انتكاسة لميلوني في البرلمان الإيطالي تفتح أسئلة 2027
هزيمة تبدو رقمية.. لكنها سياسية بامتياز
تلقت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني ضربة برلمانية لافتة بعد سقوط بند أساسي في مشروع إصلاح قانون الانتخابات الذي يدفع به حزبها إخوة إيطاليا. وفي جلسة تصويت سرية داخل مجلس النواب الإيطالي، رُفض مقترح إعادة التصويت التفضيلي داخل القوائم الحزبية بفارق صوت واحد فقط، بعدما حصل الرافضون على 188 صوتًا مقابل 187 للمؤيدين. ورغم أن الحكومة لم تسقط، فإن الرسالة السياسية كانت ثقيلة: الأغلبية التي تحكم روما لم تعد تتحرك بالتماسك نفسه الذي أوصلها إلى السلطة في 2022.
أهمية هذه النتيجة لا تتوقف عند بند إجرائي في قانون انتخابي، بل تمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بقدرة ميلوني على ضبط حلفائها، وفرض إيقاعها على معركة إعادة هندسة النظام السياسي قبل الانتخابات العامة المقبلة المتوقعة في 2027. ففي الأنظمة البرلمانية، خصوصًا في إيطاليا التي عاشت تاريخًا طويلًا من الحكومات الائتلافية الهشة، قد يكشف تصويت واحد عن تغيرات أعمق من مجرد خسارة تعديل تشريعي.
ما الذي كانت تريده ميلوني وحلفاؤها؟
منذ فبراير 2026، تحدثت تقارير متطابقة عن اتفاق داخل أحزاب اليمين الحاكم الثلاثة، وهي إخوة إيطاليا والرابطة بزعامة ماتيو سالفيني وفورتسا إيطاليا، على إعادة صياغة القانون الانتخابي. الفكرة الأساسية كانت الانتقال من الصيغة الحالية، التي تمزج بين التمثيل النسبي والدوائر الفردية، إلى نظام نسبي كامل مع علاوة مقاعد تمنح الائتلاف الفائز أغلبية مستقرة إذا تجاوز عتبة 40% من الأصوات.
وبحسب ما تداولته مصادر سياسية وتقارير متابعة للشأن الإيطالي، كان المقترح يتضمن أيضًا آلية جولة فاصلة إذا تراوحت نتيجة التحالفات بين 35% و40%. الهدف المعلن من هذا التوجه هو “الاستقرار الحكومي”، وهو الشعار الذي ترفعه ميلوني باستمرار لتبرير إصلاحات مؤسسية أوسع، بينها مشروع “البرميراتو” أو الانتخاب المباشر لرئيس الحكومة. لكن المعارضة ترى في هذه الرزمة محاولة لإعادة تصميم القواعد بطريقة تخدم موازين القوة الحالية أكثر مما تخدم التمثيل السياسي العادل.
أين تقع نقطة الخلاف؟
البند الذي سقط في البرلمان كان يخص إعادة التصويت التفضيلي داخل القوائم الحزبية، أي تمكين الناخب من التأثير في ترتيب المرشحين بدل الاكتفاء باختيار القائمة. ظاهريًا، يبدو هذا الطرح أكثر ديمقراطية، لكنه داخل السياسة الإيطالية المعقدة يحمل حسابات حزبية دقيقة؛ إذ يمكن أن يغير توازنات النفوذ داخل الأحزاب، ويعزز شخصيات محلية أو تيارات لا ترغب القيادات المركزية في إطلاق يدها قبل معركة انتخابية كبيرة.
لهذا السبب، لم يُقرأ سقوط البند على أنه مجرد خلاف فني، بل كمؤشر إلى أن بعض نواب الأغلبية نفسها فضّلوا توجيه رسالة اعتراض، خصوصًا أن التصويت السري يسمح بالتمرد من دون كلفة سياسية مباشرة. وهنا بالتحديد تكمن حساسية الخسارة بالنسبة لميلوني: فالمشكلة لم تأت من المعارضة فقط، بل على الأرجح من داخل الصف المفترض أنه داعم لها.
لماذا يكتسب الأمر وزنًا أكبر الآن؟
السبب الأول هو التوقيت. فإيطاليا تقترب تدريجيًا من دورة انتخابية جديدة، فيما تسعى الحكومة إلى تثبيت صورة اليمين الحاكم باعتباره الضامن الوحيد للاستقرار بعد سنوات من تبدل الحكومات. وعندما تتعرض هذه الحكومة إلى انقسام علني، ولو عبر صندوق اقتراع سري، فإن روايتها السياسية تبدأ في فقدان بعض الصلابة.
السبب الثاني أن الجدل حول القانون الانتخابي يأتي متزامنًا مع سجال أوسع بشأن إصلاحات مؤسسية دفعت بها ميلوني منذ 2024. ففي 18 يونيو 2024 أقر مجلس الشيوخ في القراءة الأولى مشروع التعديل الدستوري الخاص بالانتخاب المباشر لرئيس الوزراء بأغلبية 109 أصوات مقابل 77 مع امتناع عضو واحد، قبل انتقال النص إلى مجلس النواب لاستكمال مساره الدستوري. يومها قدّمت الحكومة المشروع باعتباره خطوة لتعزيز الاستقرار وإنهاء لعبة التحالفات بعد الانتخابات، بينما رأت فيه المعارضة تقليصًا لدور البرلمان ورئاسة الجمهورية.
من هذه الزاوية، تبدو خسارة يوليو 2026 أكثر من مجرد عثرة في ملف انتخابي. إنها تطال السردية الأساسية لميلوني: أن إيطاليا تحتاج إلى قواعد جديدة أكثر حسماً، وأن معسكرها يمتلك الانضباط السياسي الكافي لتمريرها.
كيف تقرأ المعارضة ما حدث؟
أحزاب الوسط واليسار، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي وحركة خمس نجوم، سارعت إلى تقديم النتيجة باعتبارها دليلاً على أن رئيسة الحكومة لم تعد تسيطر بالكامل على أغلبيتها. هذا الخطاب ليس دعائيًا فقط، بل يستند إلى سياق أوسع: المعارضة تقول منذ أشهر إن تعديل القانون قبل الانتخابات المقبلة يهدف إلى تحصين اليمين في الحكم، لا إلى إصلاح الخلل البنيوي في النظام.
كما أن هذا الموقف يستفيد من متغير مهم لم يكن حاضرًا بالقوة نفسها في انتخابات 2022، وهو احتمال تقارب أوسع بين قوى المعارضة. ففي الاقتراع السابق، فشل الحزب الديمقراطي وحركة خمس نجوم في بناء تحالف انتخابي فعّال، ما سهّل على اليمين حصد عدد كبير من المقاعد، خصوصًا في الدوائر الفردية. أما الآن، فثمة نقاش جدي داخل المعسكر المعارض حول تنسيق أوسع قد يحدّ من أفضلية ميلوني إذا بقي القانون الحالي أو حتى إذا جرى تعديله جزئيًا.
وماذا عن الائتلاف الحاكم نفسه؟
من المبكر الحديث عن أزمة حكم، لكن من الصعب أيضًا التقليل من دلالة ما جرى. فالائتلاف الذي يضم ميلوني وسالفيني وقيادة فورتسا إيطاليا لديه مصالح انتخابية مشتركة، لكنه ليس كتلة واحدة متجانسة. كل حزب يفكر في حجم مكاسبه داخل أي قانون جديد، لا فقط في مصلحة الحكومة ككل. وهنا قد تتحول مناقشة تفاصيل مثل القوائم، والأصوات التفضيلية، وعلاوة المقاعد، إلى ساحة تنافس داخل المعسكر نفسه.
دراسات محاكاة انتخابية نُشرت عند طرح الخطة في فبراير 2026 ذهبت إلى أن النظام النسبي الكامل مع علاوة المقاعد قد يمنح يمين الوسط أفضلية مريحة إذا حافظ على تقدمه في استطلاعات الرأي. بعض التقديرات تحدث عن وصول الائتلاف الفائز إلى سقف 60% من المقاعد بفضل المكافأة الانتخابية، مع علاوة قد تبلغ 70 مقعدًا في مجلس النواب و35 مقعدًا في مجلس الشيوخ ضمن التصور المتداول آنذاك. لكن سقوط بند جوهري داخل البرلمان يثبت أن الانتقال من التصور النظري إلى النص النهائي ليس طريقًا سهلاً.
لماذا يهم القارئ المصري؟
بالنسبة إلى القارئ في مصر، لا يتعلق الخبر بتفصيل داخلي بعيد في روما فحسب، بل يهم من زاويتين. الأولى أن إيطاليا لاعب أوروبي رئيسي في ملفات المتوسط والطاقة والهجرة، وأي ارتباك في مركز القرار السياسي هناك ينعكس على أولويات الحكومة الإيطالية الخارجية. والثانية أن النقاش الإيطالي يقدّم مثالًا حيًا على معضلة مألوفة في كثير من الديمقراطيات: كيف يمكن السعي إلى الاستقرار من دون أن يتحول تعديل قواعد اللعبة إلى أداة لترجيح كفة السلطة القائمة؟
في هذا المعنى، تبدو هزيمة ميلوني البرلمانية درسًا سياسيًا أكثر من كونها حادثًا إجرائيًا. فالحكومات القوية لا تُقاس فقط بعدد مقاعدها، بل أيضًا بقدرتها على إقناع حلفائها قبل خصومها. وعندما يسقط بند محوري بفارق صوت واحد في اقتراع سري، فإن الرسالة تكون واضحة: السلطة ما زالت في يد ميلوني، لكن هامشها بات أضيق، والطريق إلى 2027 لن يكون مفروشًا بالتسويات المضمونة.
الخلاصة
ما حدث في البرلمان الإيطالي يوم 14 يوليو 2026 لا يعني نهاية مشروع ميلوني لإعادة تشكيل قواعد السياسة في بلادها، لكنه بالتأكيد يمثل إنذارًا مبكرًا. فالمعركة على قانون الانتخابات ليست تقنية، بل صراع على من يحدد شكل المنافسة المقبلة وشروط إنتاج السلطة. وبينما تحاول ميلوني تقديم نفسها بوصفها مهندسة الاستقرار، أظهر التصويت الأخير أن الاستقرار نفسه قد يصبح موضع تفاوض داخل معسكرها قبل أن يكون محل نزاع مع المعارضة.