Akhbar Cairo

انسحاب وفود من قاعة الأمم المتحدة مع بدء خطاب نتنياهو

انسحاب جماعي يطغى على مشهد كلمة نتنياهو

في لقطة حملت دلالات سياسية تتجاوز دقائق الخطاب نفسه، غادرت وفود دولية قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك مع بدء كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مشهد عكس مستوى الاحتقان الدبلوماسي المحيط بالحرب على غزة والجدل المتصاعد داخل المنظومة الدولية بشأن سلوك إسرائيل في الأراضي الفلسطينية.

الواقعة رُصدت خلال اجتماعات الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة، حيث أظهرت لقطات مصورة مقاعد شاغرة لعدد من البعثات بعد صعود نتنياهو إلى المنصة يوم 27 سبتمبر 2024. تقارير صحفية مصرية ودولية وثّقت أن الانسحاب جاء كإشارة احتجاج سياسي، بينما واصل نتنياهو كلمته أمام القاعة وسط انقسام واضح في ردود الفعل داخل المقر الأممي.

ماذا حدث داخل القاعة؟

بحسب ما وثقته تغطيات صحفية متعددة، فقد بدأ خروج عدد من الدبلوماسيين تزامنًا مع توجه نتنياهو إلى المنبر. وتحدثت تقارير عن أن بعض الحاضرين المؤيدين له صفقوا من الشرفة، في حين اختارت وفود أخرى المغادرة بدل البقاء للاستماع إلى الخطاب. هذا التباين منح الجلسة طابعًا استثنائيًا، خصوصًا أن كلمة رئيس الحكومة الإسرائيلية جاءت في ذروة توتر إقليمي واسع شمل غزة ولبنان، ومع تصاعد الانتقادات الدولية لعدد الضحايا المدنيين الفلسطينيين.

المشهد لم يكن معزولًا عن السياق العام داخل الأمم المتحدة؛ فقبل أيام فقط من الخطاب، كانت الجمعية العامة قد تبنت في 18 سبتمبر 2024 قرارًا بأغلبية 124 دولة مقابل 14 وامتناع 43، يطالب إسرائيل بإنهاء وجودها غير القانوني في الأرض الفلسطينية المحتلة خلال 12 شهرًا، استنادًا إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 19 يوليو 2024. هذه الخلفية تفسر لماذا اعتُبر ظهور نتنياهو على المنصة اختبارًا لميزان العزلة والتأييد داخل المنظمة الدولية.

مضمون خطاب نتنياهو ولماذا أثار الاعتراض؟

في كلمته أمام الدورة الـ79 للجمعية العامة، دافع نتنياهو عن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، وركز على ربط الصراع بإيران وحلفائها في المنطقة، كما قدم الحرب بوصفها معركة وجود بالنسبة لإسرائيل. ووفق تغطيات دولية من اليوم نفسه، شدد على مواصلة القتال ضد حركة حماس في غزة وضد حزب الله في لبنان حتى تحقيق ما وصفه بأهداف بلاده.

لكن الاعتراض على الخطاب لم يأت فقط من مضمون الرسائل السياسية، بل أيضًا من توقيته. فالكلمة جاءت بينما كانت إسرائيل تواجه ضغوطًا قانونية ودبلوماسية متزايدة، وبعد تصويت أممي واسع ضد استمرار الاحتلال، وفي ظل نقاشات دولية مفتوحة حول المساءلة. وبعد ذلك بشهرين تقريبًا، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، في تطور زاد من ثقل العزلة القانونية والسياسية المحيطة بالحكومة الإسرائيلية.

دلالات الانسحاب دبلوماسيًا

الانسحاب من قاعة الجمعية العامة لا يغير وحده قرارات المنظمة، لكنه يحمل قيمة رمزية كبيرة في العمل الدبلوماسي. فعندما تختار وفود مغادرة القاعة لحظة بدء خطاب زعيم ما، فإنها تبعث برسالة اعتراض علنية لا تحتاج إلى بيان مطول. في حالة نتنياهو، بدا المشهد كأنه تلخيص بصري لتحول أوسع في المزاج الدولي منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023.

ومن زاوية إفريقية وعربية تهم القارئ المصري، فإن هذا التطور يعكس أيضًا اتساع حضور القضية الفلسطينية في مواقف عدد من دول الجنوب العالمي، بما فيها دول إفريقية وآسيوية وأمريكية لاتينية، داخل المحافل متعددة الأطراف. كما ينسجم مع توجهات دبلوماسية ظهرت بوضوح في تصويتات الأمم المتحدة الأخيرة، حيث دعمت غالبية الدول الأعضاء تحركات تدعو إلى إنهاء الاحتلال واحترام القانون الدولي.

لماذا يهم هذا المشهد القارئ في مصر وإفريقيا؟

بالنسبة إلى مصر، التي ترتبط مباشرة بملف غزة بحكم الجغرافيا والدور السياسي والإنساني، فإن أي مؤشر على تبدل المزاج الدولي داخل الأمم المتحدة يظل ذا أهمية خاصة. فالمواقف داخل الجمعية العامة تؤثر في البيئة السياسية المحيطة بملفات وقف إطلاق النار، والمساعدات الإنسانية، وإحياء مسار التسوية. كما أن اتساع الانتقادات لإسرائيل ينعكس على حسابات القوى الإقليمية والدولية المتدخلة في الأزمة.

أما إفريقيًا، فالقضية الفلسطينية ظلت حاضرة في أدبيات عدد من الدول والاتحادات الإقليمية بوصفها ملفًا مرتبطًا بمناهضة الاحتلال وتقرير المصير. لذلك يُقرأ انسحاب الوفود من زاوية أوسع من مجرد احتجاج لحظي؛ إذ يُنظر إليه باعتباره امتدادًا لتحولات سياسية وقانونية ودبلوماسية تشهدها الساحة الدولية.

بين الصورة والرسالة

اللافت أن انتشار الفيديو المصاحب للواقعة منحها تأثيرًا أكبر من كثير من الخطب الرسمية. فالصورة هنا أدت وظيفة الخبر والتحليل معًا: زعيم يصعد لإلقاء كلمة، ووفود تختار الانسحاب في التوقيت نفسه. وفي عالم السياسة الدولية، تصبح هذه اللقطات جزءًا من السجل الرمزي للأزمة، تمامًا كما تتحول التصويتات والبيانات إلى وثائق مرجعية لاحقًا.

كما أن الحديث عن توثيق أسماء الوفود المنسحبة من جانب دبلوماسي إسرائيلي، وهو ما تداولته مقاطع مصورة على نطاق واسع، يعكس إدراكًا إسرائيليًا لحساسية المشهد نفسه. غير أن التفاصيل الفردية المتعلقة بهوية كل من غادر أو كل من قام بالتوثيق لم تظهر في مصادر رسمية موثقة على نحو يسمح بالجزم الكامل بها، لذلك يبقى الثابت المؤكد هو وقوع الانسحاب الجماعي وارتباطه المباشر ببداية خطاب نتنياهو.

خلاصة المشهد

ما جرى في قاعة الجمعية العامة يوم 27 سبتمبر 2024 لم يكن مجرد بروتوكول مكسور، بل تعبيرًا سياسيًا مكثفًا عن مناخ دولي مشحون تجاه إسرائيل وقيادتها. وبين تصويت أممي واسع يطالب بإنهاء الاحتلال خلال عام واحد، وضغوط قانونية لاحقة من المحكمة الجنائية الدولية، بدا انسحاب الوفود من خطاب بنيامين نتنياهو وكأنه عنوان بصري لمرحلة تتزايد فيها كلفة العزلة الدبلوماسية.

وفي حسابات السياسة، قد لا يوقف مشهد كهذا حربًا، لكنه يضيف إلى رصيد الرمزية الدولية التي تلاحق أي قائد حين يجد نفسه يتحدث أمام قاعة لم تعد مستعدة للإصغاء بالطريقة القديمة.