أوروبا تُشدد حماية الأطفال رقميا بقيود قبل سن 15
أوروبا تتجه إلى تشديد القيود على استخدام الأطفال لمنصات التواصل
تتحرك مؤسسات الاتحاد الأوروبي وعدد من الحكومات الأوروبية في اتجاه أكثر صرامة لحماية الأطفال على الإنترنت، مع تصاعد الدعوات إلى تقييد وصول من هم دون 15 عاما إلى بعض منصات التواصل الاجتماعي، أو إخضاعهم لآليات تحقق أكثر دقة من العمر. هذا التحول لم يعد مجرد نقاش سياسي أو تربوي، بل أصبح جزءا من مسار تنظيمي أوسع تقوده بروكسل بالتوازي مع تشريعات وطنية في عدة دول أوروبية. وتستند هذه الموجة إلى قناعة متنامية بأن الاكتفاء بإدخال تاريخ ميلاد عند التسجيل لم يعد كافيا لحماية القُصّر من المحتوى الضار أو من تصميمات المنصات التي قد تدفع إلى الإدمان الرقمي أو التعرض للتنمر والاستدراج الإلكتروني.
وفي قلب هذا المسار تقف المفوضية الأوروبية، التي أعلنت أن الحل الأوروبي الموحد للتحقق من العمر أصبح جاهزا تقنيا منذ 15 أبريل 2026، على أن تتمكن الدول الأعضاء من تكييفه ونشره بحلول 31 ديسمبر 2026. الفكرة الأساسية، بحسب الوثائق الأوروبية، هي تمكين المستخدم من إثبات أنه تجاوز سنا معينا مثل 15 أو 18 عاما من دون الكشف عن تاريخ ميلاده الكامل أو هويته التفصيلية، في محاولة للجمع بين حماية الأطفال والحفاظ على الخصوصية.
ما الذي يدفع أوروبا إلى هذا التشدد؟
الضغوط الأوروبية تستند إلى قانون الخدمات الرقمية الأوروبي، الذي دخل التطبيق الكامل في 17 فبراير 2024، وفرض على المنصات الرقمية الكبرى التزامات أوسع في ما يتعلق بتقييم المخاطر وحماية الفئات الأصغر سنا. وفي يوليو 2025 أصدرت المفوضية إرشادات خاصة بحماية الأطفال، تضمنت تشجيع استخدام أدوات التحقق من العمر عندما يكون الوصول إلى الخدمة أو المحتوى مقيدا قانونا بحسب السن. وتعتبر بروكسل أن حماية الأطفال لم تعد شأنا أخلاقيا فقط، بل ملفا تنظيميا يمكن أن يقود إلى تحقيقات وعقوبات بحق الشركات التي لا تطبق ما يكفي من الضمانات.
هذا التوجه ظهر عمليا في ملفات رقابية مفتوحة ضد شركات التكنولوجيا. ففي 29 أبريل 2026 قالت المفوضية الأوروبية إنها توصلت مبدئيا إلى أن Meta قد تكون أخلت بالتزاماتها بموجب قانون الخدمات الرقمية بسبب عدم اتخاذ إجراءات فعالة لمنع من هم دون 13 عاما من استخدام فيسبوك وإنستغرام، مع الإشارة إلى سهولة التحايل عبر إدخال تواريخ ميلاد غير صحيحة. كما فتحت المفوضية في 26 مارس 2026 إجراءات رسمية للتحقيق في مدى التزام Snapchat بتوفير مستوى كاف من الأمان والخصوصية للأطفال.
من بروكسل إلى العواصم: دول أوروبية تتحرك منفردة أيضا
بجانب الإطار الأوروبي العام، تمضي عدة دول في إعداد أو إقرار قواعد وطنية أشد. فرنسا برزت بين أبرز الحالات؛ إذ أظهرت وثائق الإخطار الأوروبية الخاصة بمشروعها التنظيمي أن التوجه يقوم على حظر وصول من هم دون 15 عاما إلى بعض خدمات التواصل الاجتماعي التي يُنظر إليها على أنها قد تضر بالنمو البدني أو النفسي أو الأخلاقي للأطفال والمراهقين، مع إسناد دور رقابي إلى هيئة Arcom بالتشاور مع هيئة حماية البيانات الفرنسية CNIL في ما يخص أنظمة التحقق من العمر.
كما أشارت تقارير أوروبية إلى أن إسبانيا طرحت في 2026 حظرا لمن هم دون 16 عاما، بينما اتجهت دول أخرى إلى صيغ متفاوتة بين الحظر الجزئي، واشتراط موافقة الأهل، أو فرض إعدادات افتراضية أكثر أمانا للقُصّر. وحتى حين تختلف الحدود العمرية من دولة إلى أخرى، يبقى القاسم المشترك هو تحميل المنصات مسؤولية أكبر وعدم الاكتفاء بالرقابة الأسرية وحدها.
هينا فيركونن في واجهة الملف الأوروبي
من الوجوه الأبرز في هذا الملف داخل المفوضية الأوروبية هينا فيركونن، نائبة رئيس المفوضية الأوروبية لشؤون السيادة التقنية والأمن والديمقراطية. وتُعد فيركونن مسؤولة سياسيا عن جزء مهم من الأجندة الرقمية الأوروبية، بما في ذلك أدوات السلامة الرقمية ومسار التحقق من العمر على مستوى الاتحاد. وتظهر في البيانات الرسمية للمفوضية باعتبارها من الشخصيات التي دفعت باتجاه تسريع نشر التطبيق الأوروبي الخاص بإثبات السن، إلى جانب التأكيد على أن أولوية الاتحاد هي سلامة الأطفال قبل المصالح التجارية للمنصات.
كيف سيعمل التحقق من العمر؟
النهج الأوروبي، وفقا للوثائق الرسمية، لا يقوم على كشف العمر الدقيق للمستخدم، بل على تأكيد تجاوزه عتبة عمرية محددة. وهذه نقطة مهمة في النقاش الدائر داخل أوروبا، لأن الاعتراضات لا تتعلق فقط بفعالية القيود، بل أيضا بمخاطر تحويل التحقق من العمر إلى أداة لجمع بيانات واسعة عن المستخدمين. ولهذا تقول المفوضية إن النموذج المقترح “حافظ للخصوصية” ويمكن دمجه لاحقا مع محفظة الهوية الرقمية الأوروبية أو تشغيله كتطبيق مستقل.
وتوضح المفوضية أن هذا النظام موجه في الأساس إلى الخدمات المقيدة قانونا بحسب السن، مثل المحتوى الإباحي أو المقامرة أو شراء الكحول عبر الإنترنت، لكنه يصلح أيضا عندما تضع القوانين الوطنية حدا أدنى لسن استخدام بعض خدمات التواصل الاجتماعي. وبذلك يصبح سن 15 عاما، في بعض الدول، عتبة قانونية قابلة للتنفيذ تقنيا بدلا من أن تبقى مجرد شرط مكتوب في صفحة التسجيل.
لماذا يهم هذا التطور القارئ في مصر والمنطقة؟
رغم أن القضية أوروبية في الأساس، فإن أصداءها تتجاوز القارة. فالتشريعات الرقمية الكبرى في بروكسل غالبا ما تؤثر في سياسات الشركات عالميا، لأن المنصات تفضل أحيانا توحيد بعض أدوات الامتثال بدلا من تشغيل قواعد مختلفة تماما لكل سوق. ومن ثم، فإن أي تشدد أوروبي تجاه حسابات القُصّر قد ينعكس تدريجيا على تجربة المستخدمين في أسواق أخرى، بما فيها الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما أن النقاش الأوروبي يهم الأسر المصرية والعربية التي تواجه الأسئلة نفسها: متى يبدأ الطفل استخدام المنصات؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وهل تكفي أدوات الرقابة الأبوية من دون تدخل تنظيمي؟ وهذا استنتاج تحليلي يستند إلى الثقل التنظيمي الأوروبي العالمي، وليس إلى إعلان رسمي بتطبيق القواعد خارج أوروبا.
التحدي الحقيقي: التطبيق لا الشعار
ورغم الزخم السياسي، يبقى التحدي الأكبر في التنفيذ العملي. فنجاح أي قواعد جديدة سيتوقف على ثلاثة عناصر رئيسية:
- فعالية التحقق من العمر: هل يمنع فعلا التحايل عبر بيانات مزيفة أو أجهزة الأهل؟
- حماية الخصوصية: هل تُطبق الأدوات من دون جمع بيانات زائدة عن الحاجة؟
- مسؤولية المنصات: هل تعيد الشركات تصميم الخدمات الموجهة للصغار بصورة تقلل الإدمان والتوصيات الضارة؟
حتى الآن، يبدو أن أوروبا حسمت شيئا واحدا: مرحلة الاكتفاء بالتعهدات الطوعية من شركات التكنولوجيا تقترب من نهايتها. والاتجاه العام داخل الاتحاد، سواء عبر المفوضية الأوروبية أو عبر التشريعات الوطنية، يسير نحو معادلة جديدة تضع سن الطفل وسلامته الرقمية في مقدمة أولويات التنظيم. بالنسبة للقارئ المصري، هذا الملف ليس بعيدا؛ فهو يقدم نموذجا لما قد تبدو عليه الموجة المقبلة من تنظيم الفضاء الرقمي عالميا، خاصة في ما يتعلق بالأطفال والمراهقين.