراضي الزراعية. كما أشار إلى أن 8 فلسطينيين قُتلوا على يد مستوطنين خلال هجمات في الضفة منذ بداية 2026 حتى ذلك التاريخ، قبل أن يرتفع العدد لاحقًا، وفق تقارير أممية لاحقة.

وبحلول 16 يوليو 2026، أعلن المكتب نفسه توثيق أكثر من 1260 حادثة مرتبطة بالمستوطنين منذ بداية العام في 250 تجمعًا فلسطينيًا، بمعدل يقارب 6 حوادث يوميًا. كما سجل التقرير ذاته وقائع تخريب للبنية التحتية في قُصرة، بينها إتلاف خطوط كهرباء وأنبوب مياه رئيسي، ما أدى إلى انقطاع الخدمات عن عدد من الأسر لساعات.

من المواجهة الأمنية إلى تغيير الجغرافيا

القراءة الفلسطينية لهذه الاعتداءات لا تفصل بين العنف الميداني ومسار التوسع الاستيطاني. فبيانات فلسطينية رسمية وتقارير أممية تتحدث عن استهداف متكرر للمنازل والأراضي الزراعية ومصادر المياه والمركبات، وهي عناصر تمس قدرة الفلسطينيين على البقاء في أماكنهم. وفي 6 أبريل 2026 وصفت وزارة الخارجية الفلسطينية هذه الهجمات بأنها جرائم منظمة تستهدف الوجود الفلسطيني ومقومات الحياة على الأرض، بينما تحدثت تقارير أممية عن “بيئة قسرية” تتشكل بفعل الاعتداءات والتهديدات وتقييد الوصول إلى الأراضي.

هذه النقطة تحديدًا تهم القارئ المصري؛ لأن ما يحدث في الضفة الغربية لا يتعلق فقط باشتباكات محلية متفرقة، بل بتطورات تمس مستقبل القضية الفلسطينية ككل، خصوصًا مع تزايد الحديث عن السيطرة الفعلية على مساحات أوسع في الضفة عبر شبكات البؤر الاستيطانية والطرق والحماية العسكرية. وتشير بيانات منشورة عبر وكالة وفا إلى وجود 151 مستوطنة في الضفة الغربية بنهاية 2024، بينها 26 مستوطنة مصنفة ضمن محافظة القدس، في مؤشر على اتساع البنية الاستيطانية التي تتحرك داخلها هذه الاعتداءات.

لماذا تحظى قُصرة بأهمية خاصة؟

قُصرة ليست مجرد اسم يتكرر في الأخبار؛ فالبلدة تقع قرب مناطق تشهد احتكاكًا مستمرًا مع بؤر استيطانية، وهو ما جعلها عرضة لسلسلة متعاقبة من الهجمات خلال سنوات، ثم بوتيرة أشد في 2026. وبحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، فإن القرية سجلت أعلى عدد من اعتداءات المستوطنين الموثقة في تجمع واحد خلال الفترة التي تناولها تقرير أبريل، كما أنها شهدت قتيلًا فلسطينيًا وعدة إصابات على يد مستوطنين منذ بداية العام حتى ذلك الوقت.

وبالنسبة للخطاب السياسي الفلسطيني، فإن التركيز على قُصرة يحمل دلالة مزدوجة: من جهة، يبرز حجم الضغط الواقع على التجمعات السكانية القريبة من المستوطنات؛ ومن جهة أخرى، يقدم مثالًا عمليًا على أن الاعتداءات لم تعد تقتصر على التخويف، بل تمتد إلى إحراق منشآت زراعية، وتعطيل البنية الأساسية، ومهاجمة المنازل، ومنع السكان من الوصول الآمن إلى أراضيهم.

خلاصة المشهد

في المحصلة، تعكس تصريحات محمود الهباش موقفًا فلسطينيًا يعتبر أن تصاعد هجمات المستوطنين في قُصرة وغيرها من قرى الضفة الغربية جزء من مسار يهدف إلى إعادة تشكيل الوقائع على الأرض بالقوة. وما يدعم هذا التقدير أن الوقائع الميدانية خلال 2026، كما وثقتها وفا وOCHA، تظهر تكرارًا لافتًا للهجمات في جنوب نابلس، مع ارتفاع ملحوظ في عدد الاعتداءات والإصابات والأضرار بالممتلكات والبنية الأساسية. بالنسبة للمتابع المصري، فإن هذا التطور يظل من الملفات المركزية في قسم العالم العربي، لأنه يتصل مباشرة بمستقبل الضفة الغربية، وبفرص أي مسار سياسي يمكن أن يعيد الاعتبار لحل الدولتين ووقف التدهور الميداني المتسارع.

  • الاسم الأبرز في الخبر: محمود الهباش، مستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون الدينية والعلاقات الإسلامية وقاضي قضاة فلسطين.
  • البلدة محور التطورات: قُصرة جنوب نابلس في الضفة الغربية.
  • أبرز رقم موثق: 27 اعتداءً موثقًا في قُصرة منذ بداية 2026 حتى مطلع أبريل، وفق OCHA.
  • الاتجاه العام: أكثر من 1260 حادثة مرتبطة بالمستوطنين في 250 تجمعًا فلسطينيًا منذ بداية 2026 حتى منتصف يوليو.