انتقادات إسرائيلية لنتنياهو وترامب بسبب رواية الحرب مع إيران
انتقادات من داخل إسرائيل لرواية “الانتصار”
فتح الصحفي الإسرائيلي رونين بيرغمان، أحد أبرز المتخصصين في ملفات الاستخبارات والأمن في صحيفة يديعوت أحرونوت، بابًا جديدًا من الجدل داخل إسرائيل بعد انتقاده الطريقة التي عرض بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب نتائج الحرب مع إيران. جوهر الانتقاد، بحسب ما نُقل عن التحليلات الإسرائيلية، أن الخطاب السياسي قدّم صورة منتصرة ومكتملة، بينما الوقائع الميدانية والسياسية لا تزال أكثر تعقيدًا وأقل حسمًا.
هذه القراءة لا تأتي من خصوم إسرائيل في المنطقة، بل من داخل مؤسسة إعلامية إسرائيلية معروفة بقربها من ملفات الأمن القومي، ما يمنح الانتقاد وزنًا خاصًا. فحين يصدر التشكيك من صحفي بحجم بيرغمان، يصبح السؤال الأهم: هل جرى تضخيم نتائج الحرب لأغراض سياسية داخلية في تل أبيب وواشنطن؟
ما الذي قالته المصادر المتاحة عن موقف بيرغمان؟
التغطيات العربية التي نقلت مضمون ما نُشر في يديعوت أحرونوت أشارت إلى أن الانتقاد انصبّ على وجود فجوة بين التصريحات الرسمية والنتائج الفعلية للحرب، وأن ادعاءات الحسم ضد إيران وحلفائها قُدمت بصورة تتجاوز ما تؤكده التطورات اللاحقة. كما رأت هذه التغطيات أن الحكم على نتائج الحروب لا يُبنى على خطابات سريعة، بل على آثار استراتيجية بعيدة المدى تظهر بمرور الوقت.
وبحسب ما تداولته وسائل إعلام عربية نقلاً عن الصحيفة الإسرائيلية، فإن الحديث عن “سحق” الخصوم أو إنهاء التهديدات الإقليمية لم ينعكس بصورة قاطعة على الأرض، سواء في ما يتصل بإيران أو بساحات أخرى مرتبطة بها في الإقليم. ولهذا برز توصيف أن نتنياهو وترامب ارتديا “ريش انتصار غير حقيقي”، أي أنهما قدّما سردية سياسية أكبر من الحصيلة الفعلية.
الوقائع الميدانية لا تدعم رواية الحسم الكامل
التحقق من التطورات الأحدث يوضح سبب هذا الجدل. ففي 15 يونيو 2026 قالت وكالة رويترز إن الولايات المتحدة وإيران توصلتا إلى اتفاق أولي لتمديد هدنة هشة لمدة 60 يومًا، مع بقاء تفاصيل كثيرة غير محسومة، وعلى رأسها مستقبل البرنامج النووي الإيراني. وفي اليوم نفسه أعلن نتنياهو أنه “وقف بحزم” أمام مطالب تتعلق بالانسحاب من جنوب لبنان، ما يعني أن الحرب لم تُغلق ملفاتها الأساسية بشكل نهائي.
وبعد ذلك بيومين، في 17 يونيو 2026، نقلت رويترز أن واشنطن وطهران أطلقتا نص اتفاق مرحلي لوقف الحرب، لكن الاتفاق نفسه كشف استمرار التوتر، إذ لوّح ترامب بإمكانية استئناف القصف إذا لم تلتزم إيران بتعهداتها. كما أظهرت التغطية ذاتها وجود خلاف بين ترامب ونتنياهو بشأن الساحة اللبنانية، بعدما وجّه الرئيس الأمريكي انتقادات لطريقة تعامل إسرائيل مع حزب الله في لبنان.
هذه المعطيات تعني أن الحديث عن انتصار حاسم ونهائي يبدو متسرعًا. فالاتفاق كان مرحليًا، والخلافات الأمريكية الإسرائيلية استمرت، والاشتباك السياسي حول لبنان لم ينتهِ، فضلًا عن أن قضايا البرنامج النووي والرقابة الدولية بقيت مفتوحة.
لبنان حاضر بقوة في تقييم نتائج الحرب
بالنسبة إلى القارئ المصري والعربي، لا يمكن فصل أي تقييم للحرب مع إيران عن الساحة اللبنانية. فلبنان كان جزءًا مباشرًا من تداعيات الصراع، وأي حديث عن نجاح استراتيجي إسرائيلي يفقد كثيرًا من معناه إذا بقيت الجبهة الشمالية مشتعلة أو مهددة بالعودة إلى الاشتعال. وقد أظهرت تغطية رويترز أن وقف الأعمال القتالية في لبنان كان من المطالب الأساسية المرتبطة بالاتفاق الأوسع، لكن التنفيذ على الأرض ظل معقدًا مع استمرار الغارات والتحركات العسكرية.
من هذه الزاوية، تبدو ملاحظات بيرغمان مفهومة: فالرواية السياسية التي تتحدث عن انتصار شامل تصطدم بحقيقة أن ملفات الإقليم لم تُطوَ، وأن ميزان الردع ما زال قيد الاختبار، لا سيما في لبنان الذي يظل ساحة مركزية في أي مواجهة بين إسرائيل ومحور إيران.
الملف النووي الإيراني ما زال دون حسم
أحد أبرز أسباب التشكيك في سردية “الانتصار الكامل” يرتبط بالملف النووي الإيراني. فقد أشارت تقارير دولية في 2026 إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا تزال تواجه صعوبات في التحقق الكامل من وضع الأنشطة النووية الإيرانية، وأن الوصول إلى بعض المواقع الحساسة ظل ملفًا شائكًا بعد الحرب. كما نقلت رويترز في 26 يونيو 2026 أن الاتفاق المرحلي منح المفتشين الدوليين إمكانية الوصول، لكن طهران كانت لا تزال تشير إلى أن بعض المواقع الرئيسية ستبقى مقيدة إلى حين التوصل إلى تسوية نهائية.
هذا التفصيل بالغ الأهمية، لأنه يعني أن الهدف الذي جرى الترويج له أمريكيًا وإسرائيليًا، أي إنهاء الخطر النووي الإيراني بصورة قاطعة، لم يُحسم بالكامل. بل إن هناك مساحة تفاوض ومراقبة وتقدير مستمرة، وهو ما يضعف أي خطاب سياسي يتحدث عن إنجاز نهائي ومغلق.
- أولًا: الهدنة التي أُعلن عنها كانت مؤقتة وقابلة للتمديد أو الانهيار.
- ثانيًا: الخلاف الأمريكي الإسرائيلي بشأن لبنان استمر علنًا.
- ثالثًا: البرنامج النووي الإيراني بقي محل تفاوض ورقابة غير مكتملة.
- رابعًا: نتائج الحرب الإقليمية لم تُنهِ التوتر في ساحات متصلة مثل لبنان.
لماذا يهم هذا الجدل القارئ المصري؟
في مصر، يُنظر إلى أي تصعيد بين إسرائيل وإيران من زاوية أوسع من مجرد المناكفات بين واشنطن وتل أبيب وطهران. فاستقرار الإقليم ينعكس على أمن الممرات البحرية، وحركة الطاقة، وأسعار السلع، واحتمالات تمدد المواجهات إلى دول عربية أخرى. ومن هنا، فإن تفكيك خطاب “الانتصار” ليس مسألة دعائية فقط، بل سؤال سياسي يهم المنطقة كلها: هل تراجعت أسباب الحرب فعلًا، أم جرى فقط تأجيل انفجار جديد؟
هذا النوع من النقد الإسرائيلي الداخلي يلفت الانتباه أيضًا إلى أن المؤسسة السياسية في تل أبيب ليست متفقة بالكامل على تقييم ما جرى. وبينما يحاول نتنياهو توظيف الحرب في تعزيز صورته كرجل أمن وحسم، تظهر أصوات في الإعلام والتحليل الأمني تعتبر أن بيع الوهم للجمهور لا يغيّر حقائق الميدان.
بين الدعاية والنتائج الفعلية
المحصلة أن انتقاد رونين بيرغمان يتجاوز تعليقًا صحفيًا عابرًا؛ فهو يعكس اتجاهًا أوسع يرى أن الحرب مع إيران لم تنتج صورة الانتصار الصافي التي روّج لها نتنياهو وترامب. نعم، حدثت ضربات كبرى وتفاهمات مرحلية، لكن الأسئلة الجوهرية بقيت مفتوحة: ماذا عن البرنامج النووي؟ ماذا عن لبنان؟ وهل تغيّر ميزان القوة فعلًا بصورة نهائية؟
لهذا تبدو العبارة المنسوبة إلى الصحفي الإسرائيلي معبّرة بدقة عن لحظة إقليمية مرتبكة: ريش انتصار يلمع في الخطاب، لكن الواقع على الأرض لا يمنح حتى الآن شهادة حسم نهائي. وبالنسبة إلى المنطقة العربية، فإن مثل هذا التباين بين الرواية السياسية والحقائق الميدانية ليس تفصيلًا، بل مؤشر مهم على أن الشرق الأوسط ما زال يعيش مرحلة سيولة مفتوحة، لا مرحلة استقرار محسوم.