Akhbar Cairo

إندونيسيا ومجموعة العشرين: الغذاء ليس سلاحًا جيوسياسيًا

رفض جماعي داخل مجموعة العشرين لتحويل الغذاء إلى أداة ضغط

في تطور يعكس تصاعد القلق الدولي من تداخل السياسة بالتجارة والإمدادات الحيوية، أعلن وزير التجارة الإندونيسي بودي سانتوسو أن وزراء تجارة مجموعة العشرين رفضوا محاولات استخدام الغذاء كوسيلة للضغط الجيوسياسي خلال اجتماعاتهم الأخيرة. وبحسب بيان وزارة التجارة الإندونيسية، جاء هذا الموقف خلال اجتماع وزراء تجارة مجموعة العشرين الذي عُقد في ميلووكي بولاية ويسكونسن الأمريكية يومي 30 سبتمبر و1 أكتوبر 2026، حيث طُرح ملف الأمن الغذائي في صلب النقاشات الدولية.

الوزير الإندونيسي شدد على أن الأمن الغذائي يجب أن يبقى بعيدًا عن حسابات الضغط السياسي، معتبرًا أن الغذاء يرتبط مباشرة بكرامة الإنسان واستقرار المجتمعات، وليس مجرد بند تفاوضي في خلافات التجارة. كما دعت جاكرتا إلى تحرك جماعي يضمن استمرار الوصول إلى الغذاء بشكل مستدام وعادل، خصوصًا للدول الأكثر تعرضًا لاضطرابات سلاسل الإمداد وتقلبات الأسعار العالمية.

ما الذي جرى في اجتماع ميلووكي؟

الاجتماع جاء ضمن مسار التجارة والاستثمار في إطار رئاسة جنوب أفريقيا لمجموعة العشرين، وناقش في إحدى جلساته موضوعًا حساسًا حمل عنوانًا مباشرًا يتعلق بـ“تسليح الغذاء عبر إجراءات تجارية قسرية”. هذا العنوان بحد ذاته يعكس حجم القلق الدولي من استخدام القيود التجارية أو التعطيل المتعمد للإمدادات الزراعية كورقة نفوذ سياسي في لحظة يعاني فيها العالم أصلًا من هشاشة متزايدة في منظومة الغذاء.

وتشير المعطيات الصادرة عن الحكومة الإندونيسية إلى أن الموقف الذي عبّر عنه بودي سانتوسو لم يكن معزولًا، بل جاء بوصفه خلاصة نقاشات بين وزراء التجارة في الاقتصادات الكبرى. كما أن إندونيسيا دفعت خلال الاجتماعات نحو تعزيز التعاون الدولي في ملفات سلاسل الإمداد، وضمان نفاذ أكثر استقرارًا للغذاء، وتخفيف الاضطرابات التي تنعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية حول العالم.

لماذا تزداد حساسية ملف الغذاء عالميًا؟

هذا الموقف لا يمكن فصله عن الأرقام الأممية الحديثة بشأن الجوع وكلفة الغذاء. فوفق بيانات منظومة الأمم المتحدة المعنية بالأمن الغذائي، عانى نحو 673 مليون شخص من الجوع في عام 2024، بينما بلغ عدد غير القادرين على تحمّل كلفة نظام غذائي صحي نحو 2.6 مليار شخص على مستوى العالم. هذه المؤشرات تفسر لماذا تثير أي قيود تجارية على الغذاء مخاوف تتجاوز الاقتصاد إلى الاستقرار الاجتماعي والسياسي في دول كثيرة، خاصة في أفريقيا وغرب آسيا.

كما تُظهر تقارير الأمم المتحدة أن التراجع العالمي في معدلات الجوع لا يسير بوتيرة متساوية بين المناطق، إذ ما تزال أفريقيا وغرب آسيا تواجهان ضغوطًا أكبر. ومن هنا يصبح أي توظيف سياسي للغذاء أو تعطيل للإمدادات الدولية عاملًا مضاعفًا للأزمة، خصوصًا في الدول المستوردة الصافية للحبوب والزيوت والسلع الزراعية الرئيسية.

أهمية الرسالة بالنسبة لمصر والدول المستوردة للغذاء

بالنسبة للقارئ في مصر، يكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأن استقرار تجارة الغذاء العالمية يرتبط مباشرة بأمن الأسواق المحلية في الدول الكبرى المستوردة للحبوب. وتؤكد البيانات الرسمية المصرية خلال عام 2026 أن الحكومة تتابع باستمرار ملف الاحتياطي الاستراتيجي من السلع الأساسية، مع تأكيدات متكررة بأن مخزون السلع الرئيسية، ومنها القمح، عند مستويات مطمئنة، وأن بعض الاحتياطيات تكفي لعدة أشهر. كما استهدفت مصر شراء نحو 5 ملايين طن من القمح المحلي في موسم 2026، في إطار تقليص فجوة الاستيراد وتعزيز المرونة أمام الصدمات الخارجية.

ومن زاوية أوسع، فإن أي توافق داخل مجموعة العشرين ضد تسييس الغذاء يمنح الدول النامية مساحة أكبر للمطالبة بإبقاء التجارة الزراعية بعيدة عن أدوات العقاب والمساومة. وهذا مهم لبلدان مثل مصر التي تعتمد على إدارة دقيقة لمزيج من الإنتاج المحلي والاستيراد، إلى جانب تطوير منظومات التخزين والصوامع والاحتياطيات الاستراتيجية لتأمين السوق الداخلية.

من هو بودي سانتوسو؟

يقود هذا الموقف وزير التجارة الإندونيسي بودي سانتوسو، الذي تولى منصبه رسميًا في 21 أكتوبر 2024 بعد مسار مهني طويل داخل وزارة التجارة الإندونيسية، شغل خلاله مناصب بينها الأمين العام للوزارة والمدير العام للتجارة الخارجية. ويمنح هذا المسار الإداري وزنًا إضافيًا لتصريحاته، لأنها تصدر عن مسؤول يتعامل مباشرة مع ملفات التجارة الدولية وسلاسل التوريد.

ولم يتسن التحقق بشكل موثوق من حساب إنستغرام رسمي شخصي للوزير، لذلك يُذكر هنا باسمه فقط التزامًا بالدقة المطلوبة.

هل يعكس الموقف تحولًا أوسع داخل مجموعة العشرين؟

المؤشرات المتاحة توحي بأن الأمر ليس تصريحًا عابرًا. فوثائق واجتماعات سابقة ضمن مسار مجموعة العشرين، خصوصًا خلال رئاسة جنوب أفريقيا، أولت الأمن الغذائي مساحة بارزة، مع التركيز على إصلاح تجارة الزراعة، وزيادة القدرة على تحمّل كلفة الغذاء، وتقوية الإنتاج المحلي وسلاسل التوزيع في الدول الأكثر هشاشة. كما استحضرت وثائق مرتبطة بمسار الأمن الغذائي داخل المجموعة أرقامًا مقلقة بشأن الجوع وعدم القدرة على شراء غذاء صحي، ما يعزز الاتجاه الداعي إلى تحييد الغذاء عن التجاذبات الجيوسياسية.

وبالنظر إلى أن مجموعة العشرين تضم أكبر الاقتصادات المؤثرة في التجارة والتمويل والإنتاج الزراعي، فإن أي توافق سياسي داخلها لا يُعد أمرًا رمزيًا فقط، بل قد ينعكس على صياغة مواقف تفاوضية أوسع في مؤسسات التجارة الدولية وعلى طريقة تعامل الدول مع الصادرات الزراعية في أوقات الأزمات. وهذا استنتاج مدعوم بسياق الاجتماعات والوثائق الرسمية، حتى لو كانت ترجمة ذلك إلى سياسات عملية ستظل مرتبطة بمدى التزام الدول الأعضاء لاحقًا.

بين التجارة والإنسان: ما الرسالة الأساسية؟

الرسالة الأبرز من اجتماع ميلووكي واضحة: العالم لم يعد ينظر إلى الغذاء باعتباره سلعة اقتصادية فقط، بل باعتباره عنصرًا من عناصر الأمن الإنساني والاستقرار الدولي. وعندما تعلن دولة بحجم إندونيسيا، مدعومة بموقف وزراء تجارة مجموعة العشرين، رفضها لتسليح الغذاء، فإنها توجه إشارة إلى أن حماية الإمدادات الغذائية باتت جزءًا من معركة أوسع ضد الاضطراب العالمي.

وبالنسبة للمنطقة العربية وأفريقيا، حيث لا تزال فاتورة استيراد الغذاء تمثل عبئًا ثقيلًا على الموازنات وعلى المستهلكين، فإن تثبيت مبدأ عدم استخدام الغذاء أداة للضغط قد يكون خطوة سياسية مهمة، حتى لو ظل التحدي الحقيقي في كيفية تحويل هذا المبدأ إلى قواعد أكثر صرامة في التجارة الدولية، وإلى تعاون يحد من تقلبات الأسعار ويؤمن الإمدادات في أوقات التوتر والأزمات.