انتخابات إسرائيل 2026: الضفة الغربية في قلب المعركة
انتخابات مبكرة تتجاوز سؤال الحكومة
تدخل إسرائيل سباقًا انتخابيًا جديدًا في 27 أكتوبر 2026، بعد حل الكنيست الخامسة والعشرين، في جولة لا تبدو مجرد منافسة تقليدية على تشكيل ائتلاف حاكم، بل اختبارًا سياسيًا مباشرًا لمستقبل الضفة الغربية وحدود المشروع الاستيطاني واتجاه المؤسسات الإسرائيلية نفسها. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذه الانتخابات لا تنبع فقط من تأثيرها على الداخل الإسرائيلي، بل من انعكاساتها المحتملة على القضية الفلسطينية، وعلى المشهد الإقليمي في جوار مصر الاستراتيجي.
الموعد الرسمي للانتخابات تأكد في الإعلانات المرتبطة بانتخابات الكنيست السادسة والعشرين، فيما كان القانون الأساسي يشير أصلًا إلى 27 أكتوبر 2026 كموعد افتراضي، قبل أن يناقش الكنيست بدائل زمنية خلال مسار حل البرلمان. كما أن إقرار تشريعات خاصة بالانتخابات خلال يوليو 2026 عزز الاستعدادات النهائية للجولة المقبلة.
لماذا تحمل هذه الانتخابات وزنًا استثنائيًا؟
السبب الأول هو أن السجال لا يدور فقط حول اسم رئيس الوزراء المقبل، سواء بقي بنيامين نتنياهو أو صعد منافس آخر، بل حول طبيعة السياسة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فالضفة الغربية تحولت خلال العامين الماضيين إلى ساحة قرارات متسارعة تمس الأرض والإدارة والقانون وحرية الحركة، وهي ملفات تجعل نتيجة الانتخابات ذات أثر مباشر على الفلسطينيين أكثر من كثير من الملفات الاقتصادية أو الحزبية الداخلية.
أما السبب الثاني، فهو أن النظام السياسي الإسرائيلي نفسه يدخل الانتخابات وسط نقاش متكرر بشأن توازن السلطات، ودور المحكمة العليا، وقدرة الائتلافات الضيقة على فرض تحولات بعيدة المدى. وفي نظام انتخابي يقوم على التمثيل النسبي الكامل، تبقى نسبة الحسم عند 3.25%، ما يمنح الأحزاب الصغيرة والمتوسطة قدرة مؤثرة في تركيب الحكومات وصياغة برامجها، خصوصًا في القضايا الحساسة مثل الاستيطان والضم وصلاحيات القضاء.
الضفة الغربية: الملف الذي يطغى على كل شيء
في السنوات الأخيرة، لم يعد النقاش الإسرائيلي بشأن الضفة الغربية محصورًا في الأمن أو إدارة الصراع، بل توسع إلى أسئلة أكثر حدة تتعلق بمدى دمج المستوطنات في البنية الإدارية والقانونية الإسرائيلية، وبحدود ما يمكن أن تفعله الحكومة المقبلة على الأرض. تقارير أممية حديثة رصدت استمرار التوسع الاستيطاني وتزايد القيود على حركة الفلسطينيين، إلى جانب تصاعد اعتداءات المستوطنين بما يضغط على عشرات التجمعات الفلسطينية، خاصة في المناطق المصنفة ج.
مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أشار في تحديثاته لعام 2026 إلى مئات الحوادث المرتبطة بعنف المستوطنين في الضفة، كما وثق آثارها على المساكن والبنية الأساسية وسبل العيش. وفي فبراير 2026، لفتت تقارير أممية أيضًا إلى تخصيص الحكومة الإسرائيلية نحو 244 مليون شيكل لاستئناف إجراءات تسجيل الأراضي والتسويات في المنطقة ج، وهي خطوة اعتبرتها الأمم المتحدة جزءًا من مسار يفاقم تآكل فرص حل الدولتين.
على المستوى القانوني الدولي، أعادت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو 2024 التأكيد على أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية أُنشئت وتُحافَظ عليها بما يخالف القانون الدولي. كما رأت أن توسيع إسرائيل نطاق تنظيمها القانوني والإداري في الضفة يعمق السيطرة على الأرض المحتلة. وهذه الخلفية تجعل أي انتخابات إسرائيلية جديدة ذات صلة مباشرة بمصير الأراضي الفلسطينية، لا مجرد شأن داخلي منفصل.
من هم اللاعبون الأهم؟
يبقى بنيامين نتنياهو الشخصية الأكثر بروزًا في المشهد الانتخابي الإسرائيلي، بحكم موقعه وخبرته الطويلة وقدرته على تجميع معسكر اليمين. ولهذا يظهر اسمه في قلب أي نقاش عن الانتخابات المقبلة، ليس فقط باعتباره زعيمًا حزبيًا، بل أيضًا بوصفه ممثلًا لمرحلة سياسية ارتبطت بتوسيع نفوذ اليمين القومي والديني داخل مؤسسات الحكم. ولم أتمكن من التحقق بشكل موثوق من حسابه الرسمي على إنستغرام من مصادر موثوقة مفتوحة، لذلك أذكره هنا دون مقبض حساب.
لكن ثقل الانتخابات لا يقتصر على نتنياهو وحده. فمستقبل الحكومة المقبلة سيتوقف على قدرة الأحزاب الحليفة أو المنافسة على تجاوز نسبة الحسم، وعلى شكل التحالفات بعد إعلان النتائج. وفي التجربة الإسرائيلية، كثيرًا ما حسمت الأحزاب الأصغر اتجاهات كبرى في السياسة الخارجية والداخلية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملف الاستيطان أو بتوزيع الصلاحيات بين الحكومة والقضاء.
ماذا تعني النتيجة للفلسطينيين والمنطقة؟
إذا أفرزت الانتخابات ائتلافًا أكثر تشددًا، فقد يعني ذلك تسريع خطوات الأمر الواقع في الضفة الغربية، سواء عبر توسيع المستوطنات أو تعزيز البنية الإدارية التي تربطها بالمؤسسات الإسرائيلية. أما إذا خرجت نتائج أكثر تعقيدًا وأنتجت ائتلافًا هشًا أو أقل اندفاعًا، فقد يبطئ ذلك بعض القرارات، لكنه لا يضمن تغييرًا جذريًا في الاتجاه العام، لأن البنية السياسية الإسرائيلية نفسها باتت تميل خلال السنوات الأخيرة إلى تغليب مقاربات أمنية واستيطانية. هذا استنتاج تحليلي يستند إلى اتجاهات موثقة، وليس إلى نتيجة انتخابية محسومة بعد.
من زاوية مصرية وأفريقية، يظل ما يجري في الضفة الغربية جزءًا من ملف إقليمي أوسع يمس أمن شرق المتوسط، ومستقبل الدولة الفلسطينية، وحدود فرص التهدئة. كما أن أي تحول كبير في سياسة الاستيطان أو إدارة الأرض المحتلة ستكون له تداعيات مباشرة على مسارات الوساطة والتهدئة والدبلوماسية التي تتابعها القاهرة عن قرب. ولهذا لا تبدو انتخابات 27 أكتوبر مجرد شأن إسرائيلي داخلي، بل محطة تراقبها المنطقة بأكملها.
ما الذي يجب متابعته حتى يوم الاقتراع؟
- شكل التحالفات الحزبية قبل غلق القوائم الانتخابية.
- أداء أحزاب اليمين والوسط في استطلاعات الرأي ومدى قدرتها على تجاوز الانقسامات.
- موقع ملف الضفة الغربية في الخطاب الانتخابي: هل يبقى في المقدمة أم يتراجع لصالح قضايا المعيشة والأمن؟
- نسبة مشاركة الناخبين، لأن النظام النسبي يجعل كل كتلة تصويتية مؤثرة في رسم شكل الائتلاف المقبل.
خلاصة المشهد
إسرائيل تتجه إلى انتخابات مقررة في الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 وسط لحظة سياسية حساسة، حيث يتداخل الصراع على الحكم مع صراع أعمق على هوية الدولة واتجاه مؤسساتها ومستقبل الضفة الغربية. وبينما تبقى الحسابات الحزبية معقدة كالمعتاد، فإن الثابت حتى الآن هو أن نتائج هذه الجولة لن تحدد فقط من يجلس في مكتب رئيس الوزراء، بل قد تؤثر أيضًا في طبيعة الواقع الذي يُفرض على الأرض الفلسطينية خلال السنوات المقبلة.