الهضيبي ينتقد رسوم التقاضي عن بُعد: عبء جديد يثير الجدل
جدل متصاعد حول رسوم التقاضي عن بُعد في مصر
دخلت رسوم التقاضي عن بُعد في مصر دائرة النقاش العام مجددًا، بعد تصريحات للنائب ياسر محمد الهضيبي، وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، اعتبر فيها أن الرسوم الجديدة المرتبطة بالخدمات القضائية الرقمية تمثل عبئًا إضافيًا على المتقاضين والمحامين، وأنها تثير تساؤلات قانونية بشأن الأساس التشريعي الذي تستند إليه. وتأتي هذه المواقف في توقيت حساس، مع تسارع الدولة المصرية في تطبيق مسارات التحول الرقمي داخل منظومة العدالة، خاصة في الملفات الجنائية والمدنية.
الملف لا يقتصر على خلاف مهني بين محامين وجهة إدارية، بل يرتبط بسؤال أوسع يتكرر في أكثر من دولة أفريقية: كيف يمكن تحديث المرافق القضائية وإدخال التكنولوجيا إلى المحاكم من دون أن يتحول ذلك إلى تكلفة إضافية تعرقل حق التقاضي؟ ومن هذه الزاوية، يكتسب الجدل المصري أهمية تتجاوز الداخل، لأنه يلامس نقاشًا قاريًا حول العدالة الرقمية، وإمكانية الموازنة بين الكفاءة وسهولة الوصول إلى الخدمة.
ما الذي أطلق الأزمة؟
بحسب ما أعلنته وزارة العدل المصرية، جرى تدشين منصة التقاضي الجنائي عن بُعد ضمن بوابة خدمات المحامين، على أن تتيح للمحامين إنشاء حسابات واستخدام باقة من الخدمات تشمل الحضور والمرافعة في الجلسات عن بُعد، والاطلاع على ملفات بعض القضايا، وتلقي الإخطارات والقرارات إلكترونيًا. وتظهر المنصة الرسمية أن التسجيل أتيح اعتبارًا من 1 سبتمبر 2026، في إطار الاستعداد لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد.
وتشير تقارير صحفية منشورة خلال الأسبوع الثاني من سبتمبر 2026 إلى أن بعض الخدمات على المنصة ارتبطت برسوم محددة، من بينها 500 جنيه لحضور جلسات الجنايات أول درجة عن بُعد، و100 جنيه لجلسات تجديد الحبس عن بُعد، بينما بقيت خدمات أخرى مثل الاستعلام عن مواعيد الجلسات من دون مقابل. هذه الأرقام كانت الشرارة الأساسية للاعتراضات، لأنها نُظر إليها على أنها تضيف تكلفة جديدة على ممارسة حق الدفاع والوصول إلى المحكمة.
الهضيبي: الرسوم تفتقر إلى السند القانوني
في قلب هذا الجدل، جاء موقف النائب ياسر الهضيبي، وهو من الأصوات البرلمانية المعروفة بمتابعة الملفات المرتبطة بالحقوق والإجراءات العامة. اعتراضه ركز على نقطتين: الأولى أن فرض رسوم جديدة يحتاج إلى أساس قانوني واضح، والثانية أن أي أعباء مالية إضافية قد تنعكس مباشرة على المواطن، سواء كان متقاضيًا أو طرفًا في دعوى أو حتى محاميًا يتحمل الكلفة التشغيلية للخدمة ثم ينقلها عمليًا إلى موكله. كما أن توصيفه للمسألة باعتبارها عبئًا جديدًا ينسجم مع موجة انتقادات أوسع صدرت من دوائر قانونية ومهنية خلال الأيام الماضية.
الجانب القانوني في الاعتراضات ليس هامشيًا. فبعض الطعون والدعاوى التي جرى الحديث عنها استندت إلى أن الرسوم العامة لا تُفرض إلا بقانون، وإلى أن الحق في التقاضي وحق الاستعانة بالدفاع لا ينبغي تقييدهما بأعباء قد تحد من النفاذ الفعلي إلى العدالة. وفي المقابل، يرى مؤيدو المنظومة أن الخدمة الرقمية تضيف قيمة عملية وتختصر وقتًا وجهدًا وانتقالات، وبالتالي فإن وجود مقابل لبعض الخدمات قد يكون جزءًا من تشغيل البنية التقنية الجديدة.
وزارة العدل: رقمنة القضاء لتقليل التكدس وتسريع الإجراءات
الطرح الرسمي يسير في اتجاه مختلف؛ إذ تؤكد وزارة العدل أن التوسع في الخدمات القضائية الإلكترونية جزء من خطة أشمل لتحديث المحاكم وتقليل التكدس، بما يسمح بسرعة إنجاز المعاملات ورفع كفاءة الخدمة. وفي 23 يونيو 2026، أعلنت الوزارة توقيع ثلاثة بروتوكولات تعاون مع بنك مصر وشركات من قطاع المدفوعات والتكنولوجيا المالية، بينها إي فاينانس وبي بلس وسهل، بهدف دعم التحصيل الإلكتروني وتوسيع قنوات السداد المؤمنة. كما أعلنت في 1 مايو 2026 إطلاق خدمة سداد الرسوم عن بُعد للدعاوى المدنية في عدد من المحاكم الابتدائية وجزئياتها.
ومن منظور الوزارة، فإن هذه الخطوات تندرج ضمن مسار يهدف إلى العدالة الناجزة، وتقليل الحضور الفعلي غير الضروري، وتوفير أدوات رقمية للمحامين والمتعاملين مع القضاء. كما أشارت تغطيات رسمية وإخبارية إلى تنظيم برامج تدريبية للقضاة وأمناء السر والمحامين على المنظومة الجديدة في عدد من دوائر محاكم الاستئناف، استعدادًا لتوسيع التطبيق على مستوى الجمهورية.
صلة القضية بقانون الإجراءات الجنائية الجديد
تكتسب الأزمة مزيدًا من الأهمية بسبب ارتباطها بدخول قانون الإجراءات الجنائية الجديد حيز النفاذ اعتبارًا من 1 أكتوبر 2026، وفق ما أوردته تقارير صحفية استنادًا إلى إعلان وزارة العدل. ويستند مشروع التحديث برمته إلى توجه تشريعي أقره البرلمان لتنظيم بعض إجراءات التحقيق والمحاكمة باستخدام الوسائل الإلكترونية، وهو ما عُرض ضمن مناقشات مجلس النواب الخاصة بالقانون الجديد وتعديلاته السابقة، بوصفه جزءًا من تحديث البنية الإجرائية بما يواكب التطور التقني.
لكن الانتقال من إتاحة التقنية إلى فرض رسوم عليها هو النقطة الفاصلة في الجدل الحالي. فالمبدأ التشريعي العام الذي سمح باستخدام الوسائل الحديثة لا يحسم وحده، في نظر المنتقدين، مسألة تسعير الخدمة أو الجهة المخولة بفرض مقابل مالي لها. ومن هنا يتوقع أن يستمر النقاش بين المؤسسات القانونية والسلطة التنفيذية حول ما إذا كانت الرسوم الحالية تمثل تنظيمًا إداريًا مشروعًا، أم أنها تحتاج إلى تدخل تشريعي أكثر وضوحًا.
لماذا يهم هذا الجدل القارئ في قسم «أفريقيا»؟
رغم أن القضية مصرية في ظاهرها، فإن خلفيتها تمس تحولات تشهدها عدة دول أفريقية في السنوات الأخيرة، حيث تتجه الحكومات إلى رقمنة الخدمات العامة، بما في ذلك القضاء والسجل المدني والتحصيل المالي. غير أن التجربة المصرية تقدم مثالًا مهمًا على التحدي القائم بين التحديث المؤسسي والعدالة الاجتماعية: فإذا كانت الرقمنة تختصر الزمن والبيروقراطية، فإن فرض رسوم مرتفعة أو غير محسومة قانونيًا قد يخلق نوعًا جديدًا من العوائق أمام الفئات الأقل قدرة. لذلك تتابع الأوساط القانونية في المنطقة مثل هذه النماذج باعتبارها مؤشرات على مستقبل العدالة الرقمية في القارة.
السيناريوهات المحتملة
- مراجعة الرسوم أو تخفيضها: وهو احتمال وارد إذا تصاعدت الاعتراضات المهنية والبرلمانية والقضائية.
- الإبقاء على المنظومة مع توضيح سندها القانوني: وقد تلجأ الجهات المختصة إلى تفسير قانوني أو تنظيمي يبرر المقابل المالي للخدمات الرقمية.
- اتساع النزاع أمام القضاء الإداري: خصوصًا بعد الحديث عن إقامة دعوى ضد وزير العدل للطعن على الرسوم المقررة لمنصة التقاضي الجنائي عن بُعد.
خلاصة المشهد
ما يحدث اليوم حول رسوم التقاضي الجديدة عن بُعد ليس مجرد تفصيل إداري، بل اختبار فعلي لقدرة الدولة على تنفيذ التحول الرقمي في مرفق حساس مثل القضاء من دون المساس بتكافؤ الفرص في الوصول إلى العدالة. تصريحات النائب ياسر الهضيبي أعادت تسليط الضوء على هذه المعادلة الدقيقة: نعم للتحديث، لكن بشرط ألا يتحول إلى عبء مالي جديد على المواطنين والمحامين. وبينما تمضي وزارة العدل في توسيع المنصات الإلكترونية وربطها بقانون الإجراءات الجنائية الجديد، يبقى الحسم الحقيقي رهينًا بمدى التوفيق بين الكفاءة التقنية والمشروعية القانونية والبعد الاجتماعي للخدمة القضائية في مصر.